ملخص
منذ عام 1990، تضاعف استهلاك الطاقة لتبريد المساحات عالمياً أكثر من 3 مرات، ليصبح من أسرع استخدامات الطاقة نمواً في قطاع المباني. فقد ارتفعت مبيعات أجهزة التكييف بنحو 4 أضعاف بين 1990 و2016، وزاد استهلاك الكهرباء للتبريد أكثر من 3 أضعاف خلال الفترة نفسها.
صُممت المنازل الأوروبية كي تحتفظ بالدفء وتقاوم برد الشتاء القارس، لا كي تتعامل مع صيف طويل وحار. لذلك ظل تكييف الهواء في معظم القارة خياراً هامشياً، أقرب إلى الرفاهية منه إلى الضرورة. لكن موجات الحر المتكررة والشديدة خلال الأعوام الأخيرة، وبخاصة خلال أشهر الصيف الأخيرة، غيّرت المعادلة، فالمباني التي كانت ميزة في الشتاء تحولت صيفاً إلى مصائد للحرارة، وبدأ الطلب على أجهزة التكييف يرتفع بسرعة، ويتوقع تسارع الطلب على هذه الأجهزة خلال الأعوام المقبلة
هذا التحول لا يعني مجرد إضافة أجهزة كهربائية إلى المنازل، بل يفتح باباً واسعاً لمعضلات الطاقة والبنية التحتية والتكاليف. فالقارة العجوز تواجه شبكات كهرباء قديمة، وطلباً متنامياً من مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي، وحاجة متزايدة إلى استيراد المكيفات من آسيا، لا سيما الصين، إلى جانب فواتير طاقة أرهقت الأسر والشركات خلال الأعوام الخمسة الماضية. وتزداد خطورة المسألة مع ارتفاع نسبة كبار السن، إذ تتجاوز حصة من تزيد أعمارهم على 65 سنة 20 في المئة بعدد من الدول الأوروبية، وهي الفئة الأكثر عرضة لأخطار الحرارة.
الطلب على الكهرباء وأزمة الشبكات
عالمياً، كان التبريد أحد أكبر محركات نمو الطلب على الكهرباء. فالكهرباء التي تشغل المكيفات تأتي من مزيج من الفحم والغاز والطاقة النووية والمائية، إضافة إلى الطاقة الشمسية والرياح التي توسع دورها في العقدين الأخيرين. ومع ارتفاع الدخول والتوسع الحضري، انتقل المكيف من كونه سلعة رفاهية محدودة إلى عنصر أساس في أنماط السكن والعمل، خصوصاً في دول الخليج والشرق الأوسط والصين.
والآن تبدو أوروبا مقبلة على مسار مشابه، لكن بشروط أصعب. فالمدن الخليجية والصينية توسعت حديثاً نسبياً، مما سمح بدمج التكييف في التصميم العمراني وتوسعة الشبكات وفقاً لذلك. أما في أوروبا، فكثير من المباني قديم، وتعديلها لتركيب أنظمة تبريد مركزية قد يرفع الكلفة إلى مستويات كبيرة، خصوصاً عندما تفرض القوانين تحديثات إضافية تتعلق بالسلامة أو سهولة الوصول إلى الاحتياجات الخاصة أو كفاءة الطاقة.
4 عقود من طفرة التبريد
منذ عام 1990، تضاعف استهلاك الطاقة لتبريد المساحات عالمياً أكثر من ثلاث مرات، ليصبح من أسرع استخدامات الطاقة نمواً في قطاع المباني. فقد ارتفعت مبيعات أجهزة التكييف بنحو أربعة أضعاف بين 1990 و2016، وزاد استهلاك الكهرباء للتبريد أكثر من ثلاثة أضعاف خلال الفترة نفسها. وبين عامي 2000 و2022 تضاعف استهلاك الكهرباء للتبريد المكاني أكثر من مرتين، ليبلغ نحو 2100 تيراواط ساعة في 2022، أي قرابة سبعة في المئة من استهلاك الكهرباء العالمي، وحوالى 20 في المئة من كهرباء المباني.
كذلك تضاعف مخزون وحدات التبريد السكنية ثلاث مرات منذ عام 2000، ليتجاوز 1.5 مليار وحدة، تقود الصين والولايات المتحدة الجزء الأكبر من هذا المخزون. وفي الأيام الحارة، يمثل التبريد نحو 30 في المئة من ذروة الطلب العالمي على الكهرباء في المتوسط، وترتفع النسبة كثيراً في المناطق الأشد حرارة. ولم يعد التبريد مسألة راحة منزلية فقط، بل أصبح عاملاً مؤثراً في أمن الطاقة والانبعاثات.
وتأتي هذه الزيادات على رغم التحسن الكبير في كفاءة الأجهزة ومواد العزل، لا سيما النوافذ. فالكفاءة تخفف أثر النمو، لكنها لا تلغيه عندما ترتفع الدخول وتتسع المدن وتزداد موجات الحر.
وتشير سيناريوهات وكالة الطاقة الدولية منذ أعوام إلى احتمال ارتفاع استهلاك كهرباء التبريد من نحو 2020 تيراواط ساعة عام 2016 إلى 6200 تيراواط ساعة بحلول 2050، لترتفع حصة التبريد من الكهرباء العالمية من نحو 10 في المئة إلى 16 في المئة. أما التكييف السكني وحده فقد يشهد نمواً كبيراً في الطلب على الطاقة، بما يجعل التبريد أحد أهم تحديات الكهرباء في العقود المقبلة.
