
من فيلم علي أصغري “قليل من النور” (ملف الفيلم)
هوفيك حبشيان . ناقد. اندبندنت عربية
ملخص
ما الذي يبقي المواطن متشبثاً بالحياة في دولة قمعية حين يفقد ثقته بالمستقبل؟ سؤال يبدو في “قليل من النور”، الفيلم الجديد للمخرج الإيراني الشاب علي أصغري، شخصياً، لكنه سرعان ما يتسع ليصبح هاجس بلد كامل.
الحكاية عن طبيب إيراني (ميساك زاريه) يُعتقل وتُغلق عيادته، فيفقد إيمانه بالمستقبل ويقرر الانتحار، لا يمنحه أصغري أياماً إضافية لتغيير العالم من حوله، كل ما يملكه هو يوم عادي يزور خلاله إخوته وأمه، فيحاول أن يهيئهم لغيابه، تاركاً نفسه في حضن علاقات عائلية صغيرة تعيده ببطء إلى الحياة، أو… ما يشبهها.
أُنجز “قليل من النور” في ظروف شديدة الصعوبة، في فترة تزامنت مع بداية الحرب، بعد عرضه في مسابقة مهرجان البندقية الأخير، شق الفيلم طريقه إلى مهرجان الجونة فنال “النجمة البرونزية”، في كلمة للمخرج منشورة في الملف الصحافي، يبدو السؤال أكثر وضوحاً: “عندما تصبح المعاناة جزءاً لا ينفصل من وجودنا اليومي، ما الذي يعطي الحياة قيمتها؟”.
لا يبحث أصغري عن إجابة فلسفية، بالنسبة إليه الحياة تستمر من خلال الآخرين، من خلال العناية والحضور والروابط التي لا ننتبه إليها عادة، يقول إن العيش في إيران، حيث “الصعوبات الاقتصادية، وعدم اليقين السياسي، والظل المستمر للحرب” أصبحت جزءاً من الحياة اليومية، جعله يرى كيف يواصل الناس الاعتناء بعضهم ببعض، وكيف تنشأ لحظات صغيرة من الأمل وسط هذا كله، لذلك فإن عنوان الفيلم “قليل من النور”، يبدو أقرب إلى تعريف بجماليات أصغري منه إلى وعد بالخلاص، ذلك أن النور لا يأتي من الخارج، ولا من تحول سياسي كبير، وإنما من يد أم أو حضور أخ، هي أشياء بسيطة لكنها كافية لكي لا يسقط الإنسان تماماً.
وإذا كان بطل الفيلم فقد عيادته وحريته وإيمانه بالمستقبل، فإن أصغري يعرف شيئاً عن هذه الخسارات (وإن لم يكن الفيلم سيرة ذاتية)، بعدما أصبحت علاقة المخرج الإيراني بمؤسسات بلاده جزءاً من تجربته الشخصية والمهنية، فعقب فيلمه “الآيات الأرضية”، الذي أخرجه بالاشتراك مع علي رضا خاتمي، صودر جواز سفر الأصغري ومُنع من العمل.
مواجهة غير بطولية
لكن أصغري لا يتحدث عن هذه المواجهة بلغة البطولة، في كلامه، تظهر الشكوك بقدر ما تظهر المقاومة، يقول، في لحظة شديدة الدلالة “أحياناً أنظر حولي فأرى أصدقاء يمتلكون بيوتاً وفيللات وسيارات جميلة، وحياة مستقرة، فأجدني أتساءل: لماذا نقاوم النظام؟ هل هذا حقاً الطريق الصحيح؟”، ثم يعود إلى السبب الذي يدفعه إلى الاستمرار: السينما، “نحب كيارستمي، تاركوفسكي، هؤلاء الذين شكّلونا وعلّمونا كيف ننظر إلى العالم”، هذا هو نوع السينما الذي يريد أن ينجزه، حتى لو كانت مليئة بالعقبات وكلفت أبناء جيله ثمناً باهظاً في بعض الأحيان.
