للوهلة الأولى، يُعطي المشهد السوري بعد عام 2024 انطباعاً أولياً بأن البلاد تعيش بدايةَ قطيعةٍ تاريخيةٍ كاملةٍ مع نصف القرن الماضي. فسقوط النظام السابق، وعودة الأحاديث والنقاشات الحارّة عن الاستثمار والانفتاح وإعادة الإعمار، بالتوازي مع هذا الانفتاح الإقليمي المتزايد على سوريا، كلها مؤشرات قوية تدفع أيَّ مراقب للاعتقاد بأن البلاد قد خطت بالفعل نحو مرحلة اقتصادية وسياسية جديدة تختلف جذرياً وبشكل كليٍّ عما سبقها. غير أن النظر إلى كل هذه التحولات السورية الصاخبة من زاوية التغيير السياسي وحده قد يُعمينا عن سؤال أعمق وأكثر أهمية: ما الذي تغيّر فعلياً في بنية الاقتصاد السياسي السوري وعصبه؟ وما الذي استمر في البقاء، ولكن بأثواب وأشكال جديدة؟

تميل نسبة كبيرة من النقاشات الدائرة اليوم في الملتقيات السياسية والاقتصادية إلى التعامل مع هذه المرحلة الجديدة وكأنها «انتقال تلقائي ومضمون» نحو اقتصادِ سوقٍ أكثرَ انفتاحاً وتنافسية، وكأن العقدة السورية طوال العقود الماضية كانت تكمن، ببساطة، في غياب السوق الحر، أو في هيمنة الدولة المطلقة على مفاصل الاقتصاد. وفي المقابل، تأخذنا قراءات أخرى إلى الضفة المقابلة، لترى أن كل ما جرى ويجري ليس أكثر من عملية إعادة إنتاج للبنية السابقة نفسها، ولكن بوجوه وأقنعة مختلفة. ويبدو لي أن كلا التصوُّرينِ مبَسَّطٌ أكثرَ من اللازم؛ فسوريا بعد عام 2024 تحمل في أحشائها بالفعل عناصر تحوّل حقيقية لا يمكن إنكارها، ولكنها تحمل أيضاً استمراراً واضحاً وصارخاً لمنطقٍ اقتصاديٍّ ومؤسساتيٍّ تَشكّل وتَجذّر قبل الحرب، ثم جاءت سنوات النزاع لتُعيد إنتاجه بصورة أكثر تشظياً وتعقيداً وضبابية.

لكي نفهم هذا بوضوح، علينا العودة إلى ما قبل عام 2011؛ فالاقتصاد السوري حينها لم يكن اقتصاداً موجَّهاً بالكامل من الدولة على الطراز الاشتراكي القديم، ولم يكن في الوقت نفسه اقتصاد سوق تنافسي بالمعنى الليبرالي التقليدي الذي نعرفه. منذ السبعينيات من القرن الماضي، كان هناك انفتاح مضبوط بشدة تجاه القطاع الخاص. لكن منذ التسعينيات، بدأ دور القطاع الخاص يتّسع تدريجياً، ومعه الانفتاح التجاري والمالي، ثم تسارع هذا المسار بشكل لافت مع تبنّي السلطة مفهومَ «اقتصاد السوق الاجتماعي» في المؤتمر القطري لحزب البعث الذي انعقد عام 2005. لكن الأزمة الكبرى كانت أن هذا الانفتاح لم يترافق أبداً مع بناء مؤسسات حقيقية تضمن المنافسة العادلة، أو تحد من التغوّل الاحتكاري، أو تفتح للجميع فرص الوصول إلى السوق بصورة متكافئة. وبدلاً من أن يتحول السوق إلى فضاء مستقل يُحكَم بالقانون بعيداً عن أروقة السلطة، جرى ابتلاعه بالكامل داخل شبكات النفوذ السياسي-الأمني والاقتصادي. هذه البنية المشوَّهة هي ما دفع الباحث بسام حداد لوصفها باعتبارها شكلاً واضحاً من أشكال «رأسمالية المحاسيب»، حيث ظلَّ الوصول إلى العقود الحكومية الكبرى، ورخص الاستيراد، والائتمان البنكي، وغير ذلك من الموارد والفرص المهمة، مرهوناً دائماً بمدى القرب من مراكز النفوذ والسلطة. ومن جانبه، تعامل الباحث ريموند هينبوش مع هذه التجربة السورية باعتبارها نموذجاً حيّاً على ما يُسمى بـ«التحرير السلطوي»؛ ويقصد به قدرة النظام الحاكم على توسيع الانفتاح الاقتصادي ومنح امتيازات تجارية، دون أن يتخلى، في المقابل، عن احتكاره السياسي المطلق للسلطة. ومن هنا، يتبين لنا بوضوح أن المشكلة السورية لم تكن يوماً في غياب «السوق» بحدِّ ذاته، بل في طبيعة هذا السوق وتشوّهه، الذي وُلد ونما داخل بنية قائمة أساساً على «الوصول الانتقائي» للموارد والفرص.

