أعادت الحرب الروسية- الأوكرانية طرح تساؤلات بشأن قدرة أوروبا على مواصلة دعم كييف في حال تراجع المساندة الأميركية، خصوصاً في مجالات الاستخبارات والأقمار الصناعية والاتصالات العسكرية. فهذه القدرات تساعد القوات الأوكرانية على رصد التحركات الروسية، وتحديد الأهداف، ومتابعة التطورات الميدانية، وتنسيق العمليات العسكرية.
تمتلك الدول الأوروبية إمكانات تقنية وعسكرية مهمة، لكنها لا تزال تعتمد على الولايات المتحدة في بعض المجالات المتقدمة. لذلك، فإن تعويض الدعم الأميركي ممكن جزئياً، لكنه يحتاج إلى استثمارات كبيرة وتنسيق أوروبي طويل الأمد.
تمتلك دول مثل فرنسا وألمانيا وإيطاليا أقماراً صناعية وقدرات متقدمة في مراقبة الأرض وجمع المعلومات. كما تستطيع أوروبا الاستفادة من الشركات التجارية التي توفر صوراً فضائية لمتابعة التحركات العسكرية وتقييم الأضرار.
لكن التحدي لا يتعلق بتوفير الصور فحسب، بل بالقدرة على جمع المعلومات من مصادر متعددة وتحليلها بسرعة وتقديمها إلى القوات الأوكرانية في الوقت المناسب. وتتمتع الولايات المتحدة بتفوق في بعض المجالات، ولاسيما منها الإنذار المبكر من الصواريخ الباليستية، والاستطلاع المستمر، ودمج البيانات الاستخباراتية.
ويتطلب سد هذه الفجوات استثمارات طويلة الأمد وتعاوناً أوسع بين الدول الأوروبية، وهو ما يجعل التعويض الكامل صعباً في المدى القريب.
تُعتبر خدمات “ستارلينك” الأميركية من أهم أدوات الاتصالات التي تستخدمها أوكرانيا، بما يسمح باستمرار التواصل بين الوحدات العسكرية ومراكز القيادة، حتى في المناطق التي تضررت فيها شبكات الاتصالات التقليدية.
وفي المقابل، تعمل أوروبا على تطوير بدائل، من بينها شبكة “ون ويب” التابعة لشركة إيوتلسات، إلى جانب مشروع IRIS² للاتصالات الفضائية الآمنة، الذي يهدف إلى تجميع القدرات الحكومية الأوروبية المتاحة.
ويمكن لهذه المبادرات تقليل الاعتماد على الخدمات الأميركية، لكنها لا توفر حتى الآن بديلاً جاهزاً يطابق “ستارلينك” من حيث حجم الشبكة والتغطية وسرعة الانتشار والتكامل مع الاستخدامات العسكرية. كما أن بعض المشاريع الأوروبية لا يزال في مرحلة التطوير.
تسعى أوروبا أيضاً إلى تعزيز استقلالها الرقمي من خلال تطوير خدمات سحابية آمنة وحماية البيانات من الهجمات الإلكترونية. وتساعد هذه الخدمات في تخزين المعلومات الاستخباراتية وتحليلها وتبادلها بين المؤسسات.
لكن امتلاك بنية رقمية متطورة لا يعوض غياب مصادر المعلومات نفسها، مثل الأقمار الصناعية وأنظمة الإنذار المبكر. لذلك، يتطلب تقليل الاعتماد على واشنطن تطوير منظومة متكاملة تشمل جمع المعلومات ومعالجتها وتأمين نقلها.
تستطيع أوروبا زيادة دعمها لأوكرانيا عبر توسيع تبادل المعلومات، والاستثمار في الاتصالات الفضائية، وتطوير أنظمة الإنذار المبكر وتعزيز الأمن السيبراني. لكن توزيع القدرات بين دول ومؤسسات متعددة يفرض تحديات تتعلق بالتنسيق والتمويل وسرعة اتخاذ القرار.
لكن لا تستطيع أوروبا حالياً تعويض جميع القدرات الأميركية بصورة فورية وكاملة. وسيظل الخيار الأكثر واقعية هو تقليص الاعتماد على واشنطن تدريجاً، مع تقاسم الأعباء بين الطرفين وتطوير القدرات الأوروبية على المدى الطويل.
تمتلك الدول الأوروبية إمكانات تقنية وعسكرية مهمة، لكنها لا تزال تعتمد على الولايات المتحدة في بعض المجالات المتقدمة. لذلك، فإن تعويض الدعم الأميركي ممكن جزئياً، لكنه يحتاج إلى استثمارات كبيرة وتنسيق أوروبي طويل الأمد.
*باحث في الأمن الدولي والإرهاب ورئيس المركز الأوروبي ECCI
