عزمي بشارة…المصدر المدن
قدم الدكتور عزمي بشارة للموسوعة العربية- أرابيكا إسهاما فكريا جديدا من خلال مدخل موسوعي عنوانه “الأيديولوجيا” يشمل تطويرا لمفهوم الأيديولوجيا ومناقشة النظريات حول الموضوع:
الأيديولوجيا منظومة فكرية تتضمن مبادئ وقيمًا وموجّهات للفعل، كذلك تشتمل على مكوّن معرفي أساسي، قد يكون مستندًا إلى نظريات علمية ويتضمن تصورات للواقع وسرديات تاريخية، وتجمع المركبين المعرفي والأخلاقي علاقةٌ تبريرية، فأحدهما يستند إلى الآخر، أو يبرره. وتتبناها فئة اجتماعية أو أكثر ذات وزن. وللأيديولوجيا علاقة بالسياسة في نقد النظام الاجتماعي-السياسي القائم أو تبريره أو رفضه والدعوة إلى نظام بديل، وتتوسط هذه العلاقة القوى أو الأحزاب التي تحملها.
والمصطلح مختلف عليه، وقد تغير معناه خلال تاريخه القصير نسبيًا، ولا يدور الخلاف على وصف ظاهرة قائمة، بل على تحديد المفهوم باعتباره أداةً تحليلية لفهم هذه الظاهرة التي تشكّل أحد أهم أشكال الإدراك الجمعي لواقع المجتمعات والدول تبريرًا ونقدًا، ما هو عليه وما يجب أن يكون عليه. ومن هذه الزاوية، يندرج المصطلح في عداد “المفاهيم المتنازع عليها جوهريًا” (Essentially Contested Concepts).
وفي ما يتجاوز المعاني المختلفة للفظ، ثمة حاجة إلى مفهوم لتحديد ظاهرة الأيديولوجيا التي نشأت بعد الثورة الصناعية والعلمية وما تلاها من تضعضع دور المرجعيات التقليدية (مثل المؤسسة الدينية والجماعة الريفية)، وتراجع مكانتها في توجيه الأفراد ومنحهم المعنى، ونشوء الحركات الجماهيرية، وطرح أفكار ورؤى متنافسة بشأن النظام الاجتماعي والسياسي.
وعند استعراض تاريخ المصطلح وصولًا إلى المفهوم المعرّف أعلاه، نجد أنه استُخدم غالبًا في سياق علم اجتماع الأفكار، أي الربط بين الفكر والبيئة الاجتماعية والظروف التي ينشأ فيها، وكذلك العلاقة بين تفكير الفرد والفئة الاجتماعية التي ينتمي إليها. ويمكن القول إنه يعود إلى سياقات حديثة جرى فيها تجاوز قصر البحث في التفكير على علم المنطق (والإبستيمولوجيا في الفلسفة) وعلم النفس، إلى دراسته من خلال ربطه بالصيرورات الاجتماعية.
صاغ اللفظ أنطوان دستوت دو تراسي سنة 1797 تسميةً لـعلم جديد هو علم الأفكار (Science des idées) الذي يفترض أن يبحث في التكوّن الطبيعي للأفكار ومصادر المغالطات والتشوهات الفكرية، وذلك استكمالًا لجهود التنوير في مكافحة الخرافة والأحكام المسبقة. وقد قلب نابليون دلالته، إذ وصم الفلاسفة المنهمكين بعلم الأفكار بـ “الأيديولوجيين” المتعالمين الذين يقرّرون المبادئ السياسية والاجتماعية بالتجريد العقلي بمعزل عن التجربة. وبعد ذلك، لم يدم الاستخدام الأصلي للفظ للدلالة على علم الأفكار طويلًا.