ثم جاءت الحرب بعد 2011، ولم تكتفِ بتدمير البنية التحتية وشلِّ الاقتصاد السوري فحسب، بل أعادت تشكيله وصياغته من الصفر. فخلال سنوات النزاع الطويلة والدامية، لم يتوقف النشاط الاقتصادي في البلاد كما يتخيل البعض، بقدر ما انتقل وتحوّر إلى أنماط جديدة تماماً؛ أنماط قوامها الوساطات، والتهريب، وإيرادات المعابر، وحوالات المغتربين العابرة للحدود، واقتصاد الظل أو الاقتصاد غير الرسمي. وهنا، تحوّلت السيطرة على المعابر، وطرق التجارة البديلة، وتجارة الوقود، بل حتى التحكم في أموال المساعدات الإنسانية، إلى المصدر الأساسي والوحيد للنفوذ وتراكم الثروة الفاحشة. وفي الوقت نفسه، تمزّقت السوق الوطنية المُوحَدة، وتشرذَمت إلى فضاءات اقتصادية صغيرة ومعزولة، ارتبط كل منها بدرجات متفاوتة بتركيا ولبنان والعراق، وبشبكات اقتصادية عابرة للحدود الوطنية.

ولهذا السبب تحديداً، تبدو سنوات الحرب، في القراءة العميقة، أقلَّ شبهاً بلحظة انهيار اقتصادي كامل، وأقرب ما تكون إلى عملية «إعادة هيكلة وتشكيل» شاملة للاقتصاد السياسي السوري. فالشبكات والوجوه الجديدة التي صعدت وجمعت ثرواتها خلال سنوات النزاع لم تكن تعمل خارج فلك الدولة بالكامل، كما أنها لم تكن جزءاً من سوق تنافسية نظيفة ومستقلة؛ بل ولدت وتشكّلت تحديداً عند نقطة التقاطع الحساسة بين السلطة الرسمية، والاقتصاد غير الرسمي، وتجارة المعابر، واقتصاد المساعدات الإنسانية، والتحويلات الخارجية. فوق هذا كله، فإن العقوبات الدولية القاسية والانهيار النقدي الحاد لم يكتفيا بتعميق الأزمة المعيشية، بل خلقا مساحة أوسع ليتعاظم دور الوسطاء، وشبكات التحويل غير الرسمية (السوق السوداء)، ودولرة الأسواق، لدرجة أصبحت معها الحدود الفاصلة بين ما هو «رسمي وقانوني» وما هو «غير رسمي وموازٍ» أكثر ضبابية وتميُّعاً من أي وقت مضى.

بناءً على هذا المشهد التاريخي المُتراكم، فإن المرحلة الحالية التي نعيشها اليوم لا تُمثّل مجرد قطيعة بسيطة وسهلة مع الاقتصاد السياسي السابق، بل هي عملية إعادة تشكيل ثانية له، ولكن ضمن بيئة وموازين قوى مختلفة. صحيح أن الخطاب الاقتصادي الرسمي والإقليمي عاد، بعد عام 2024، ليُركّز بكل قوته على نغمات التعافي، وجذب الاستثمار، والانفتاح، وإعادة الإعمار؛ لكن تجارب التاريخ تُخبرنا بأن الاقتصادات الخارجة من النزاعات لا تنتقل فجأة وتلقائياً من الحرب إلى التنمية. كما أن تحرير الأسواق وفتحها على مصراعيها داخل بيئة مؤسساتية ضعيفة وهشّة، قد لا يؤدي إلا إلى نتيجة واحدة: إعادة إنتاج «اقتصاد الريع» والاحتكار والمحسوبية، ولكن بصيغ وقوالب جديدة.

