“هزم” المرشد الأعلى للثورة في إيران مجتبى خامنئيّ الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب… في اختراع “المبالغات”، التي وسمت الأخير. تغلب السورياليّة على قول المرشد إنّ بلاده هي “القوّة العظمى الأولى في العالم وفق الحسابات الإلهيّة”. وصنّف الصين، حليفته، ومعها روسيا وبريطانيا وفرنسا… في مرتبة متأخّرة بالعظمة، مع أنّ مبادرة إيران في نيويورك القاضية بفتح مضيق هرمز خلال سبعة أيّام، نتجت عن ضغط صينيّ بوجوب التخلّي عن هذه الورقة. طهران عادت إلى خيار الحرب بالواسطة عبر الأذرع.
رفض ترامب تقديم مقابل لتخلّي طهران عن ورقة هرمز، بعدما عطّل جزءاً مهمّاً من فعّاليّتها، بحماية القيادة المركزيّة الأميركيّة لحرّية الملاحة عبر المضيق. الاستجابة لمطالب طهران إنهاء الحصار الاقتصاديّ البحريّ والجوّيّ الأميركيّ عليها، متروكة للتفاهم على الملفّ النوويّ ودورها الإقليميّ.
الصّين وحدها تؤثّر على إيران
يسود اعتقاد لدى دوائر واسعة الاطّلاع على الدور الصينيّ في تليين الموقف الإيرانيّ، بأنّ بكين هي الدولة الوحيدة القادرة على التأثير في موقف طهران. وحين نُسب الى الرئيس الصينيّ شي جين بينغ دعوته إلى العودة إلى “مذكّرة التفاهم” في محادثاته مع ترامب قبل أسبوع في واشنطن، كان ذلك لمراعاة مطلب إيرانيّ. التزمت بكّين قبل لقاء القمّة بين شي وترامب القنوات الخلفيّة بوتيرة نشطة، إلى درجة أنّها هي الجهة الدوليّة التي دفعت باكستان، منذ منتصف آذار الماضي، للانخراط في الوساطة بين واشنطن وطهران، وصولاً إلى مذكّرة التفاهم التي وقّعها طرفا الحرب في 16 حزيران الماضي. الوساطة الباكستانيّة كانت صينيّة بالتعريف السياسيّ.
الوساطة الباكستانيّة صينيّة بامتياز
يمكن القول إنّ هذا الالتزام الصينيّ كان وراء اندفاع ترامب ومحيطه في المحادثات مع القيادة الإيرانيّة، إلى حدّ قبول الجانب الأميركيّ ببعض الصياغات الملتبسة التي أصّرت عليها طهران لبنود المذكّرة، والتي استغلّتها الأخيرة من أجل مخالفة ما تضمّنته. “حرس الثورة” قفز فوق ما تنصّ عليه المذكّرة من شروط لا سيما في شأن توقيت الإفراج عن الأرصدة الماليّة الإيرانيّة المحتجزة، ومسألة إدارة الملاحة في المضيق. المذكّرة تنصّ على “ضمان” إيران فتح المضيق لا على إدارة العبور.
مع أنّ بكّين عارضت الدفعة الأخيرة من إجراءات واشنطن لمحاصرة طهران اقتصاديّاً ولم تلتزم حظر الطيران الإيرانيّ، فإنّ الردّ الإيرانيّ على تلك الإجراءات، بتحريك الحوثيّين في اليمن للتحكّم بالملاحة في باب المندب، سيكون ضدّ المصالح الصينيّة بالتأكيد. إعاقة العبور في هذا الممرّ البحريّ سينتج أضراراً للتجارة الصينيّة مع دول الخليج تفوق تلك الناجمة عن إعاقة الملاحة في هرمز.
ترتيب جديد لأولويّات الأذرع؟
مع أهميّة ارتكاز التشدّد الإيرانيّ على التحالف مع الصين بمواجهة خنق الاقتصاد الإيرانيّ، قد ينقلب لجوء الدولة “العظمى” إلى تحريك أذرعها ضدّها في علاقتها مع المارد الصينيّ، كلّما طال الوقت. لجأ “حرس الثورة” إلى سياسة التنقّل بين الجبهات في الإفادة من توظيف الأذرع، لضمان تفوّقها على دول الخليج، في المعادلة التي سترسم خريطة النفوذ في النظام الإقليميّ لمرحلة ما بعد الحرب. وهي سياسة مرحليّة تردّ فيها على الحصار الأميركيّ الذي أخذ يؤلمها أكثر من السابق مهما كابر مسؤولوها.
