شن الملك عبدالله الثاني هجوما فريدا من نوعه على السياسة التي تتبعها الحكومة الإسرائيلية الحالية في خطاب استثنائي ألقاه أمام الجمعية العمومية للأمم المتحدة. يمكن وصف الخطاب بأنّه تسمية للأشياء بأسمائها، فضلا عن أنّه تعبير عن مخاوف اردنية حقيقية من تهجير ممنهج لفلسطينيي الضفة الغربية في اتجاه المملكة الأردنية الهاشمية المرتبطة باتفاق سلام مع إسرائيل منذ العام 1994، وهو اتفاق حدّد الحدود الأردنية بدقة.
يعتبر الأردن مثل هذا التهجير خطرا ذا طابع وجودي على المملكة التي تواجه تحديات كبيرة، بما في ذلك الاعتداءات الإيرانية…
ما تفعله إسرائيل اعتداء واضح ومباشر على الأردن وحدوده المعترف بها وليس فقط مجرد محاولة للقضاء على حقوق الشعب الفلسطيني، المعترف بها دوليا، من المجتمع الدولي ومن الأمم المتحدة نفسها.
كان العاهل الأردني واضحا كلّ الوضوح عندما قال: “ما يحدث حاليا في أنحاء الضفة الغربية ليس سلسلة من الأحداث المنفصلة، بل مجموعة من الممارسات المترابطة التي تشكل جزءا من سياسة واحدة تهدف إلى إجبار شعب بأكمله على مغادرة أرضه. هناك مصطلح واضح لوصف هذه السياسة: التهجير القسري، وهو جريمة حرب. إذا أردنا حل الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، يجب على العالم أن يتخلى عن بعض الأوهام، في مقدمها الاعتقاد بأن غزة والضفة الغربية قصتان منفصلتان. إنهما في الواقع وجهان لنفس الإستراتيجية الإسرائيلية: على كلتي الجبهتين يتم قتل الفلسطينيين، وعلى كلتي الجبهتين، يجري العمل على فرض واقع جديد على الأرض، عبر التدمير في غزة، وعبر الضم الفعلي للأراضي في الضفة الغربية. الهدف واحد: جعل قيام الدولة الفلسطينية القابلة للحياةأمرا مستحيلا”.
لم يكن خطاب عبدالله الثاني سوى تأكيد لواقع يتمثل في أن الأردن مستعد للدفاع عن نفسه ولا يمكن إلا إن يفعل ذلك، خصوصا في غياب أي مشروع سياسي إسرائيلي يخدم ترسيخ الاستقرار في المنطقة التي تشهد تغييرات كبيرة. إنّه بمثابة تحذير للحكومة الإسرائيلية لم يسبق أن صدر مثله عن المملكة إذ يرى عبدالله الثاني أنّه “بالنسبة للأردن، الأمر واضح كالشمس: أي تهديد لحدودنا الشمالية أو أمننا المائي هو تهديد لأمننا القومي. لن يشيح الأردن بنظره، بل سنحمي أمننا، ومياهنا، ومصالح شعبنا.السؤال هنا هو إذا استمرت إسرائيل بنهجها العدواني في جنوب سوريا، هل سيدعها المجتمع الدولي تتمادى في ذلك دون أن يحرك ساكنا”؟
أضاف عبدالله الثاني: “نحن نعلم ما يعنيه أن نعيش في منطقة تبدأ فيها أزمة قبل أن تنتهي سابقتها. نعلم أنه لا يمكننا الاختيار بين الاستجابة لأزمة طارئة أمامنا وبناء المستقبل. لذلك، نحن نمضي في المسارين معا.
نحن نحمي المسيحية – مجتمعاتها وإرثها – في موطنها الأصلي والتاريخي، بينما ندافع عن الصورة الحقيقية للإسلام في وجه أصوات الكراهية.
