
لم تقتصر تداعيات انقطاع الكهرباء على الأنشطة الاقتصادية بل امتدت إلى الحياة اليومية للمواطنين (أ ف ب)
ملخص
لم تعد أزمة الكهرباء تقتصر على ساعات الظلام، بل امتدت إلى فواتير خيالية، ومولدات كهربائية باهظة الثمن، وخسائر متزايدة تطال المواطنين وأصحاب الأعمال.
لا تزال الانقطاعات المتكررة للتيار الكهربائي تضرب حياة المواطنين وأعمالهم في مختلف أنحاء إيران، متسببة بأضرار مضاعفة في ظل واحدة من أشد الأزمات الاقتصادية التي تشهدها البلاد. وتشير روايات المواطنين إلى أن الكهرباء تنقطع يومياً لمدة تتراوح بين ساعتين وأربع ساعات، في وقت تمتد فترات الانقطاع في بعض المناطق إلى مدد أطول، مع تكرارها مرتين في اليوم.
في ظل هذه الظروف، تضررت صحة المواطنين وراحتهم، كما تعرضت الأجهزة الكهربائية للتلف نتيجة التقلبات المتكررة في التيار، بينما بات كثير من الأنشطة التجارية على شفا التوقف والانهيار. وعلى رغم ذلك، فوجئ عدد كبير من المواطنين بارتفاع فواتير الكهرباء لشهر يوليو (تموز) الماضي إلى أضعاف عدة. وتؤكد وزارة الطاقة أن الزيادة طالت فقط تعرفة كبار المستهلكين، إلا أن المواطنين يردون بأنهم لم يحصلوا أساساً على الكهرباء حتى يتهموا بالإفراط في استهلاكها.
في المقابل، تشهد سوق مولدات الكهرباء رواجاً ملحوظاً، على رغم أن أسعار بعض الأنواع تصل إلى مليار تومان (6.7 آلاف دولار)، ويؤكد أصحاب الأعمال أنهم لا يملكون القدرة على شراء هذه المولدات، بينما يشكو من تمكن من اقتنائها من صعوبات كبيرة في تأمين وقود الديزل اللازم لتشغيلها.
ويصف أحد سكان طهران المشهد اليومي في المدينة قائلاً “يمكن سماع الضجيج المزعج لمولدات الكهرباء في كل أنحاء المدينة، من ساحة ولي عصر إلى نارمك، إذ تعمل المولدات أمام معظم المتاجر، ويملأ هديرها أجواء المدينة. ومع ذلك، تبدو غالبية المحال التجارية خالية من الزبائن، فيما يجلس أصحابها بوجوه يكسوها الإرهاق والإحباط، مطأطئي الرؤوس داخل متاجرهم يتصفحون هواتفهم المحمولة، أو يقفون أمام محالهم يتبادلون الحديث عن الغلاء، وأحداث القتل في يناير (كانون الثاني) الماضي، والإعدامات، والحرب، وترمب”.
وخلال الأعوام الثلاثة الماضية، تسببت الانقطاعات المتكررة للكهرباء خلال فصل الصيف بخسائر واسعة طالت مختلف المهن والأنشطة الاقتصادية، بدءاً من أصحاب المتاجر والتجار، وصولاً إلى مربي الدواجن والمزارعين، كما اضطر كثيرون من المنتجين إلى وقف عمليات الإنتاج، في حين تكبدت الصناعات الصغيرة والكبيرة خسائر جسيمة.
مولد كهربائي بـ 6700 دولار
تداول مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي أخيراً مقطع فيديو لأحد أصحاب المتاجر، يظهر فيه وهو يصرخ من شدة اليأس والغضب بسبب انقطاع الكهرباء عن متجره. ويوجه الرجل حديثه إلى المسؤولين قائلاً “كيف يفترض بي أن أبقي هذا المكان قائماً؟ الآن الساعة العاشرة صباحاً، كيف أعمل؟ وكيف أدفع إيجار المحل؟ انقطعت الكهرباء البارحة من الساعة الثامنة حتى العاشرة مساء، واليوم انقطعت منذ التاسعة صباحاً ولم تعد حتى الآن. كيف أطعم أسرتي؟ وإذا تكلمنا، تقولون إننا نحارب الله”.
وسبق أن أثار مقطع فيديو آخر، نشر على مواقع التواصل الاجتماعي، لصاحب متجر في مدينة دليجان بمحافظة مركزي، تفاعلاً واسعاً، إذ ظهر فيه وهو يشرح بحسرة كيف أدى انقطاع الكهرباء المفاجئ، خارج جدول الانقطاعات المعلن، إلى تلف نحو 180 كيلوغراماً من المثلجات التي ينتجها، متسبباً في خسائر مالية جسيمة ألحقها بعمله.
