
أكاديمي مختص في لغات الشرق القديم وآثاره.. المصدر الثورة السورية ..دمشق
بدأ تخطيط المدينة القديمة في الرقة وبناؤها في عهد الخليفة أبو جعفر المنصور باسم “الرافقة”، في سنة 155هـ/771-772م، ثم اتخذها الخليفة هارون الرشيد مقراً للإقامة بضع سنوات فغدت مركزاً سياسياً وعسكرياً مهماً.
وتُعدّ الرقة حالياً من أكثر المدن السورية غنى بالآثار الإسلامية؛ ولا سيما من العصر العباسي، فهي تضم جامع الرافقة أو جامع المنصور، وسور الرافقة بطول نحو خمسة كيلومترات، وباب بغداد، وقصر البنات؛ كما تنتشر في مناطق محافظتها الواسعة مواقع أثرية من شتى العصور التاريخية القديمة (تل البيعة، تل منباقة، تل العبد، تل خويرة، تل حمّام التركمان، تل صبي أبيض، وغيرها) والإسلامية (قصر هرقلة، قلعة جعبر، مدينة الرصافة).
برز الاهتمام بالمواقع الأثرية على جانب مجرى نهر الفرات لدى التخطيط لإنشاء بحيرة الطبقة، وإعلان منظمة اليونسكو العالمية عن حملة دولية لإنقاذ المواقع الأثرية التي ستغمرها مياه النهر، وذلك في أواسط سبعينيات القرن الماضي، فوفدت بعثات من جامعات أجنبية عديدة للتنقيب في عدد منها.
كما نشط الاهتمام بالآثار الإسلامية في المدينة نفسها، وكان للأثري السوري الراحل قاسم طوير دور متميز في ذلك. ولقي موقع الرصافة (نحو 30 كم جنوبي الرقة)، الذي اتخذه الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك مقراً له، اهتمام ميخائيل ماينكه مدير المعهد الألماني للآثار في دمشق منذ تأسيسه في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، وأجرى تنقيبات واسعة النطاق فيها، وقام بكثير من أعمال الصيانة والترميم. كما جرت تنقيبات أجنبية في عدد من التلال الأثرية في شمالي المحافظة. وأسفرت نتائج هذه الأعمال كلها عن مكتشفات أثرية وفيرة العدد.
تأسس متحف الرقة سنة 1981 في مبنى صغير نسبياً كان قد شُيّد في الأصل خلال العصر العثماني سنة 1861 ليكون المقر الحكومي “السراي”، وذلك ليحفظ ويعرض نماذج من تلك القطع الأثرية المكتشفة، ويبرز أهمية نمط الأواني الخزفية التي اشتهرت بتسمية “خزفيات الرقة” الملونة، ذات الزخارف الجميلة، ويعرض جوانب من التراث الشعبي الفراتي. وبات بمرور الزمن متحفاً غنياً متميزاً بتنوع القطع الأثرية المحفوظة فيه، والتواصل والتسلسل التاريخي فيها، بحيث صار يضم أكثر من سبعة آلاف قطعة أثرية قبيل بدء الثورة السورية عام 2011.
في سنة 2013 تعرض المتحف فجأة للنهب والتخريب، وتحول إلى مطعم ومشغل، ولم تكن المديرية العامة للآثار والمتاحف قد احتاطت للأمر بشكل مناسب، كما فعلت في متاحف أخرى، فلم تبق فيه سوى قطع أثرية يمكن وصفها بالأقل أهمية، كانت محفوظة في مستودعات المتحف؛ بل لم تسلم قطع نادرة ثمينة كانت قد نقلت من المتحف إلى المصرف المركزي في المدينة، ومنها رُقُم طينية وأختام أسطوانية دوّنت عليها نصوص كتابية مسمارية تعود إلى الألف الثاني ق.م، كانت مكتشفة في تل منباقة، تل البيعة، تل خويرة، حمّام التركمان، صبي أبيض، ويقدر عددها بنحو تسعمئة وثيقة، وبذلك فقدنا مصادر أساسية مهمة لكتابة تاريخ المنطقة وعلاقاتها بالمناطق المجاورة خلال القرنين الثامن والسابع عشر ق.م.
الآن؛ في ظل الوضع الجديد، والخلاص من أقسى الفترات التي مرّت بها البلاد، أليس من الواجب الاهتمام الجاد بهذا الموضوع، وبذل أقصى الجهود في محاولة لمعرفة مصير هذه الثروة الحضارية، واسترداد ما أمكن منها؟ معلومٌ أن شبكات تهريب القطع الأثرية والاتجار بها موجودة في كل مكان، ولكن لا بد لتلك القطع أن تصل في نهاية المطاف إلى أيدي هواة، أو جهات حكومية، أو خزائن متاحف تقتنيها، أو إلى باحثين ينشرون بحوثاً عنها، وهو ما لم يُكشف عنه حتى الآن، فأين اختفت؟
بدأت المديرية العامة للآثار والمتاحف بإعادة تأهيل المتحف مشكورة، ولكن التحقيق والبحث عن القطع الأثرية المفقودة، بالتعاون مع الجهات المعنية المختلفة؛ الداخلية والخارجية، بات أمراً ضرورياً، وواجباً وطنياً أيضاً. وليس من المعقول أن يظل مصيرها سرّاً مخفيّاً.