وخلال ذلك كله، لن نتخلى عن التزامنا بالسلام العادل. سنستمر في دعم الصمود الفلسطيني. وسنستمر في دعم الأونروا”.
كلام كبير يصدر عن الأردن الذي اعتاد في الماضي اتخاذ مواقف متحفظة لدى التعاطي مع إسرائيل، وذلك على الرغم من كلّ العدوانية التي تميّز تصرفات بنيامين نتانياهو الذي لم يسمه عبدالله الثاني بالاسم، بما يشير إلى طبيعة العلاقة بين الرجلين، وهي علاقة أقلّ ما يمكن أن توصف به أنّها باردة إلى أبعد حدود، بل غير موجودة. لكن ما العمل عندما تذهب الحكومة الإسرائيلية في جنونها إلى ابعد حدود مستفيدة من هجوم “طوفان الأقصى” الذي نفذته “حماس” في السابع من تشرين الأول – أكتوبر 2023؟
الأكيد أنّ ما تعرّضت له إسرائيل انطلاقا من غزّة غيّر سلوكها الذي كان قائما على السكوت عن المساعدات التي كانت تصل إلى “حماس” في غزّة. كانت إسرائيل راضية عن كلّ دعم يصل إلى “حماس”، كون هذا الدعم، الذي استخدم في بناء الأنفاق، يكرّس الانقسام الفلسطيني.
تغيّرت إسرائيل. هذا صحيح، لكن هذا التغيير لا يبرر غياب مشروع سياسي يعترف بوجود الشعب الفلسطيني. هناك ما بين سبعة وثمانية ملايين فلسطيني من البحر إلى النهر، في داخل إسرائيل نفسها وفي الضفة وفي غزة. هل تستطيع إسرائيل تذويب هؤلاء؟ الجواب أنّ ذلك مستحيل. ما هو مستحيل أكثر البحث عن حلول على حساب الأردن الذي استطاع طي صفحة الوطن البديل التي كان يفكّر فيها اليمين الإسرائيلي منذ فترة طويلة.
يعبّر خطاب العاهل الأردني في الأمم المتحدة عن شعور لديه بأن الكيل طفح. لم يخطئ عبدالله الثاني يوما في تقييمه للوضع الإقليمي. امتلك في كلّ وقت ميزانا دقيقا جعله يتحدث في مثل هذه الأيام من العام 2004 عن “الهلال الشيعي” وخطورته، وهو “هلال فارسي” بالفعل كان يمتد، في الماضي القريب من طهران إلى بيروت مرورا ببغداد ودمشق…
هل في إسرائيل من يفهم معنى الرسالة التي وجّهها عبدالله الثاني الذي ركّز في خطابه على أنه “لا يمكن للقوة العسكرية أن تقدم حلولا فاعلة. لا تطعم (القوة العسكريّة) الجياع، ولا تضمن عودة المهجرين، ولا تبني السلام. كما لا يمكنها إصلاح كوكبنا، أو إدارة موجات الهجرة، أو قيادة التطور التكنولوجي. كل ذلك يتطلب مؤسسات لديها الشرعية، ويتطلب وجود الثقة… الثقة بين الدول، والثقة في الاتفاقات، والثقة بأن القوانين ستطبق فعليا”.
قال عبدالله الثاني كلمته التي فحواها أنّ الأردن مستعد للدفاع عن نفسه في وجه ما تعمل من أجله إسرائيل، خصوصا في الضفّة الغربيّة. هل في إسرائيل من يفهم الرسالة ويستوعبها؟ هل لا يزال في الدولة العبرية عشية انتخابات 27 تشرين الأول – أكتوبر المقبل من يدرك أن لغة العقل والسياسة لا بدّ أن تحلّ مكان لغة القوة التي تعني البقاء في أسر حلقة مقفلة حيث العنف المستدام… الذي لا فائدة منه غير الرهان على غياب الاستقرار الذي ستكون إسرائيل ضحية من ضحاياه في المدى الطويل!