وتتكرر مثل هذه الروايات باستمرار على منصات التواصل الاجتماعي، بما في ذلك مقاطع فيديو توثق نفوق أعداد كبيرة من الدواجن نتيجة الإجهاد الحراري والاختناق بعد انقطاع الكهرباء عن مزارع التربية. وتمثل كل واحدة من هذه المقاطع قصة مشروع بات على حافة الانهيار، في وقت لا يقتصر الضرر على هذه القطاعات، بل يمتد إلى المزارعين والأنشطة الصناعية وغيرها من الأعمال.
ورداً على احتجاجات أصحاب الأعمال، يدعوهم المسؤولون إلى شراء مولدات كهربائية، غير أن أصحاب المهن يؤكدون أن تكلفة شراء مولدات الديزل وتشغيلها مرتفعة للغاية، فضلاً عن الصعوبات الكبيرة في تأمين الوقود اللازم لها، والمخاطر المرتبطة بتشغيلها لفترات طويلة.
وفي تقرير بعنوان “أزمة انقطاع الكهرباء ورؤوس الأموال التي تذوب”، ذكر موقع “فرارو” أن مولدات الكهرباء لا تفرض فقط أعباء مالية كبيرة بسبب استهلاك الوقود، بل تتعرض أيضاً لاستهلاك سريع لأجزائها نتيجة التشغيل المتواصل، كما أن البيروقراطية المعقدة للحصول على مخصصات الديزل الصناعي جعلت تأمين الوقود لهذه المولدات تحدياً مرهقاً لأصحاب الأعمال.
وبحسب التقرير، تشير تقديرات السوق إلى أن سعر مولد كهربائي يعمل بالديزل يتراوح بين 800 مليون تومان (5300 دولار) ومليار تومان (6700 دولار)، وقد يتجاوز ذلك في بعض الحالات.
ولا تقتصر معاناة أصحاب الأعمال على الأسعار الباهظة للمولدات، بل تمتد أيضاً إلى صعوبة تأمين وقود الديزل اللازم لتشغيلها. فبينما تؤكد الجهات الحكومية أنها توفر احتياجات القطاع الصناعي من الوقود عبر نظام الحصص، يقول أصحاب المهن إن الكميات المخصصة لا تغطي سوى جزء محدود من احتياجاتهم، فضلاً عن أنها لا تشمل الجميع، ونتيجة لذلك، يضطر كثيرون منهم إلى شراء وقود الديزل من السوق الموازية بأسعار باهظة.
فواتير كهرباء خيالية
لم تقتصر تداعيات انقطاع الكهرباء على الأنشطة الاقتصادية، بل امتدت إلى الحياة اليومية للمواطنين. وكما حدث خلال الأعوام الماضية، أفاد كثيرون من الإيرانيين في الأسابيع الأخيرة عبر مواقع التواصل الاجتماعي بتلف الأجهزة الكهربائية المنزلية نتيجة الانقطاعات المتكررة وعودة التيار وما يصاحبها من تقلبات في الجهد الكهربائي. ويقول هؤلاء إنهم، في ظل الأوضاع الاقتصادية المتردية، لا يملكون القدرة على شراء أجهزة جديدة، بل إن تحمل تكاليف إصلاح الأجهزة التالفة بات صعباً عليهم أيضاً.
وتشير روايات المواطنين إلى أن الكهرباء تنقطع في بعض المناطق من دون إشعار مسبق، ما يتسبب في مشكلات إضافية، بدءاً من احتجاز السكان داخل مصاعد المباني، وصولاً إلى تعريض حياة المرضى الذين يتلقون العلاج في منازلهم ويعتمدون على أجهزة كهربائية، مثل أجهزة توليد الأوكسجين، للخطر. وكان رئيس منظمة الإطفاء في همدان قد أعلن في يوليو الماضي أن التوقف المفاجئ للمصاعد نتيجة انقطاع الكهرباء رفع عدد عمليات الإنقاذ اليومية التي تنفذها المنظمة إلى نحو 50 عملية. كما حذرت هيئة الإطفاء في أصفهان من احتجاز المواطنين داخل المصاعد بسبب الانقطاعات المفاجئة للكهرباء.
