منى ظاهر… ضفة ثالثة
تعيد الروائية الإيطالية ماريلو أوليفا كتابة الأوديسّة، لكن على لسان النساء هذه المرة، في عملها السردي اللافت الموسوم بعنوان “الأوديسّة كما ترويها النساء” الصادر حديثًا عن دار صفصافة المصريّة هذا العام 2026، بترجمة من مروة عبد المنعم طنطاوي.
تضطلع النساء بالحكي في هذه الرواية البديعة، من منطلق إعطاء الصوت المنسي لهن، بالنظر إلى أنهن ظللْن مهمشات في أطاليس السرد الكلاسيكي، وبهذا ترد الكاتبة الاعتبار إلى موقع المرأة كساردة، ضمن أشهر ما وصلَنا من ملاحم الإغريق، “الأوديسّة” الخالدة.
وقياسًا إلى هذه الخطة الحكائية الجديدة، المعنية بتدوير أوديسّة هوميروس، لصالح نساء ملحميات، اختارت الكاتبة ماريلو أوليفا، أو اصطفت أسماءها بعناية ضمن ما يشبه أنطولوجيا، مؤسسة على أصوات متعدّدة، تحكي من منظور نسائي خالص عن الحرب والحب، عن الانتظار والقوة والخداع، عن بطولة أوديسيوس، وبقدر ما المسألة محض سرد نسائي عن عوالم هذه اللحظة التاريخية ومفارقاتها، عن حقائقها وأكاذيبها، عن صراعها وضحاياها، عن أبطالها وجبنائها، عن صخبها وهوامشها المنسية، عن السلطة والرغبة والقوة والخلاص، هي كذلك سرد نسائي داخلي، يذكّرنا بتقنيات الرواية المؤسسة على تيار الوعي، باعتمادها مونولوجات هاته الشخصيات المستغرقة في سريرتهن، في غياهب ذواتهن، في ظلمات جوانحهن، في صمت جوانيّتهن، وهذا ما يضفي حساسية صدق مرهفة، إذ الدفء الإنساني الحميم، بملء البوح، والاعتراف يتمازجان مع دفق الحكي، وبذلك ينتزعْن بقعة الضوء اللائقة بهن، على ركح مسرح الملحمة، ليس من باب سرد الأوديسّة المنسية، الأوديسّة الأخرى التي احتكرها الرجال من دهاة الحكّائين والشعراء وحسب، بل من باب سرد الأوديسّة بنون النسوة، اللاتي أريد لهن أن يصمتن، ويتراجعن إلى الظل، ويلتزمن هامش الفرجة، وبهذا التدوير الجديد، يمكن للأوديسّة أن نراها في مراياهن، وهن يكشفن لنا وجهها الثاني.
تبدأ الرواية بشخصية “كاليبسو” وهي تحكي عن أوديسيوس المراوغ الذي غدا غريقًا بعد أن عصفت به سورة الغضب، واحتجزته في جزيرتها أوغيغيا سبع سنوات، واقعة في حبه، لذا تعرض عليه طريقة الخلاص من الموت، في حين يلتزم هو بحبه لبينيلوبي، وحنينه الجارف إلى وطنه. هي، إذًا، متأرجحة بين الحب والحرية، تمتلك قدرة أسْر ملك جسديًّا، ولا تستطيع أسْره روحيًّا.
وتتدخل شخصية “أثينا” في ثلاثة فواصل، ذات حضور موجِّه لمسار الحكي، بوصفها الحامية الإلهية لأوديسيوس، بينما تحفز تيليماخوس كي يستعيد مكانة أسرته عبر خطوات وتدابير، وهي عكس النساء الأخريات، لها القدرة على النظر للأمور من موقع كلي، شمولي، أوسع. لا بطولة لأوديسيوس لولا عقل أنثوي تتفرد به “أثينا” وهي توجّهه في كواليس الرحلة.
و”نوسيكا” الحالمة بالحب، وهي تهدر ساعات في تأمل الغروب، المنجذبة إلى أوديسيوس بعد تحطم سفينته، تتعاطف معه وتعتني به وهو في قمة إنهاكه وضعفه، ويُحسب لـ”نوسيكا” موقفها الأخلاقي، من الغرباء، بتقديم الضيافة، لكن قوانين بلادها تمنعها من الانجراف وراء حبها له، فتلتزم بهذه الحدود.
