تخطي إلى المحتوى

موقع السفينة

السفينة

القائمة الرئيسية
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • الافتتاحية
  • مقالات رأي
  • أدب وفن
  • الأرشيف
  • من نحن
  • الرئيسية
  • المحرر Editor
  • “الأيخمانية الجديدة”… العنف بوصفه مهمة تقنية
  • مقالات رأي

“الأيخمانية الجديدة”… العنف بوصفه مهمة تقنية

المحرر Editor 23 ديسمبر، 2025 تمت قراءة 1 دقيقة

 

img
بادية فحص

في كتابها “أيخمان في القدس: تقرير حول تفاهة الشر”، ترى هانا آرنت أن الشر في العالم الحديث لا ينشأ من غريزة شيطانية داخل النفس الإنسانية، بل نتيجة عدم حرص الإنسان على اتخاذ موقف أخلاقي حيال جريمة ما. وتكشف آرنت أن تفاهة تفكير المرتكبين تدفعهم، في كثير من الأحيان، إلى التعامل مع الشر بوصفه مهمة بيروقراطية قانونية.

بناء على هذه الرؤية، يصوّر صانعو الحروب التي يشهدها العالم حاليا- لا سيما في غزة- الشر على أنه إجراء قانوني أو حتى سلوك أخلاقي، وأن ما يرتكبونه من أعمال عنف وقتل ليس مهمات عسكرية بقدر ما هي دفاع عن النفس. بمعنى آخر، هم يبتكرون “أيخمانية” جديدة تافهة (نسبة إلى أدولف أيخمان أحد المنظمين النازيين للمحرقة اليهودية) تُعيد إنتاج الشر وتعريفه وتبريره، وتحرره من غريزيته وضحالته، وصولا إلى محاولة جعله سلوكا حضاريا ضروريا.

وإذا اعتبرنا الحروب المعاصرة مختبرا أخلاقيا للإنسانية الحديثة، نجد أن التجارب التي تم اختبارها فيه، أثبتت بالدليل المادي القاطع، كيف يمكن للسياسة والتكنولوجيا والثروة والمدنية بكل ما تحويه من تشريعات ودساتير حقوقية متقدمة وحتى قيم أخلاقية، أن تنقلب إلى شر.

هذا الشر يمكن أن نراه اليوم في مشاهد الجنود الذين ينشرون الرعب أينما حلّوا، في غزة والسودان على سبيل المثال، والقناصين الذين يستهدفون أجساد النساء والأطفال بأعصاب باردة، والمتحدثين الرسميين الذين يصفون القتل بالدفاع المشروع عن النفس وعن الحضارة، مع مسحة فوقية استعلائية، تجرّد الضحايا من شخصيتهم الإنسانية، والأخيرة هي من أبرز مظاهر “تفاهة الشر”، إذ إنها تُسمّي الضحايا خسائر جانبية، والتجويع إجراءات أمنية، والحصار قيودا ضرورية، فتمنح العنف بذلك طابعا تبريريا تلطيفيا.

إلى جانب هذا العنف المادي العاري، يظهر ما يمكن أن نسميه العنف الرمزي، وهو هيمنة منطق بيروقراطي يعتبر المدني تهديدا أمنيا دائما، بينما الجندي مدافعا عن الحضارة أو حاميا لها.

 

العالم الذي يركن إلى التفاهة في التعامل مع الشر، هو في الواقع عالم يعيد إنتاج أنواع ومستويات جديدة منه، ولا يجد حرجا في تكراره والتطبيع معه

 

 