ويتجلى هذا التخوُّف بوضوح شديد عند تشريح وفحص النقاشات الساخنة المرتبطة بقانون الاستثمار السوري الجديد. فالقانون، في نصوصه المعلنة، يُقدِّم بالفعل رزمة حوافز مغرية وواسعة جداً للمستثمرين المحليين والأجانب على حدٍّ سواء، تشمل إعفاءات ضريبية لسنوات طويلة، وضمانات مرنة لتحويل الأرباح للخارج، وامتيازات وتسهيلات كبرى تتعلق بامتلاك الأراضي وحقوق الاستيراد. لكنه في الوقت ذاته، وتحت السطور، يُبقي على نظام ترخيص مركزي صارم يمنح السلطة التنفيذية دوراً حاسماً وحق «الفيتو» في تحديد من يملك حق الوصول إلى المشاريع الكبرى والقطاعات الاستراتيجية الحيوية. وفي هذا السياق، أشار الباحث، هادون بارث (Haddon Barth)، في مقال نشرته منصة معهد الشرق الأوسط (Middle East Institute)، إلى أن هذا النموذج بالذات يعكس عودة واضحة، وبلا مواربة، إلى صيغة «السوق المُدار عبر الدولة»، حتى في ظلِّ كل هذا الضجيج والخطاب الإعلامي الجديد المُتغنّي بالانفتاح والاستثمار الحر.

ولا تتعلق المسألة هنا بموقف إيديولوجي يرفض الاستثمار أو يُعادي الانفتاح الاقتصادي بحد ذاته، بل تتعلق بجوهر وقواعد اللعبة التي تُنظّم وتتحكّم في عملية «الوصول إلى السوق». فوجود القطاع الخاص في المشهد أو توسُّع حركة التجارة الخارجية لا يعنيان تلقائياً أننا بصدد نشوء اقتصاد تنافسي، صحي، ومنتج؛ طالما ظلّت العقود الكبرى، والامتيازات السيادية، والسيطرة على المعابر، وتدفقات التمويل، خاضعة لمنطق الشبكات المُغلقة والولاءات والعلاقات السياسية الشخصية. ولهذا فإن السؤال الحقيقي والجوهري في سوريا اليوم ليس: «هل يوجد اقتصاد سوق؟» بل هو: «من يملك فعلياً حق الوصول إلى هذا السوق، وضمن أي قواعد وضوابط؟» وتكتسب هذه الأسئلة إلحاحاً وأهمية كبرى مع استمرار تركّز النفوذ الاقتصادي الحقيقي داخل شبكات عائلية وتجارية وثيقة الصلة ومُتداخلة بوضوح مع مؤسسات الدولة، والقطاع المالي والمصرفي، وقطاعات الطاقة والخدمات الأساسية. وتُشير بعض التحليلات الشبكية القائمة على تتبع البيانات المفتوحة – كما ورد مثلاً في منشورات وتحليلات الخبير الاقتصادي كرم شعار (Karam Shaar) على فيسبوك – إلى أن عملية إعادة تشكيل النخب الاقتصادية السورية بعد عام 2024 قد لا تعني، على الإطلاق، تفكيك منطق الامتيازات والمحاسيب القديم، بل تعني ببساطة إعادة تموضعه وهيكلته داخل شبكات جديدة وخيوط أحدث، تكون أكثر مرونة وتكيّفاً مع متطلبات هذه المرحلة الانتقالية المعقدة. ولا تكمن أهمية هذه المؤشرات والأرقام في إثبات الفساد أو الاحتكار بصورة جنائية مباشرة، بل في كونها تُظهِر بوضوح استمرار مركزية الروابط الشخصية والسياسية كبوابة إلزامية وحيدة لتنظيم الوصول إلى الفرص الاقتصادية الكبرى.

ولكن، لكي نكون منصفين وموضوعيين في تحليلنا، فإن التركيز على عناصر الاستمرار والتشابه لا يعني أبداً تجاهل التحولات الضخمة والحقيقية التي ضربت سوريا بعد الحرب، أو التعمية عنها. فالمركزيةُ الشديدة والقديمة التي كانت تحتكرها دمشق تعرّضت لتفكّكٍ وتآكلٍ واسعَيِ النطاق، كما أن سنوات الحرب الطويلة أفرزت على السطح فاعلين اقتصاديين جدداً تماماً، يملكون قوة مالية حقيقية ويرتبطونَ عضوياً بالاقتصاد العابر للحدود، والأسواق الإقليمية، وشبكات التحويلات، واقتصاد الإغاثة الإنسانية. كذلك، تغيّرت هندسة العلاقة بين الداخل والخارج بشكل جذري؛ حيث أصبح النفوذ الإقليمي والدولي فاعلاً وحاضراً بشكل مباشر وثقيل في رسم مستقبل الاقتصاد السوري وتشكيله. وهذا كله يُثبِت أن المرحلة الحالية لا تنسخ النظام الاقتصادي السابق بحذافيره وتفاصيله، بل تُعيد صياغته وتوزيعه ضمن توازنات جديدة بالكامل.