و”سرسي” ذات الشخصية المركبة كساحرة تحوّل رفاق أوديسيوس إلى خنازير، وهي مستقلة جنسيًّا، مرتابة في التعامل مع الرجال، ولكنها تفشل في إخضاع أوديسيوس، وينال منها احترامًا بشكل استثنائي، فتتحالف معه، وفق عقد احترام وتفاوض، ثم تساعده في الرحلة إلى العالم السفلي، وهكذا يمكن عدّها في الرواية مرجعًا للخلاص، أو المصدر المعرفي لنجاة البطل.
و”السيرينات” اللاتي تنوب عنهن بارثينوبي في الكشف عن سحر أصواتهن، ومهارة فتكهنّ بالبحارة، وهن في الواقع مخلوقات لم ينعمن بالرعاية واللطف والصداقة من الآخرين، وهذا ما يفسر سلوكهن المنطوي على شر. إن سلاح أصواتهن المغوي ليس مجرد فخ، بل هو من أجل إسماع مآسيهن عبر الغناء. بالغناء يثبتن وجودهن أمام ما تعرضن له من إقصاء اجتماعي.
و”إوريكليا” الجارية التي ربت أوديسيوس، ثم تليماخوس، العارفة بكل حجر في القصر الملكي وكل شبر في تراب إيثاكا، هي رمز الإخلاص الأمومي، والسر الكامن وراء نجاح تكوين شخصية البطل، ومع أنها قدمت كل شيء، من شحذ عاطفي، وكرم تربوي، إلا أنها تظل مستعبدة في مجتمع لا يؤمن بالمساواة، هي من جهة لا يمكن الاستغناء عنها في معادلة العاطفة العائلية، ومن جهة ثانية هي في أسفل الترتيب العائلي، كخاضعة ومستعبدة، وهذا من صور التناقض الفادح.
وأخيرًا، “بينيلوبي” التي أرادوا أن يتخلّصوا من ابنها، ولعبت بدهائها لسنوات كي تماطل لتحفظ عرش الرجل الذي تحبه. إنها الذكاء الحاد، ومنجم العاطفة ونبوغ التدبير السياسي لأمور شائكة، ذات خطورة ماحقة أسريًّا واجتماعيًّا.
حيلة “بينيلوبي” في النسيج هي أداة خديعتها ضد من يسعون للنيل منها ومن الحكم، وقد سخّرت الانتظار لصالح لعبتها، بل جعلت من الانتظار وسيلة للتلاعب بالوقت، حفاظًا على مكانتها ومكانة زوجها الغائب.
في حمايتها لأسرتها، وصدها لقوى مجتمعها من المناوئين والطامعين، تكون هي رمز الحنكة الدبلوماسية، أوّلًا، ورمز الوفاء، ثانيًا.
نجحت الكاتبة ماريلو أوليفا في تشييد نص سردي قائم على تعدّد صوتي، بوليفوني، باعتمادها أكثر من راوٍ، وكلّهن نساء يحكين بضمير المتكلم، مما عزّز النظر المختلف، المتشعب، المغاير، لكل واحدة، عن أوديسيوس. الأطروحة السردية في الرواية تعتمد أكثر من زاوية للرؤية نحو موضوع واحد. ما أبعدهن عن التجانس في رؤاهن، وما أقربهن إلى التباين والاختلاف عبر تجارب متعددة.
وحدها شخصية “أثينا” تتفرّد بدور مغاير في تدبير هذه الرؤى السردية، إذ تؤدي دور الرابط بين وجهات نظرهن، والأكثر من ذلك، تحاول سد الفجوات والثغرات في حكاياتهن المنسابة، ورتق الفراغ في ما يبحْن به من أسرار وحقائق.
رواية “الأوديسّة كما ترويها النساء” مكثفة، تُراهن على بلاغة الإشارات والإيحاء، في محاولة جادة منها لخلق تناغم بين عالم مضى، وعالم معاصر، وفي تدويرها للأوديسّة هي تعيد كتابة اللحظة الراهنة من منظور نفسي نسائي، ولا تكمن أهمية العمل في هذا القلب للأدوار، إذ ما احتكره الرجل سابقًا في السرد تضطلع به المرأة الآن في هذا العمل، بل الأهمية كلها في مساءلة الكيفية التي تبنى بها السلطة في السرد والأدب.
“الأوديسّة”، إذًا، ليست مجرد ملحمة تتمحور حول المغامرة الذكورية، إنها كذلك ملحمة نساء تقاطعت حيواتُهن مع رحلة أوديسيوس، وأسهمْنَ في هذا المنجز البطولي.