ويصبح الخطر أكثر جدية بالنسبة إلى المرضى الذين يعتمدون على أجهزة طبية كهربائية، إذ إن توقف جهاز توليد الأوكسجين، حتى لفترة قصيرة، قد يعرقل وصول الأوكسجين إلى المريض ويعرضه لانخفاض مستوى الأوكسجين في الدم ومضاعفات جسدية.
كما يؤثر انقطاع الكهرباء، لا سيما خلال ساعات ذروة الحر، في صحة المواطنين الجسدية واستقرارهم النفسي، إذ تتوقف أجهزة التبريد بالتزامن مع تعطل أنظمة ضخ المياه في المباني والمصاعد وغيرها من المعدات الأساسية. ويتضاعف هذا الضغط عندما يفاجأ المواطنون، على رغم تحملهم ساعات طويلة من الانقطاع، بفواتير كهرباء مرتفعة بصورة غير مسبوقة.
وتشير روايات المواطنين إلى ارتفاع لافت في قيمة فواتير الكهرباء خلال يوليو الماضي. ويقول بعضهم إن فاتورة كانت تبلغ قبل شهر نحو 300 ألف تومان (دولاران)، ارتفعت الآن إلى ما بين 800 ألف تومان (5.3 دولارات) ومليون تومان (6.7 دولارات). كما أفاد مواطن آخر بأن فاتورة منزله ارتفعت إلى ثلاثة أضعاف، موضحاً أنه وزوجته لا يتواجدان في المنزل إلا خلال ساعات الليل، ومع ذلك تجاوزت الفاتورة مليون تومان (6.7 دولارات)، بعدما كانت في الشهر السابق 240 ألف تومان (1.6 دولار).
ولم تقتصر هذه الزيادات على المشتركين المنزليين. فقد كتب أحد المستخدمين على منصة “إكس” أن فاتورة الكهرباء الخاصة ببئر زراعية يمتلكها كانت تقل خلال الأشهر الماضية عن أربعة ملايين تومان (26.7 دولاراً)، إلا أن فاتورة يوليو الماضي قفزت فجأة إلى نحو 440 مليون تومان (2.93 ألف دولار).
كما أعلن رئيس غرفة النقابات الزراعية والموارد الطبيعية في إيران، في 27 يوليو الماضي، أن أحد المزارعين تلقى فاتورة كهرباء بقيمة 120 مليون تومان (800 دولار) مقابل استهلاك 10 أيام فقط، مشيراً إلى أن تعرفة الكهرباء لبعض الآبار الزراعية ارتفعت بما يتراوح بين أربعة أضعاف و412 ضعفاً.
وقال مواطن آخر إن فاتورة الكهرباء الخاصة به، التي كانت تبلغ سابقاً نحو مليوني تومان (نحو 13.3 دولاراً)، ارتفعت إلى ستة ملايين تومان (40 دولاراً). ويرى أن السلطات تسعى، من خلال رفع تعرفة المياه والكهرباء والغاز، إلى تعويض النفقات التي تكبدتها خلال الأشهر الأخيرة.
بدورها، تناولت صحيفة “اطلاعات” في تقرير ارتفاع تكاليف المياه والكهرباء على المواطنين بنسبة تراوحت بين 200 و300 في المئة، وكتبت “في بعض الحالات، ارتفعت قيمة الفاتورة من نحو 300 ألف تومان (دولاران) في يونيو (حزيران) الماضي إلى ما بين 800 ألف تومان (5.3 دولارات) ومليون تومان (6.7 دولارات) في يوليو الماضي.
ومع ذلك، تنفي وزارة الطاقة حدوث زيادة مفاجئة في تعرفة الكهرباء، وتزعم أن ارتفاع قيمة الفواتير ناجم عن تجاوز معدلات الاستهلاك المحددة. وقال المتحدث باسم قطاع الكهرباء مصطفى رجبي مشهدي إن تعرفة الكهرباء تعدل مرة واحدة سنوياً، في مطلع مايو (أيار) الماضي، وإنه لم تطبق أي زيادة جديدة في الأسعار على الفواتير خلال الأيام الأخيرة. وأضاف أن الفواتير المرتفعة تعود إلى تجاوز المشتركين نمط الاستهلاك المحدد واحتساب التعرفة وفق شرائح تصاعدية.
وعلى رغم هذه التصريحات، يقول كثيرون من المواطنين إنهم عانوا خلال شهر يوليو الماضي من انقطاع الكهرباء ساعات عدة يومياً، وفي بعض الأحيان مرتين في اليوم، لذلك يرفضون تفسير الارتفاع الذي بلغ أضعافاً عدة في قيمة فواتيرهم بأنه ناتج عن تجاوز معدلات الاستهلاك.