من منظور «الاقتصاد السياسي المؤسسي» فإن المشكلة الأساسية التي تواجه البلاد، اليوم وغداً، لا تتعلق بحجم الأموال المتدفقة، أو بسرعة رصف الطرق وبناء الأبراج في عملية إعادة الإعمار، بل بطبيعة وجوهر «المؤسسات» التي ستتولى تنظيم العلاقة الشائكة بين السلطة الحاكمة والسوق خلال السنوات المقبلة. وفي هذا الصدد، يُميِّز عالم الاقتصاد الشهير دوغلاس نورث بين نوعين من الأنظمة: الأول اقتصادات تعمل داخل مؤسسات تُتيح الوصول، نسبياً وبشكل عادل، أمام الجميع إلى الفرص والأسواق، والثاني أنظمة ومجتمعات يبقى فيها الوصول إلى الموارد محكوماً بترتيبات انتقائية وشبكات نفوذ ضيقة ومغلقة. ومن هذه الزاوية التحليلية، يبدو الخطر الأساسي والمحدق بسوريا اليوم ليس غياب الانفتاح الاقتصادي، بل الاحتمال الأكبر بأن يتحول هذا الانفتاح نفسه إلى آلية شرعية جديدة لإعادة توزيع الغنائم والامتيازات داخل شبكات معتمة وضيقة من النفوذ السياسي والتجاري.

ولهذا السبب، يجب أن نُدرك أن «إعادة الإعمار» ليست مجرد عملية اقتصادية جافة، أو هندسة تقنية محايدة، بل هي، في عمقها، معركة شرسة لإعادة توزيع أوراق القوة والنفوذ بعد الحرب. فالسؤال لا ينبغي أن يدور حول حجم المليارات القادمة إلى سوريا، بل حول: من سيفوز بعقود المقاولات والمشاريع الكبرى؟ ومَن سيضع يده على الامتيازات السيادية، والمرافئ، والمعابر الحدودية؟ ومَن يملك القدرة على تحويل قربه من السلطة إلى ثروة وفرصة اقتصادية خيالية؟ ومن هنا، تُصبح التسوية السياسية المرتقبة هي العامل المركزي والمُحدِّد لشكل الاقتصاد المقبل وهيئته. فإذا تأسست التسوية الجديدة على قاعدة إعادة دمج شبكات النفوذ الحالية ضمن قواعد وصول محدودة وانتقائية، فإن هذا «التعافي الاقتصادي» الموعود لن يكون سوى غطاء لإعادة إنتاج الهشاشة واللامساواة بصيغ وأدوات جديدة وأكثر عمقاً. أمّا إذا ارتبطت هذه المرحلة ببناء مؤسسات حقيقية، تمتاز بالشفافية، وتنظيم المنافسة العادلة، وبإعادة توجيه الموارد المتاحة نحو القطاعات الإنتاجية، والخدمات العامة، والبنية التحتية الحيوية، فعندها فقط قد تفتح سوريا الباب أمام ولادة اقتصاد حقيقي، اقتصاد أقلَّ هشاشةً، وأكثرَ قدرةً على إنتاج استقرار اجتماعي مستدام وصادق.

ولهذا كلِّه، ربما يكون السؤال الأهم، والأكثر إلحاحاً ومصيرية في سوريا اليوم، ليس ما إذا كانت البلاد قد دخلت عهد اقتصاد السوق أم لا، بل: أيُّ نوع من الأسواق يجري تشييده وبناؤه الآن على الأنقاض؟ ولصالح مَن؟ وضمن أيِّ توازنات سياسية ومؤسساتية؟ ويميل كاتب هذه السطور إلى التشاؤم حيال ما يحدث في البلد حتى الآن؛ فالمؤشراتُ المتاحة تدفع باتجاه نوع من رأسمالية المحاسيب.