رغم ذلك، لا تقتصر “تفاهة الشر” على ما ترتكبه الجيوش من عنف، إذ يظهر أيضا في لا مبالاة الرأي العام، فعندما تتحول معاناة الملايين من المدنيين الأبرياء إلى مشهد متكرر على الشاشات، يصبح الشر روتينا يوميا، فيلتبس معناه وتفقد الضحية بالتالي قدرتها على تحريك المشاعر الإنسانية وحقها في التعاطف.
مع العلم أن هذه اللامبالاة قد تكون في بعض الأحيان آلية دفاع ذاتية، أو إحدى وسائل الحماية النفسية، لعدم قدرة المتلقي على فعل شيء، أو العجز عن فهم ما يحدث وتفسيره، والحكم عليه من منطق إنساني مجرد من أي تأثير سياسي أو دعائي أو موقف ثقافي أو آيديولوجي مسبق.
أما من يملك القدرة على التفكير خارج الصندوق، والبحث عن رواية مخالفة للسائد، فيدخل ضمن “مقاومة البديهيات الزائفة” كما تقول آرنت.
هذا إضافة إلى أن الكائن المعاصر وللأسف، يعاني من لوثة تطبيق القانون، بحيث يعتقد أنه يكفي في الحروب أن لا يُنتهك “القانون” لتكون حروبا “آمنة”، دون أن يقدّم لنا أية فكرة ناضجة أو واعية عن طبيعة هذا القانون وحساسيته تجاه الشر، ومدى مراعاته حقوق الإنسان وقيمته، وهذا بدوره يسمح بأن يتحوّل القانون نفسه إلى أداة للشر، ويولّد لدى الكائن المتمسك بتطبيقه، نوعا من “الأيخمانية” التافهة التي تفصله عن ضميره، وتُقنعه بأن العنف يمكن أن يكون مهمة تقنية.
علاوة على ذلك، يبدو أن الشر بات جزءا من الاقتصاد السياسي، في العالم الحديث، حيث تتشابك مصانع الأسلحة وشركات التكنولوجيا والمنصات الإعلامية في سلسلة من العمليات التجارية الربحية. وبهذا الترتيب، لا تعود الحروب كوارث إنسانية، بل تصبح فرصا استثمارية، تزدهر فيها الأسواق، ويراكم تجارها أرباحا خيالية، ما يجعل الشر نقاشا يحتمل الخطأ والصواب، ويخرج القانون عن كونه أداة للتمييز بين المعتدي والمعتدى عليه أو لتحقيق العدالة، إلى إطار رسمي يشرعن العنف.
ربما يمكن القول إن “الأيخمانية” الجديدة أصبحت بمثابة مرآة للعالم الحديث، ذلك أن العالم الذي يركن إلى التفاهة في التعامل مع الشر، هو في الواقع عالم يعيد إنتاج أنواع ومستويات جديدة منه، ولا يجد حرجا في تكراره والتطبيع معه، هو عالم اكتفى بالوقوف على قمة جبل الحضارة، متقبّلا انحدار مدنيته ومنظومته الأخلاقية وشخصيته الإنسانية نحو القعر، بينما تتابع “الأيخمانية” الجديدة تحويل الشر إلى مسألة إدارية أو إجراء قانوني، وتحويل العنف إلى مهمة تقنية…

font change

06:12

مقالات ذات صلة

عن المؤلف

المحرر Editor

Administrator

زيارة الموقع عرض كل المقالات

تصفّح المقالات

السابق: ثلاث كونفدراليات سياسية مغلقة… تؤسس المشهد العراقي
التالي: أزمة المياه في طهران ناقوس الخطر يدق!

قصص ذات صلة

osam-alisry2
  • مقالات رأي

العراق أزمات وتدخلات خارجية متشابكة..والزيدي بين الضغوط الداخلية وتفاقم الأعباء المعيشية

المحرر Editor 6 نوفمبر، 2026
نظام-مير-محمدي،-كاتب-حقوقي-وخبير-في-الشأن-الإيراني
  • مقالات رأي

صراع الصلاحيات في طهران.. حين تتحول المفاوضات إلى معركة على مركز السلطة

المحرر Editor 6 نوفمبر، 2026
  • مقالات رأي

ترمب بعد الهزيمة الكارثية

المحرر Editor 6 نوفمبر، 2026
https://www.youtube.com/watch?v=WC7ddVEJ4Y4

أحدث المقالات

  • العراق أزمات وتدخلات خارجية متشابكة..والزيدي بين الضغوط الداخلية وتفاقم الأعباء المعيشية
  • صراع الصلاحيات في طهران.. حين تتحول المفاوضات إلى معركة على مركز السلطة
  • هل يتحكم الذكاء الاصطناعي في المستقبل؟ روايات عربية جديدة تناقش الظاهرة
  • ترمب بعد الهزيمة الكارثية
  • رحلة زيتون سوريا من الشجرة إلى المعصرة موسم وفير في عموم البلاد، والتكاليف مرتفعة

لربما فاتك

osam-alisry2
  • مقالات رأي

العراق أزمات وتدخلات خارجية متشابكة..والزيدي بين الضغوط الداخلية وتفاقم الأعباء المعيشية

المحرر Editor 6 نوفمبر، 2026
نظام-مير-محمدي،-كاتب-حقوقي-وخبير-في-الشأن-الإيراني
  • مقالات رأي

صراع الصلاحيات في طهران.. حين تتحول المفاوضات إلى معركة على مركز السلطة

المحرر Editor 6 نوفمبر، 2026
  • أدب وفن

هل يتحكم الذكاء الاصطناعي في المستقبل؟ روايات عربية جديدة تناقش الظاهرة

المحرر Editor 6 نوفمبر، 2026
  • مقالات رأي

ترمب بعد الهزيمة الكارثية

المحرر Editor 6 نوفمبر، 2026

AF themes

We mainly focus on quality code and elegant design with incredible support. Our WordPress themes and plugins empower you to create an elegant, professional and easy to maintain website in no time at all.

All Themes Plan
حقوق النشر والنسخ؛ جميع الحقوق محفوظة. | MoreNews بواسطة AF themes.