عمر قدور.. ماتب سوري
المدن
عاد إلى التداول موضوع حل تنظيم الإخوان المسلمين في سوريا، بعدما أصدر مجلس شورى الجماعة بياناً عن دورته العادية الخامسة، بتاريخ السابع والعشرين من شهر أيلول 2026. على العموم، لم يتطرق أحد إلى مضمون البيان، بل ظهر كأن الأخير ذكّر بأن الجماعة موجودة، ولم تحل نفسها كما كان قد طالب به المستشار الرئاسي أحمد موفق زيدان في مقال شهير له، نشره في موقع “الجزيرة” بتاريخ 22/8/2025، تحت عنوان: “متى ستحل جماعة الإخوان المسلمين في سوريا نفسها؟”. وحينها نال المقال صدىً واسعاً، إذ اعتُبر رسالة من السلطة إلى الجماعة، رغم أن صاحبها أكّد على كونه يعبّر عن رأيه الشخصي لا انطلاقاً من موقعه في السلطة.
في كل الأحوال، قبل أكثر من سنة والآن، الجدلُ حول مصير الإخوان يطلّ كهاجس لدى أنصار السلطة ومَن حولهم، أكثر مما هو هاجس لدى سوريين آخرين، بمن فيهم أولئك الذين كانوا على عداء تقليدي مع الإخوان. والحجج، أو العدة الكلامية، التي تُساق اليوم لتبرير السجال الحالي، أو المطالبة بحل الجماعة، ليست بالجديدة على السجالات السورية، وإن تبدّلت الأطراف والمواقع.
في السجال حول حل التنظيم، يؤخذ على الإخوان فشلهم في تحقيق نتائج ملموسة، مع أنهم قاتلوا حكم البعث منذ انقلاب الأخير، مروراً بانقلاب حافظ الأسد وحكم وريثه. لكن هذا التاريخ، الذي لطالما كان مدعاة فخر لأنصار الإخوان، لم تعد له قيمة حتى رمزية بالمقارنة مع إسقاط الأسد الذي يُحسب للسلفية الجهادية من وجهة نظر أنصار حلّ الجماعة.
المنطق الذي يُستخدم ضد الإخوان اليوم سبق لأنصارهم أن استخدموه ضد معارضي الأسد غير الإسلاميين، فالأخيرون من وجهة النظر هذه لم يحققوا أية نتائج تُذكر. هم باختصار فاشلون، وفي أحسن الأحوال لا يجيدون سوى الكلام والتنظير، بينما دفع الإخوان ثمناً هو الأقسى لأنهم قرنوا الأقوال بالعمل المسلّح. المنطق نفسه، الذي عُرِف في نهاية السبعينيات حتى أواسط الثمانينيات، عاد إلى التداول مع بداية الثورة عام 2011، فأنصار الإخوان أخذوا على خصومهم نأيهم عن عسكرة الثورة، بينما كانت فصائل المعارضة ذات المرجعية الإخوانية تتكاثر، ولم تكن السلفية الجهادية تحظى حينها بشعبية تُذكر.
خلال عقود، ومن ثم بعد الثورة، راج الخطاب الذي يرى في المعارضة غير الإسلامية مجموعة من النخبة المنفصلة عن الواقع؛ واقع الأكثرية المذهبية تحديداً. لطالما قيل لغير الإسلاميين كلامٌ من قبيل “مَن أنتم؟!”، أو أُجيبَ على السؤال نفسه بأن المعنيين لا يملؤون أكثر من بضع حافلات، ولا يعبّرون بأي حال عن الشارع. إنهم منفصلون عنه، في حين يحظى الإخوان بشعبية لا تُضاهى لدى الأكثرية السنية، بل لقد أصبحت شعبية الإخوان بمثابة بديهية لا تُناقش، واكتسب أي ناطق باسم تلك الشعبية سلطة معنوية لا يجرؤ معارض غير إسلامي على نسبها إلى نفسه أو إلى مشروعه.
ليس طريفاً أن ينقلب الوضع فيُنظر اليوم إلى الإخوان كـَ “نخبة” منفصلة عن الواقع، ولا يدعو هذا إلى الشماتة عطفاً على ما سبق. من خلاصة الانتقادات الموجَّهة إلى الإخوان، والمطالبة صراحة أو ضمناً بحل التنظيم، أنهم فشلوا كقوة محاربة، وفشلوا أيضاً شعبياً لأنهم “نخبة” على نحو ما، ولم يستطيعوا مجاراة الوقائع التي سبقتْهم. المقياس في وصفهم هكذا أن السلفية الجهادية سبقتهم في تحقيق النجاح من خلال استلام السلطة، وسبقتهم أيضاً بتحقيق شعبية واسعة من المرجَّح أنها تفوق شعبية الإخوان في أفضل أيامهم.