تفيد قراءة خبراء متابعين عن كثب لتطوّرات المواجهة الأميركيّة الإيرانيّة، أنّ القوى النافذة في طهران اختارت أن تعطي الأولويّة لتحريك ميليشيا الحوثيّين في الجغرافيا السياسيّة للمنطقة، بديلاً عن “الحزب”. هذا كان خلف اندفاع هؤلاء على الخريطة اليمنيّة، بعد مرحلة من السكون.
الرياض حسمت أمرها بمواجهة التهديد الإيرانيّ المباشر أو عبر الحوثيّين
الرّدّ السّعوديّ على تحريك الحوثيّين
يعتقد قادة “الحرس” أنّ تهديد الحوثيّين لباب المندب، معطوفاً على توجيه ضربات للمواقع النفطيّة في المملكة العربيّة السعوديّة، يتسبّب بضغوط إضافيّة على الاقتصاد الخليجيّ والعالميّ، فتتحوّل إلى مشكلة داخليّة لترامب. وعلى الرغم من أنّ الأخير لا يبدي اهتماماً للمراهنة الإيرانيّة على خسارة “الحزب الجمهوريّ” الأكثريّة في الانتخابات النصفيّة للكونغرس المزمع إجراؤها في 3 تشرين الثاني المقبل، فإنّ طهران لم تغادر هذا الطموح، مهما كان محفوفاً بخطأ التقدير أو بإساءة احتساب ردّة الفعل الخليجيّة، لا سيما السعوديّة.
الرياض حسمت أمرها بمواجهة التهديد الإيرانيّ المباشر أو عبر الحوثيّين. ما أعلنه وليّ العهد السعوديّ الأمير محمّد بن سلمان يوم الأربعاء الماضي في الخطاب الملكيّ السنويّ أمام مجلس الشورى السعوديّ، يشير إلى هذا التوجّه، إذ قال إنّ “المملكة لن تتردّد في الردّ الحازم على أيّ تهديد أو اعتداء يستهدف المساس بها”. وأشار إلى قيام “حلف مكّة الدفاعيّ”، بين الرياض وإسلام آباد وأنقرة، وإلى إنشاء “تحالف بحريّ دفاعيّ متعدّد الجنسيّات” يضمّ 14 دولة مؤسِّسة وحضور 41 دولة مشاركة، لحماية حرّية الملاحة وأمن الطاقة العالميّ.
طهران بإعطائها الأولويّة لتحريك الذراع الحوثيّة استنفرت المزيد من الدول الكبرى، خصوصاً الأوروبيّة، لحماية باب المندب.
“الحشد الشّعبيّ” ثانياً و”الحزب” ثالثاً
أمّا الميليشيات العراقيّة الموالية لـ”الحرس” فقد باتت في المرتبة الثانية من الأهميّة، في التوظيف الأمنيّ والعسكريّ، بعد أن كانت في المرتبة الأولى خلال الأشهر الماضية. إذ إنّ للفصائل الولائيّة، سواء كانت في “الحشد الشعبي” أو خارجه، الدور الرئيس في قصف دول الخليج، ولا سيما الكويت. باتت هذه الميليشيات في موقع حرج الآن بعد الانسحاب الأميركيّ من بلاد الرافدين. عليها التعاطي مع استحقاق حصر سلاحها بالدولة العراقيّة بدل استخدامه ضدّ دول الخليج بحجّة استهداف المواقع الأميركيّة.
حتّى الفصائل الأكثر ولاءً لطهران، مثل “كتائب حزب الله”، اضطرّت إلى التراجع عن تهديدها ووعيدها لحكومة عليّ الزيديّ بإعلان استعدادها للحوار معه. وبإمكان الجيش الأميركيّ الموجود في بحر العرب الردّ عليها من السفن الحربيّة أو من الجوّ، فيما أثبتت الرياض بقصفها لهذه الميليشيات في تمّوز الماضي أنّ باستطاعتها الردّ على الاستهداف الإيرانيّ عبر تلك الميليشيات.
“الحزب” في لبنان صار في المرتبة الثالثة من الأهميّة، وفق قراءة الخبراء المتابعين للسلوك الإيرانيّ، نظراً إلى الإنهاك الذي أصابه، ولعجزه عن التعامل مع التغوّل الإسرائيليّ في جنوب لبنان.
