نظام مير محمدي
كاتب حقوقي وخبير في الشأن الإيراني
لا تبدو الإجراءات الأمنية المتسارعة في إيران خلال الأسابيع الأخيرة مجرد تدابير احترازية لمواجهة اضطراب عابر، بل تعكس تحولاً أوسع في طريقة تعامل السلطة مع المجتمع. فحين تمتد الاعتبارات الأمنية إلى الأحياء والمساجد والمدارس، ويُطلب من المواطنين مراقبة محيطهم والإبلاغ عن التحركات المشبوهة، يصبح واضحاً أن السلطة تسعى إلى اكتشاف أي حراك محتمل واحتوائه قبل انتقاله إلى الشارع.
ويأتي ذلك في مرحلة تواجه فيها طهران ضغوطاً متزامنة، من الحرب والعقوبات والتحديات الاقتصادية إلى آثار الاحتجاجات التي شهدتها البلاد في يناير الماضي. وقد أشارت تقارير حديثة إلى استمرار الضغوط على العملة والأسعار والقدرة الشرائية، فيما تواصل السلطات إجراءاتها القضائية الصارمة بحق متهمين على خلفية الاحتجاجات. وفي 5 أكتوبر/تشرين الأول، أعلنت السلطات تنفيذ حكمي إعدام بحق رجلين قالت إنهما مرتبطان بأحداث احتجاجات يناير في أصفهان.
في هذا السياق، تكتسب إعادة تنظيم المجال المحلي حول الاعتبارات الأمنية أهمية خاصة. فبدلاً من حصر مهمة حفظ النظام في الأجهزة المختصة، يجري توسيع شبكة المراقبة لتشمل المؤسسات الاجتماعية والمجتمعات المحلية. وتشير تقارير إلى تعزيز دور الباسيج في الأحياء وتوسيع شبكات المعلومات المحلية وربطها بالمساجد والمؤسسات الاجتماعية.
وهذا التحول يكشف أن هاجس السلطة لا يتعلق فقط باحتجاج قائم، وإنما بإمكانية تشكل احتجاج جديد في بيئة اجتماعية واقتصادية قابلة للاحتقان.
وتجلياً لهذا التوجه، جاءت تصريحات الرئيس مسعود بزشكيان خلال لقائه برؤساء بلديات المدن الكبرى يوم الثلاثاء (29 سبتمبر/أيلول)، لتكشف عن هذا التخوف العميق؛ إذ قال مخاطباً إياهم: «إن عمل البلديات يعني في الحقيقة رؤية الجميع، وبناءً على ما ترونه يمكنك البناء لاحقاً. إن معيشة الشعب ومشاركته أمران بالغا الأهمية. وما نكرره حول محور المحلة، ومحور المسجد، ومحور المدرسة، يهدف إلى أنه إذا تعاون الناس فسيكون بمقدورهم صون البلاد… وحين ينزل الناس إلى الميدان، فإنهم يمنعون الاضطرابات، ويحلون المشاكل الاقتصادية، ويتعاطفون ويتعاضدون، ويحافظون على الأمن» (التلفزيون الحكومي، 1 أكتوبر/تشرين الأول 2026).
وهي تصريحات لا تعدو كونها اعترافاً صريحاً برعب النظام من تشكل انتفاضات غير مركزية على مستوى الأحياء والمناطق الشديدة الحساسية، وعجز قوى القمع الرسمية عن السيطرة على المساحات الحضرية الواسعة.
الأهم أن التركيز على الأمن لا يلغي الأسباب التي تغذي السخط. فتراجع القدرة الشرائية، وارتفاع الأسعار، وصعوبة الحصول على بعض السلع والأدوية، إلى جانب العقوبات والاضطرابات الاقتصادية، تضغط على شرائح واسعة من المجتمع.
ومن هنا تظهر معادلة أكثر تعقيداً: تستطيع الإجراءات الأمنية الحد من قدرة الاحتجاج على الانتشار في المدى القصير، لكنها لا تعالج تلقائياً الأسباب الاقتصادية والاجتماعية التي تنتج الاحتقان. ولهذا فإن استمرار الضغوط المعيشية يجعل ملف الاستقرار الداخلي مرتبطاً، بصورة وثيقة، بالقدرة على معالجة الاقتصاد وليس فقط بإدارة الشارع.
وتزداد الصورة تعقيداً مع اعتماد الخطاب الرسمي على تفسير بعض المخاطر الداخلية من خلال العامل الخارجي. فقد تحدث مسؤولون إيرانيون عن مجموعات مدربة مرتبطة بقوى أجنبية ودعوا المواطنين إلى اليقظة والإبلاغ. غير أن هذه الادعاءات لا تتوافر لها، في بعض الحالات، أدلة مستقلة منشورة، ولذلك ينبغي التمييز بين الرواية الرسمية وبين الوقائع القابلة للتحقق.
كما أن التوتر لا يقتصر على الشارع. فقد ظلت الجامعات إحدى المساحات الحساسة في العلاقة بين السلطة والمجتمع، وشهدت احتجاجات طلابية واحتكاكات مع أجهزة مرتبطة بالباسيج خلال سبتمبر، وفق تقارير حقوقية وأكاديمية.
وهكذا تبدو الأزمة الإيرانية متعددة المستويات: ضغط اقتصادي يطال الحياة اليومية، وتوتر سياسي، واستعداد أمني متزايد، وبيئة إقليمية شديدة الحساسية. ولا يبدو أن أيًا من هذه الملفات يمكن فصله عن الآخر.
ولذلك فإن التطور الأكثر أهمية ليس مجرد زيادة أعداد القوات أو المعدات الأمنية، بل انتقال الاعتبارات الأمنية إلى تفاصيل الحياة المحلية. فعندما تصبح الأحياء والمساجد والمدارس جزءاً من منظومة الاستعداد، فإن الدولة تعيد تعريف المجال العام على أساس أمني أوسع.
لكن نجاح هذه المقاربة سيظل مرتبطاً بعامل يتجاوز قدرة الأجهزة الأمنية: قدرة الدولة على تخفيف الضغوط التي تدفع قطاعات من المجتمع إلى الاحتجاج أصلاً.
ومن هنا سيكون الاختبار الحقيقي لطهران في المرحلة المقبلة مزدوجاً: الحفاظ على الاستقرار الداخلي من جهة، ومعالجة أسبابه الاقتصادية والاجتماعية من جهة أخرى. وبين هذين المسارين ستتحدد إلى حد كبير طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع الإيراني خلال المرحلة المقبلة.