-
مسلم عبد طالاس…. المصدر الجمهورية .نت
-
-
-
يحتلُّ استقرارُ سعر صرف الليرة السورية موقعاً مهماً في السياسة الاقتصادية للحكومة الجديدة منذ سقوط نظام الأسد في كانون الأول (ديسمبر) 2024. فالحكومةُ تحتاج إلى الحدِّ من التضخّم واستعادة الثقة بالعملة، وإظهار قدرتها على إدارة الاقتصاد أمام المواطنين والمؤسسات المالية الدولية. كما أن استقرار سعر الصرف يساعد المستثمرين على تقدير تكاليف مشروعاتهم وإيراداتها ومخاطرها قبل دخول السوق السورية. ولهذا قد يصبح الحفاظ على استقرار الليرة أولوية حكومية متقدِّمة، وربما تتجاوز هذه الأولوية ما تسمح به الظروف الاقتصادية.
لكن تقييم هذه السياسة يتطلَّب معرفةَ أسباب استقرار الليرة ومدى قابليته للاستمرار. فقد تحسَّن سعر صرفها خلال الأشهر الأولى من عام 2025، ثم تعرَّض لضغوط جديدة خلال عام 2026، رغم مؤشرات التعافي الاقتصادي. تُناقش هذه المقالة تفسيراً لهذه التطورات من خلال العلاقة بين الطلب على العملات الأجنبية ومصادر عرضها، وتأثير السياسة النقدية وأزمة السيولة المصرفية والتوازن الخارجي. وتخلُص إلى أن الحكومة حقَّقت تقدُّماً في ضبط بعض مصادر الضغط النقدي، لكن استمرار الاستقرار مع تعافي الاقتصاد يتطلَّب زيادة قدرته على توفير العملات الأجنبية وإصلاح النظام المصرفي. وتكمُن المخاطرة في أن يؤدي الحرص على سعر الصرف إلى تأجيل الإصلاحات اللازمة لتحقيق ذلك.
ما الذي دعمَ الليرة بعد سقوط النظام؟
يتحدَّد سعر صرف الليرة من خلال الطلب على العملات الأجنبية ومصادر عرضها، مع تأثير تدخلات المصرف المركزي والقيود المصرفية وتوقعات المتعاملين. ويأتي الطلب على الدولار من تمويل الواردات والالتزامات الخارجية، ومن احتفاظ الأفراد والشركات به لحماية مدخراتهم من التضخُّم وانخفاض قيمة الليرة. أمّا مصادر عرضه فتشمل الصادرات وتحويلات المغتربين والمساعدات والاستثمارات والقروض والتدفقات المالية الأخرى.
خلال الأشهر الأولى من عام 2025، تزامن تحسُّن الليرة مع تغيّرات يُرجح أنها أثرت في جانبي السوق. فقد أدى سقوط النظام والانفتاح السياسي والاقتصادي المتوقع إلى تحسن التوقعات، وربما شجع ذلك بعض حائزي الدولار على بيعه أو تقليص طلبهم عليه. وفي الوقت نفسه، اتَّبعت الحكومة سياسة مالية ونقدية متشددة حدَّت من التوسُّع في السيولة المحلية.
وقد أكد صندوق النقد الدولي في شباط 2026 أن الحكومة امتنعت خلال عام 2025 عن تمويل الموازنة من المصرف المركزي، وأن السياسة النقدية المتشددة ساهمت في تباطؤ التضخم وتحسن سعر الصرف مقارنة بعام 2024.
وتعمل هذه السياسة من خلال الحدِّ من نمو الطلب المحلي. فعندما تموِّل الحكومة عجزها بإصدار النقد، تزيد القدرة على الإنفاق دون أن تُقابلها بالضرورة زيادةٌ في الإنتاج. وفي اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد، ينتقل جزء من هذا الإنفاق إلى الطلب على السلع الأجنبية، ومن ثم إلى الدولار. ويساعد وقف التمويل النقدي للعجز على تقليل هذه الضغوط.
