لطالما استخدمت الأدبيات السياسية السورية، في السنوات الماضية، مصطلح “سُنّة المدن”، الذي انطوى على حمولات سياسية، وُظِّفَت في إطار تفسير الصراعات السياسية الحاصلة في سورية في العقدَيْن الماضيَيْن، ولا سيّما منذ انطلاق الثورة السورية. والمفارقة أنّه أُوجِد مفهوم من الفراغ، من دون أن تكون له شواهد مؤيّدة على أرض الواقع، ومن دون أن تكون له أُطر تنظّم تعبيراته وتفسّر فعالياته.
في أيام الثورة السورية، كرّرت تحليلات كثيرة معلومةً مفادها بأنّ “سُنّة المدن الكُبرى” يدعمون نظام الأسد، واستُشهِد بما قيل إنّه اتفاق ضمني بين حافظ الأسد وتجّار دمشق وحلب، يقوم على التسليم بسلطة الأسد في مقابل الحصول على حماية مواقع هؤلاء في السوق. وبعد إطاحة نظام الأسد، جزمت تحليلات كثيرة بأنّ “سُنّة المدن” يعارضون السلطة الجديدة، واستُشهد ببعض مظاهر التذمّر من “الشوام”، أي أبناء العاصمة دمشق، من انتشار مظاهر الريف، من اللهجات وأنماط السلوك في دمشق.
ولكنّ هذه التفسيرات ظلّت نظريةً إلى حدّ بعيد. ففي سورية لا توجد مراكز دراسات ولا جهات تُجري إحصاءات وتدرس توجّهات الرأي العام والسياسة، وهو ما يسهّل على كتّاب ومثقّفين طرح المفاهيم في المجالَيْن الإعلامي والثقافي من دون الخوف من نقد أو مساءلة أو مراجعة، أو حتّى سؤال عن مدى مطابقة هذه المصطلحات/ المفاهيم للواقع الذي يجري تحليله، حتّى حين تكشف الوقائع زيف هذه المفاهيم والتحليلات التي بُنيت على أساسها.
ليس “سُنّة المدن” في سورية كتلة واحدة، هم قطاعات وفئات عديدة، تختلف مصالحهم واتجاهاتهم
وقد شكّلت الاحتجاجات، أخيراً، التي شهدتها بعض المناطق السورية، ضربةً لمفاهيم انتشرت بكثرة في تحليل المتغيّرات الاجتماعية والسلطوية في سورية بعد سقوط الأسد، إذ صوّرت غالبية تلك التحليلات حصول تحوّلات في بنية السلطة الاجتماعية، فأصبحت العشيرة والريف حاضنتين للسلطة على حساب “سُنّة المدن” والأقلّيات، على اعتبار أنّ هذه الأخيرة شكّلت البيئة الحاضنة لنظام الأسد. وبالتالي، ستستحوذ الحواضن الجديدة على الجزء الأكبر من موارد الدولة، سواء ميزانيات لتطوير مناطق هذه البيئة الجديدة، أو مناصب الدولة ووظائفها، ودائماً على حساب حواضن النظام السابق من “سُنّة المدن” والأقلّيات.
وأكثر من ذلك، ذهبت تحليلات إلى أنّ العشائر و”سُنّة الأرياف” سيكونون بمثابة اليد الضاربة في مواجهة “سُنّة المدن” والأقلّيات، إذا ما حاول هؤلاء التعبير عن معارضتهم السلطة الجديدة، واستُشهد بـ”الفزعات” التي أطلقتها مناطق الأرياف السُنّية في شمال سورية لمواجهة تمرّد الساحل وفزعات العشائر على السويداء، في العام الماضي، من دون فهم السياقات التي جرت فيها تلك الأحداث، ولا المحرّكات والدوافع التي وقفت وراء فاعليها.
والحال، يبدو أن “سُنّة المدن” في سورية استُخدموا ورقةً يُلجأ إليها في أثناء الصراعات السلطوية، لتثقيل وزن أحد طرفَي الصراع، إن كان في زمن الثورة على نظام الأسد، أو في مرحلة حكم الشرع، لكنّها ورقة غير حقيقية، بل مجرّد توظيف سياسي لا معنى له. ذلك أنّ مصطلح “سُنّة المدن” مفهوم فضفاض لا يؤشّر على جماعة تربط أفرادها مصالح واحدة، ولا على جماعة مؤطّرة مصلحياً أو حزبياً، ولا توجد لها تعبيرات ثقافية محدّدة وواضحة. وفي الغالب تُختزَل في فئات ضيّقة مثل تجّار دمشق وأصحاب المصانع في حلب، لكن هل يمثّل هؤلاء السُّنة كلّهم؟ بل هل يمثّلون بالفعل “سُنّة المدن” كما يُقال؟
ثمّ إنّ هذا المفهوم لا يلحظ التحوّلات العميقة التي حصلت في سورية على الصعيد الديمغرافي في مدار العقود الماضية. فمثلاً، على مستوى مدينة دمشق، ونظراً إلى ازدياد حجم الأسر، بيعت مساكن العائلة لمشترين من الريف أو من مناطق بعيدة من دمشق، واشترى أبناء الأسر الدمشقية منازل في الريف. كذلك، أغلب المناطق المحسوبة على دمشق، من غربها إلى شرقها وجنوبها، يسكنها سوريون من أصول ريفية، والأمر ذاته ينطبق على حلب. وفي أماكن سكنهم الجديدة، شارك “سُنّة دمشق وحلب” في الثورة السورية على نظام الأسد.
ليس “سُنّة المدن” في سورية كتلة واحدة، هم قطاعات وفئات عديدة، تختلف مصالحهم واتجاهاتهم. هناك التجّار والموظّفون وأصحاب المهن والورش والصناعيون، وفئات تنتمي إلى مختلف الطبقات، ولا شيء يوحّد هؤلاء. أمّا المحاولات التي جرت، من نوع تخويف السُّنة في دمشق وحلب من ضياع هُويّتهم أو ذوبانها نتيجة زحف الريف الكثيف، فلم تكن كافيةً لصناعة تهديد يدفع أهل المدن إلى الوحدة فعلاً. وحتّى لو أرادوا، لا توجد أُطر تنظّمهم وتعبّر عن مصالحهم، في بلد لا يعاني فقط من ندرة الموارد، ولكن أيضاً من ضيق المجتمع المدني وتمزيق الفضاء العام.
في المقابل، ليس الريف، كما حاول بعضهم إيهامنا، مؤيّداً للسلطة الجديدة بكلّ الأحوال والظروف. أغلب الاحتجاجات التي شهدتها سورية منذ سقوط نظام الأسد انطلقت من الريف. فهذه السلطة لا حاضنة لها سوى جماعاتها التي لا تمثّل سوى أنفسهم، سواء أكانوا من أصول ريفية أم مدينية.