في “كوميديا إلهية” فيلمه ما قبل الأخير، جعل أصغري هذا السؤال موضوع الفيلم، إنه عن مخرج (بهمان أرك) يحاول عرض فيلمه داخل إيران، فيصطدم بموظف في وزارة الثقافة يعترض على تفاصيل: اللغة التركية، وظهور كلب، إلخ، لكن وراء هذه التفاصيل نظام كامل يريد أن يقرر ما يجوز أن يظهر على الشاشة. اختار أصغري ألا يُظهر الموظف، نسمع صوته فقط، “لم أرغب في تجسيد شخص بعينه، ما أردته هو صوت، حضور، أيديولوجيا تتحكم في أدق تفاصيل حياتك”.
لا يقدمه أصغري على أنه كاريكاتور للبيروقراطي الجاهل، على العكس، الموظف يعرف السينما، ويستشهد بالمخرجين، ويقدم نصائحه بلغة تبدو أحياناً منفتحة ومثقفة، يقول أصغري “يعرفون السينما، وبعضهم ملمّ بالفلسفة، يمكنهم محاورتك على مستوى فكري عالٍ، لكن في النهاية، هم جزء من النظام”.
الواقع الإيراني في نظر أصغري صار أحياناً أكثر عبثية من أن يُروى بنبرة واقعية صرفة، ولعل الكلب الذي يصر أصغري على إبقائه في نهاية “كوميديا إلهية” يلخص هذه الرغبة في الإفلات، طوال الفيلم يحاول الجميع محو الكلب من الصورة: السلطة الدينية تعترض عليه، وشخصيات أخرى تقترح حذف المشهد، لكنه يبقى، وفي النهاية يصبح، كما يقول أصغري، “العين الخارجية” التي تراقب البشر وفوضاهم.
من “كوميديا إلهية” إلى “قليل من النور” تغير الأسلوب عند أصغري، لكن بقي الإنسان في مواجهة منظومة أكبر منه، في الأول يسخر المخرج من السلطة التي تريد أن تقرر شكل الصورة، وفي الثاني يتأمل الإنسان الذي يكاد يفقد قدرته على استشفاف المستقبل، وفي الحالتين النظام هو المسؤول، وبينهما تتشكل صورة إيران المعاصرة: بلد يعيش أزمات اقتصادية وسياسية وعسكرية.
يرى أصغري أن شيئاً تغير بعد انتفاضة 2022، يروي أن كثيراً من السينمائيين لم يعودوا مستعدين لطلب الإذن من وزارة الثقافة، وأن نحو نصفهم، بحسب تقديره، توقفوا عن التقدم بطلبات التصوير، “قرر الناس أن يكونوا أحراراً”، يعلّق بشيء من الاطمئنان، وما نراه في الشارع، بما في ذلك نساء بلا حجاب، ليس بالنسبة إليه صورة مصطنعة للتمرد، وإنما انعكاس لما يسميه “إيران الجديدة”، أما هو فلا يضع الرقابة في ذهنه عندما يبدأ في التصوير “أنجز الفيلم أولاً، وأثق بأنه سيجد طريقه إلى الجمهور، بطريقة أو بأخرى”.
يقول أصغري إن أي فعل في ايران، مهما بدا يومياً أو إنسانياً، يُحمَّل دلالات سياسية، في مقابلة له مع موقع “ديدلاين”، يضرب مثلاً بقطع الإنترنت، الذي دفع بعض الأشخاص إلى استخدام خدمة “ستارلينك”، فكانوا عرضة للاعتقال، حتى الاتصال بالشبكة لم يعد شأناً عادياً، تماماً كما أن ممارسة الطب وإنقاذ الأرواح، وفق ما يعرضه الفيلم، قد يتحوّلان بدورهما إلى موقف سياسي، في المقابلة نفسها يكشف أنه استُدعي للتحقيق معه عقب الإعلان عن اختيار فيلمه للمشاركة في مهرجان البندقية، حيث طُلب منه تبرير إنجازه العمل من دون الحصول على إذن السلطات، فكان رده إذا كان التلفزيون الرسمي نفسه يتحدث عن مقتل 3800 شخص في يومين، فما الذي يُفترض بالمخرج أن يصمت عنه؟!