لكن التشدُّد النقدي تزامنَ مع أزمة سيولة مصرفية حادة، شملت نقصَ النقد المتداول واستمرار القيود على سحب جزءٍ من الودائع القديمة وضعف الائتمان. وقد أشار البنك الدولي في تموز (يوليو) 2025 إلى أزمة السيولة، ثم عاد وأكد في آب (أغسطس) 2026 استمرار الاختلالات العميقة في القطاع المصرفي.
وقد حدَّت هذه الظروف من قدرة الأفراد والشركات على استخدام أرصدتهم في الإنفاق وشراء العملات الأجنبية. غير أنه ينبغي التمييز بين الانضباط النقدي الذي اختارته الحكومة وأزمة السيولة الناتجة عن تعطُّل النظام المصرفي. ولا تتوافر بياناتٌ تسمح بتحديد مساهمة كلٍّ منهما في تحسن الليرة. والأهم أن تقييد الطلب على الدولار يمكن أن يدعم سعر الصرف مؤقتاً، لكنه لا يضمنُ استقراره متى استعاد الاقتصاد نشاطه.
ولهذا يتطلب تقييمُ استدامة هذا التحسن الانتقالَ من جانب الطلب على الدولار إلى جانب عرضه: هل أصبحت سوريا أكثر قدرةً على توفير العملات الأجنبية اللازمة لتمويل نشاطها الاقتصادي؟
هل تحسنت قدرة الاقتصاد على توفير الدولار؟
يعاني الاقتصاد السوري ضعفاً كبيراً في قدرته التصديرية نتيجةَ تضرُّر الصناعة والزراعة والطاقة والبنية التحتية خلال سنوات الحرب. وفي المقابل، يعتمد على الاستيراد لتوفير الوقود والمواد الغذائية والآلات والمواد الأولية وكثيرٍ من السلع الاستهلاكية.
وتُشير البيانات التجارية الجزئية إلى استمرار اختلال كبير بين الصادرات والواردات. فعلى سبيل المثال، بلغت صادرات تركيا إلى سوريا نحو 3.49 مليارات دولار خلال 2025، مقابل واردات تركية من سوريا تُقارب 235 مليون دولار. وتعكس هذه الأرقام اختلال التجارة مع أحد أهم الشركاء، لكنها لا تُمثِّل الميزان التجاري السوري الكامل.
ولا يكفي العجز التجاري وحده لتفسير سعر الصرف. فالحسابُ الجاري يشمل، إلى جانب تجارة السلع، الخدمات والدخول والتحويلات الجارية، بما فيها تحويلات المغتربين. ويمكن تمويل عجز الحساب الجاري بالاستثمارات والقروض وتدفقات رأس المال الأخرى، أو باستخدام الأصول الخارجية. ولذلك، يستطيع اقتصادٌ يعاني عجزاً تجارياً كبيراً الحفاظَ على استقرار عملته إذا توافرت له مصادر تمويل خارجية كافية ومنتظمة.
وتكمُن المشكلة السورية في محدودية المعلومات عن هذه المصادر. فتحويلات المغتربين والمساعدات وعودة بعض المدخرات والاستثمارات المحتملة توفِّر عملات أجنبية، لكن البيانات المنشورة لا تسمح بتحديد حجمها الفعلي خلال الفترة الأخيرة أو مدى استقرارها. كما أن الاتفاقيات الاستثمارية المعلنة لا تعني دخول قيمتها إلى الاقتصاد، ولا تعني أن الأموال الداخلة ستُعرض في سوق الصرف المحلية.
وبالتالي، لا توجد أدلة كافية على أن تحسُّن الليرة خلال عام 2025 كان نتيجةَ زيادة مستدامة في الصادرات أو تحسُّن جوهري في الحساب الجاري. وقد تكون التدفقات الخارجية وتحسُّن التوقعات ساهما في دعمها، لكن وزن هذه العوامل غير معروف.
