
أعادت مشاركة رئيس جهاز الاستخبارات العامة السوري حسين السلامة في المؤتمر الرابع لرؤساء أجهزة مكافحة الإرهاب، الذي استضافه مقر الأمم المتحدة في نيويورك، فتح النقاش حول ملامح الاستراتيجية الأمنية التي تعمل دمشق على ترسيخها في مرحلة ما بعد سقوط نظام الأسد السابق.
فالكلمة التي ألقاها المسؤول السوري الأمني لم تقتصر على تأكيد الانفتاح على التعاون الدولي في مكافحة الإرهاب، بل حملت مؤشرات سياسية وأمنية تعكس توجهاً جديداً يقوم على ربط الأمن الوطني بالتعاون الإقليمي والدولي ضمن أطر قانونية ومؤسسية.
وأكد السلامة أن سوريا منفتحة على التعاون الدولي في مجال مكافحة الإرهاب على أساس بناء القدرات وتبادل المعلومات، وبما يتوافق مع القانون الدولي وأولوياتها الوطنية، مشدداً على التزام دمشق بمواصلة هذا المسار.
رؤية شاملة
ويرى الباحث في الشأن الأمني والعسكري رشيد حوراني، أن كلمة رئيس الاستخبارات كشفت للمرة الأولى بصورة واضحة عن ملامح الاستراتيجية الأمنية السورية الجديدة.
وأوضح حوراني في حديثه لـ”المدن” أن الاستراتيجية تقوم على تكامل الجوانب الاقتصادية والقانونية والسياسية، ولذلك دعا الى رفع العقوبات عن سوريا لتحقيق التنمية وقطع الطريق على الأطراف التي تريد التدخل لإعادة بناء شبكاتها، إضافة إلى معالجة الرواسب المتعلقة بالإرهاب التي تركها نظام الأسد، من خلال المطالبة برفع اسم سوريا من قائمة الدولة الراعية للإرهاب، وفق تعبيره.
وأشار السلامة في سياق كلمته أمام الأمم المتحدة، إلى أن الدولة السورية استعادت سيادتها وقرارها المستقل، وبدأت إعادة بناء مؤسساتها الوطنية وعلاقاتها الخارجية، معتبراً أن المرحلة الحالية تستهدف الانتقال من إدارة الأزمات إلى صناعة القرار المستدام.
وأوضح أن المقاربة السورية الجديدة لا تنحصر في الجانب الأمني، وإنما تقوم على رؤية شاملة تجمع بين الأمن والعدالة والتنمية، مؤكداً أن تحقيق الاستقرار يتطلب معالجة التحديات الاقتصادية والاجتماعية بالتوازي مع مواجهة التنظيمات المتطرفة والتهديدات الأمنية المختلفة.
من جانبه، يرى الباحث في الشأن الأمني عبد الله الحمد، أن جهود الدولة السورية في مكافحة الإرهاب أصبحت أكثر وضوحاً بعد كلمة السلامة في نيويورك.
ولفت في حديثه لـ”المدن”، إلى أن المسؤول السوري رسم إطاراً يقوم على ثلاثة محددات رئيسية: أولها قيادة سورية مستقلة لملف مكافحة الإرهاب وفق الأولويات الوطنية، وثانيها الالتزام بالقانون الدولي من خلال بناء القدرات وتبادل المعلومات مع احترام السيادة السورية، وثالثها الاستمرار في هذا النهج بما يسمح بالانتقال من إدارة الأزمات إلى تحقيق الاستقرار وصناعة القرار.
ولا تمثل هذه الرؤية، حسب الحمد، موقفاً منفصلاً، بل تأتي امتداداً لتحركات سورية بدأت خلال الأشهر الماضية، مشيراً إلى مشاركة وزير الخارجية أسعد الشيباني في الاجتماع الوزاري للتحالف الدولي ضد تنظيم “داعش” الذي عقد في العاصمة السعودية الرياض، حيث أعلنت دمشق آنذاك تبني مسار يقوم على تعزيز تبادل المعلومات والتنسيق الأمني بما يخدم الأمن الوطني والإقليمي والدولي.
تهديدات متعددة
وفي كلمته، أشار السلامة أيضاً إلى أن التهديدات التي تواجهها سوريا لم تعد تقتصر على تنظيم “داعش”، بل تشمل خلايا مرتبطة بفلول النظام السابق، إضافة إلى مجموعات مرتبطة بـ”حزب الله”، فضلاً عن التهديدات الناتجة عن التوغلات الإسرائيلية والقصف واعتقال المدنيين، معتبراً أن هذه التحديات تستدعي تعاوناً دولياً أكثر جدية لدعم استقرار البلاد.
ورغم هذه المؤشرات، يرى بعض الباحثين أن الحديث عن استراتيجية أمنية سورية مكتملة لا يزال يحتاج إلى مزيد من الوقت، في ظل استمرار التحديات الداخلية والخارجية التي تواجهها دمشق.
وفي هذا السياق، يقول الباحث في العلاقات الدولية عبد الباسط أبو نبوت في حديثه لـ”المدن”، إن زيارة رئيس جهاز الاستخبارات العامة السورية إلى نيويورك وما رافقها من تصريحات حول الانفتاح على التعاون الدولي في مكافحة الإرهاب، هي خطوة إضافية في مسار إعادة تموضع السياسة الأمنية السورية خارجياً.
ولكن رغم هذه المؤشرات: من الانضمام المعلن إلى التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، والمشاركة في مؤتمرات أمنية إقليمية، وصولاً إلى حضور فعال في مؤتمر ميونخ للأمن، لا يزال من المبكر القول إن هناك “استراتيجية أمنية” سورية واضحة المعالم ومتفقاً عليها دولياً، حسب أبونبوت.
ويرى أبو نبوت، أنه يمكن اعتبار ما يجري محاولة لإعادة تعريف الدور الأمني السوري دولياً، لكنه لا يزال في مرحلة الاختبار، ويتوقف نجاحه على مدى القدرة على تحويل الانفتاح السياسي إلى التزامات مؤسسية واضحة ومستدامة.
وتعكس مجمل التصريحات والتحركات السورية خلال الأشهر الأخيرة سعياً لإعادة صياغة الدور الأمني للدولة بعد سنوات من العزلة والصراع، عبر تقديم مقاربة تربط مكافحة الإرهاب بالتنمية الاقتصادية، وإعادة الإعمار، واحترام القانون الدولي، والتعاون مع الشركاء الإقليميين والدوليين.
وبينما يرى مؤيدو هذا المسار أن دمشق بدأت بالفعل في رسم استراتيجية أمنية أكثر وضوحاً تقوم على الشراكة والالتزام المؤسسي، يعتبر آخرون أن هذه الاستراتيجية لا تزال في مرحلة التأسيس، وأن اختبارها الحقيقي سيكون في مدى نجاحها في ترجمة الخطاب السياسي إلى آليات تنفيذية وتعاون دولي مستدام ينعكس على استقرار سوريا والمنطقة.