الخليج والشرق الأوسط
في الشرق الأوسط، زاد استهلاك الكهرباء للتكييف خمسة أضعاف بين 1990 و2016. وفي دول مجلس التعاون الخليجي، يستحوذ التبريد عادة على 65 إلى 70 في المئة من استهلاك الكهرباء المنزلي، وقد يقترب من 70 في المئة وقت الذروة في بعض الدول. وعلى مستوى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، يوفر التكييف نحو نصف ذروة الطلب ونحو ربع الاستهلاك السنوي، مما يجعله المحرك الأبرز لنمو الطلب على الكهرباء في المنطقة.
ويقترب تملك الأسر لأجهزة التكييف في الخليج من حد التشبع، إذ يدور حول 80 في المئة، مقابل متوسط إقليمي أقل بكثير. وقد تضاعف طلب الكهرباء في المنطقة ثلاث مرات منذ عام 2000، ويُتوقع أن يواصل الارتفاع. وهذا يوضح درساً مهماً لأوروبا: التكييف لا يضيف استهلاكاً سنوياً فحسب، بل يخلق ذرى طلب صيفية مكلفة وصعبة الإدارة.
الصين: قفزة تاريخية
أما الصين فسجلت أسرع نمو عالمي في طاقة التبريد خلال عقدين، مع توسع حضري هائل وارتفاع سريع في الدخول. فقد تضاعفت مبيعات المكيفات خمس مرات منذ عام 2000، وأصبحت الصين تنتج نحو 70 في المئة من وحدات التكييف المنزلي في العالم. وهذا يمنحها أفضلية صناعية كبرى في لحظة تتحول فيها أوروبا إلى سوق أوسع للتبريد.
وتملك نحو 80 في المئة من الأسر الصينية وحدة تكييف واحدة على الأقل. وفي الأعوام الأخيرة، أصبح التبريد يمثل نحو 30 في المئة من ذروة الحمل الكهربائي في الصين، وأكثر من 40 في المئة في بعض المقاطعات. وعلى رغم أن الصين استثمرت بكثافة في الشبكات ومحطات الكهرباء، فإن ارتفاع حمل التبريد الصيفي يظل تحدياً هائلاً، خصوصاً عندما يتزامن مع موجات حر شديدة.
دروس من الخليج والصين لأوروبا
في المقابل، لا يزال انتشار التكييف في أوروبا منخفضاً نسبياً، إذ لا تملك أجهزة التكييف سوى نحو 19 إلى 20 في المئة من الأسر، مقارنة بنحو 90 في المئة في الولايات المتحدة واليابان. وتبلغ النسبة نحو أربعة في المئة في بريطانيا، و16 في المئة في ألمانيا، و30 في المئة في فرنسا، وقرابة 60 في المئة في إسبانيا وإيطاليا. لكن القارة تسخن بوتيرة تفوق المتوسط العالمي، مما يجعل هذا الوضع مرشحاً للتغير بسرعة.
وقد تضاعف استهلاك أسر الاتحاد الأوروبي لطاقة التبريد من 40.5 ألف تيرا جول عام 2018 إلى 80.4 ألف تيرا جول عام 2024، أي نحو 22.3 تيراواط ساعة. كذلك ارتفع التملك بنحو النصف خلال عقد، وأصبحت المبيعات السنوية أعلى بكثير مما كانت عليه قبل خمسة أعوام. ومع كل موجة حر جديدة، يصبح التكييف أقل شبهاً بالرفاهية وأكثر قرباً من الضرورة الصحية والاجتماعية.
وتشير نماذج الاحترار المرتفع إلى احتمال تضاعف انتشار التكييف السكني في أوروبا تقريباً ليصل إلى نحو 40 في المئة بحلول 2050. وقد يعني ذلك إضافة عشرات التيراواط ساعة سنوياً من الطلب، مع أثر أكبر بكثير على ذروة الأحمال الصيفية. وهنا تكمن المشكلة الحقيقية: فالشبكة لا تُختبر فقط بإجمالي الاستهلاك السنوي، بل باللحظة التي يطلب فيها الجميع الكهرباء في وقت واحد.
ومع تملّك يبلغ نحو 20 في المئة، تُقدّر ذروة التبريد في أوروبا بعشرات الغيغاواط. وإذا ارتفعت نسبة التملك إلى 50 في المئة أو 90 في المئة، فقد تقفز الذروة إلى مستويات كبيرة تضغط على الشبكات والمحطات، خصوصاً في المساء عندما يتراجع إنتاج الطاقة الشمسية ويعود السكان إلى منازلهم. وهذا يعني أن أزمة التكييف الأوروبية ليست أزمة أجهزة فقط، بل أزمة توقيت وقدرة احتياطية واستثمارات شبكة.
وخلاصة الأمر أن أوروبا تحتاج إلى التكييف أكثر من أي وقت مضى، لكنها لا تستطيع التعامل معه كحل بسيط أو سريع. فالمكيفات ستخفف أثر الحرارة وتحمي الفئات الضعيفة وتحافظ على جاذبية المدن، لكنها ستزيد الضغط على الكهرباء، وترفع الفواتير، وتعمّق الاعتماد الصناعي على آسيا، وقد تزيد الانبعاثات إذا لم تُدَر ضمن سياسة متكاملة. لذلك فإن السؤال لم يعد: هل تحتاج أوروبا إلى المكيفات؟ بل: كيف تبني منظومة تبريد لا تكسر الشبكات ولا تثقل كاهل المستهلكين ولا تقوّض أهداف المناخ؟ وهل سيكون لديها شبكة تستطيع تحمل الزيادة في طلب مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي والتكييف في الوقت ذاته؟