وتصبح هذه المسألة أكثر أهميةً مع تعافي الاقتصاد. فاستمرار النشاط عند مستويات منخفضة يحدُّ من الطلب على الواردات، بينما يؤدي توسُّع الإنتاج والاستثمار والاستهلاك إلى زيادة الحاجة إليها. وهنا يظهر الفرق بين استقرار سعر الصرف في اقتصاد يعاني ضعف الطلب، واستقراره في اقتصاد يستعيد نشاطه.
لماذا تعرَّضت الليرة لضغوط جديدة خلال 2026؟
أشار صندوق النقد الدولي في آب (أغسطس) 2026 إلى تسارُع التعافي الاقتصادي، مدفوعاً بتحسن الزراعة والطاقة والتجارة والخدمات، وعودة السكان، وارتفاع الإنفاق الحكومي. لكنه أشار أيضاً إلى تجدُّد الضغوط التضخمية بفعل ارتفاع أسعار الواردات والطلب المحلي والأجور وتكاليف الخدمات والسكن.
وتُفسِّر طبيعة التعافي السوري جانباً من الضغوط على سوق الصرف. فاستئنافُ الإنتاج والتجارة والاستثمار يحتاج إلى استيراد الوقود والآلات والمواد الأولية. كما أن ارتفاع الدخول والإنفاق يزيد الطلب على السلع الاستهلاكية، بما فيها المستوردة. وإذا لم تتوسّع الصادرات والتدفقات الخارجية بالوتيرة نفسها، يرتفع الطلب على الدولار مقارنة بمصادر عرضه.
ولا يؤدي النمو الاقتصادي بالضرورة إلى تراجع قيمة العملة. فالنتيجة تتوقَّف على طبيعة الأنشطة التي تقود النمو. فإذا زاد الإنتاج المحلي القادر على إحلال الواردات أو توسيع الصادرات، فإنه يحسِّن التوازن الخارجي. لكن تحقيق ذلك يتطلّب استثماراتٍ ووقتاً، في حين تظهر الحاجة إلى استيراد مستلزمات الإنتاج منذ المراحل الأولى للتعافي.
وقد انعكست الضغوط على السوق الموازية خلال 2026. ففي 14 تشرين الأول (أكتوبر) بلغ سعر الدولار نحو 139 ليرة جديدة، مقارنة بأدنى مستوى سجّله خلال العام، وهو 111.5 ليرة، أي بارتفاع يُقارب 25 بالمئة في سعر الدولار. وفي التاريخ نفسه بلغ سعر البيع الرسمي 122.5 ليرة، بفجوة تُقارب 13.5 بالمئة بين السعرين.
ولا تكفي هذه التطورات لإثبات أن التعافي كان السبب الوحيد وراء الضغط على الليرة، إذ تؤثِّر أيضاً أسعار الواردات والتوقُّعات والتدفقات الخارجية. لكنها تتّفق مع احتمال أن زيادة الطلب على العملات الأجنبية سبقت توسُّع قدرة الاقتصاد على توفيرها.
وتضع هذه العلاقة الحكومة أمام معضلة في إدارة التعافي: فإعادةُ السيولة والائتمان وتوسيع النشاط الاقتصادي قد تزيد الطلب على الدولار في المدى القصير، بينما يحتاج بناء القدرة الإنتاجية والتصديرية التي تدعم الليرة إلى وقت أطول.
هل يُصبِح استقرار سعر الصرف قيداً على السياسة الاقتصادية؟
تحتاج الحكومة السورية إلى الاستقرار النقدي لحماية القوة الشرائية واستعادة الثقة، ولتحسين شروط التعاون مع المؤسسات المالية الدولية وجذب الاستثمار. لكن أهمية هذا الهدف قد تدفعها إلى إعطاء سعر الصرف وزناً يتجاوز قُدرَته على التعبير عن الأداء الاقتصادي.