في الواقع، لم يُستخدم من قبل مقياس موثوق لمعرفة شعبية الإخوان، ولا يوجد اليوم مقياس من هذا القبيل لقياس شعبية السلطة. وفي الحديث عن الأخيرة ليس هناك مقياس لمعرفة الجزء من شعبيتها المقترن بالأيديولوجيا التي تعتنقها، ومعرفة ذلك الجزء المرتبط بالسلطة، والذي قد تناله أية سلطة بديلة بما فيها الإخوان. على أية حال، الكلام عن شعبية السلطة الحالية ينصرف أساساً إلى الأكثرية السُنية، وتصديقه يعني تلقائياً سحب ادعاء تمثيل الأكثرية من الإخوان.
ولو كان الأمر يتعلق فقط بلعبة الأحجام لغاب الاكتراث عن تراجع شعبية الإخوان، وربما انشغلت أوساط الجماعة أكثر من غيرها بالتراجع الحاصل وبكيفية استدراك الفجوة في الشعبية بينها وبين الجماعة الحاكمة. تنافسٌ من هذا القبيل، لو حدث حقاً، قد يقود في اتجاهات عديدة، متشعبة وغير متجانسة، منها مثلاً الخلافات في قراءة الدين الإسلامي والمذهب السني تحديداً، والتنافس على استقطاب الأكثرية ضمن الأكثرية المذهبية نفسها. ومنها أيضاً النظر إلى سوريين آخرين، من خارج المصنّفين كعرب سنة، لأن “أصوات” هؤلاء لها تأثير على المستوى الوطني العام، وعلى ترجيح طرف من الأطراف المتنافسة. وقد يحدث تضارب بين طرف يرى التشدد الديني وسيلة لشد عصب الأكثرية، وطرف آخر يرى انفتاحها وسيلة لتحصيل أكثرية على مستوى البلد. هذا بالطبع إذا افترضنا الوصول إلى بيئة سياسية قائمة على مبدأ التنافس، وإذا نحّينا مآخذنا على الطرفين.
لكننا نعلم أن السجال الحالي حول حل جماعة الإخوان خارج كلياً عن منطق التنافس، بل الأساس فيها هو إلغاء التنافس، تحديداً ضمن الأكثرية. فمعظم المطالبين اليوم بحل الجماعة يرون في السلطة الطرف صاحب الشعبية الأكبر لدى السُنة، ويريدون له احتكار تمثيل الأكثرية، كي لا تتبدد الأخيرة بين متنافسين اثنين، وربما أكثر لاحقاً، ومن ثم تتبدد فكرة الشرعية المكتسبة من تمثيل الأكثرية المذهبية، بما أنها لم تعد بمثابة “بلوك” طائفي منسجم. وبخلاف كل ما يُحكى عن الخوف من “الأقليات” فإن الخوف الأكبر هو من هذا المآل، أي من تفكيك الأكثرية المذهبية، وذوبانها ضمن أكثريات وأقليات سياسية، وهنا يكمن الاعتراض الحقيقي على بقاء تنظيم الإخوان (حتى مع تراجع شعبيته).
الطريف في الأمر أن خصوم الإخوان، من أنصار السلطة، لا يتورعون عن انتقادهم من موقع يُفترض أن يشغله آخرون، من ذلك انتقاد “مغامرات” الإخوان العسكرية التي أعقبها انتقام وحشي ضخم من نظام البعث والأسد. والبعض من فئة المنتقدين نفسها لا تعوزه الجدية (!) وهو يأخذ على الإخوان طائفيتهم، ببعدها الداخلي وامتدادها الخارجي ضمن البوتقة الإخوانية العالمية، بما لا ينسجم مع كونهم تنظيماً وطنياً. ولا يخفى أن كل انتقاد يصدر عن هذه الجهة يتضمن التلميح إلى أن أصحابه على طرف نقيض من الإخوان، فلا هم طائفيون ولا هم يتسامحون مع أي مظهر من مظاهر الطائفية.
أيضاً لا تخلو صفوف المنتقدين من أولئك الذين كانوا ينافحون عن الإخوان ضد خصومهم أو منافسيهم، واصطفوا اليوم ضد الإخوان انحيازاً منهم إلى الأقوى. يسعى هؤلاء إلى إذاقة الإخوان الكأس الذي سبق أن أذاقوه للآخرين، بعقلية الاستقواء ذاتها، وعلى مبدأ الإبقاء على الأقوى وحده بصرف النظر عن الأصلح للجميع. وأن يُستهدف الإخوان بعقلية استفادوا منها من قبل، فهذا لا يعني أن الواقع تغيّر في العمق وسبق الإخوان كما يزعم منتقدوهم، لكن الواقع سيسبق الإخوان إذا حاولوا الرد بالعقلية ذاتها، أو استمروا في محاولة الانحناء للعاصفة وإمساك العصا من منتصفها.