فالمستثمرُ لا يحتاج بالضرورة إلى ليرة مرتفعة القيمة، وإنما إلى سعر صرف يمكن الاعتماد عليه، وإمكانية الحصول على العملات الأجنبية وتحويل الأرباح وتسوية المدفوعات وفق قواعد واضحة. ولذلك فإن استقرار السعر الرسمي لا يوفِّر وحدَه بيئةً استثماريةً مستقرة إذا بقيت القيود المصرفية تُعرقِل المعاملات أو استمرت الفجوة مع السوق الموازية.
وقد تتردَّد الحكومة في تخفيف القيود على السيولة أو توسيع الائتمان والإنفاق الضروري للتعافي، خشية أن تؤدي زيادة الطلب على الدولار إلى انخفاض قيمة الليرة. وإذا حدث ذلك، فإن الدفاع عن سعر الصرف سيُؤخر إصلاحات يحتاج إليها الاقتصاد لزيادة الإنتاج والتشغيل والاستثمار، وهي نفسها الإصلاحات التي يمكن أن تدعم استقرار العملة على المدى الأطول.
ولا يعني ذلك ضرورة تحرير السيولة والائتمان دفعة واحدة. ففي اقتصاد يعاني ضعف الإنتاج والاحتياطيات والثقة، قد يؤدي الإفراج غير المنظَّم عن الودائع وتوسيع الائتمان إلى ضغوط حادةٍ على الأسعار وسوق الصرف. ولذلك ينبغي أن يكون الإصلاح المصرفي تدريجياً، ومنسقاً مع السياسة المالية والنقدية، وأن يترافق مع تحسين نظام المدفوعات وتوسيع مصادر التمويل الخارجي.
وتحتاج الحكومة، في الوقت نفسه، إلى منح الأولوية للاستثمارات التي تزيد القدرة الإنتاجية والتصديرية أو تخفِّض الاعتماد على الواردات، مع تحسين كفاءة الإنفاق العام، وتحويل التعهدات الاستثمارية إلى مشروعات فعلية. فهذه الإجراءات تُعالج العوامل التي تُحدِّد الطلب على العملات الأجنبية ومصادر عرضها، وتساعد على تقليل الحاجة إلى تقييد النشاط الاقتصادي من أجل المحافظة على سعر الصرف.
الخلاصة
ساعد الانضباط المالي والنقدي، بالتزامن مع تحسُّن التوقعات وأزمة السيولة المصرفية، على دعم الليرة خلال عام 2025. لكن البيانات المتاحة لا تُثبِت حدوث تحسُّنٍ مستدامٍ في قدرة الاقتصاد على توليد العملات الأجنبية يكفي لتفسير هذا التحسن. ومع توسُّع النشاط الاقتصادي خلال 2026، ارتفع الطلب على الواردات والعملات الأجنبية، وظهرت ضغوط جديدة على سعر الصرف.
وتواجه الحكومة الآن تحدياً يتعلق بكيفية الانتقال من استقرار نقدي تحقَّق في ظروف الطلب المُقيّد إلى استقرار يمكن المحافظة عليه مع توسُّع الإنتاج والاستثمار. ويتطلَّب ذلك إصلاح النظام المصرفي وزيادة مصادر العملات الأجنبية، مع استمرار الانضباط المالي والنقدي.
ومن المفهوم أن تهتم الحكومة بسعر صرف الليرة لما له من أثرٍ على الأسعار والثقة والاستثمار. لكن إذا أصبحت المحافظة على مستواه سبباً لتأجيل الإصلاحات الضرورية، فإن هذه السياسة ستُقيِّد التعافي الذي يُفترض أن يدعم استقرار العملة.
المعيار الأهم لنجاح السياسة الاقتصادية السورية هو قدرتها على المحافظة على الاستقرار النقدي مع استعادة الاقتصاد نشاطه الإنتاجي والاستثماري، وليس مجرد تثبيت سعر الدولار عند مستوى معين.
-