ويُعدّ كارل ماركس المؤسس الفعلي لمبحث الأيديولوجيا الذي انطلقت منه المقاربات اللاحقة تبنيًا ونقدًا وإعادةَ صياغة، فقد نسب، ومعه فريدريش إنغلز، ظهور البشر وعلاقاتهم منقلبين رأسًا على عقب في الوعي الأيديولوجي الذي يشوه إدراك البشر للواقع إلى العلاقات الاجتماعية القائمة. وربط مؤلفا الأيديولوجيا الألمانية أنماط الوعي بصيرورة الحياة المادية: “الوعي لا يحدد الحياة، بل الحياة هي التي تحدد الوعي”، وطرحا فكرة أساسية مفادها أن “أفكار الطبقة السائدة في كل عصر هي الأفكار السائدة”، لأن من يملك وسائل الإنتاج المادي يملك وسائل الإنتاج الفكري. وفي مقدمة مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي أدرج ماركس الأشكال القانونية والسياسية والدينية والفنية والفلسفية، التي يعي الناس من خلالها صراعات مرحلتهم، ضمن “الأيديولوجية” بوصفها بنية فوقية تقوم على قاعدة علاقات الإنتاج. كرّس هذا التقليد نقد الأيديولوجيا باعتبارها بنية معرفية تعمّم مصالح خاصة وكأنها كونية، وتطبّع الاستغلال أو تبرّره، فتخدم إعادة إنتاج الهيمنة الطبقية.
وتفرعت في القرن العشرين تصورات ماركسية متنافسة، فقد جرّد لينين المفهوم من شحنته السلبية حين تبنى موقفًا مفاده أن الطبقة العاملة أيضًا لديها أيديولوجيا، لا البرجوازية وحدها. وبالنسبة له “لا يمكن أبدًا أن توجد أيديولوجيا لا-طبقية أو فوق-طبقية”، فإما أيديولوجيا برجوازية وإما اشتراكية. وشدد أنطونيو غرامشي على إمكانية تحقيق “الهيمنة” الأيديولوجية الطبقية من خلال مؤسسات المجتمع المدني، بإنتاج قبول الناس للأفكار الذي يغني عن الحاجة إلى استخدام العنف، وميّز بين الأيديولوجيات “العضوية” الضرورية لبنية ما، بوصفها الأرضية التي يكتسب عليها البشر الوعي بموقعهم الطبقي ويخوضون صراعهم، والآراء الاعتباطية التي لا تستحق في الحقيقة تسمية أيديولوجيا. وعرّف الأيديولوجيا إجرائيًا باعتبارها طورًا وسيطًا بين النظرية العامة والممارسة السياسية المباشرة.
وشدد لوي ألتوسير على الفرق بين العلم والأيديولوجيا إلى درجة القطيعة الإبستيمولوجية، بما في ذلك ضمن كتابات ماركس نفسه، عادًا الأيديولوجيا بنية أبدية “لا تاريخ لها”، تمثّل “العلاقة المتخيَّلة للأفراد بشروط وجودهم الواقعية”، ولها وجود مادي في “أجهزة الدولة الأيديولوجية” (Ideological State Apparatuses)، وتسهم في تكوين الأفراد ذواتًا وفاعلين سياسيين، والحديث في هذه الحالة هو عن الأيديولوجيا عمومًا لا عن أيديولوجيا بعينها.
ودرس كارل مانهايم الموضوع في سياق تقديمه لدعوته إلى تأسيس سوسيولوجيا المعرفة، مميزًا بين “المفهوم الجزئي” للأيديولوجيا الذي يدفع إلى التشكيك في مضامين محددة من فكر الخصم، و”المفهوم الكلي” لها، والذي يطاول البنية الذهنية لعصر أو طبقة بأكملها. والمشترك بينهما هو أنهما نتاج الواقع الاجتماعي، فلا يُفهمان إلا من خلال العلاقة مع الظروف الاجتماعية. كذلك ميّز بين الأيديولوجيا التي يمكن أن تحقق أهدافها ضمن النظام القائم وتكون إما تبريرية وإما قابلة للتحقيق في إطاره من جهة، واليوتوبيا الناقدة له والمتطلعة إلى نظام مغاير جذريًا من جهة أخرى. وقد يمر التيار الفكري نفسه بالمرحلتين، بحيث يكون يوتوبيًا ثم يصبح أيديولوجيًا بعد تسلّم الحكم مثلًا.
وإذ تُخضع “الصياغة العامة” للأيديولوجيا موقعَ ناقد الأيديولوجيا ذاته للتحليل، يتحول النقد إلى سوسيولوجيا المعرفة التي تتغلب على النسبوية القائمة في نقد الأيديولوجيا من موقع أيديولوجي بـ “العلائقية” أو “الارتباطية” (Relationism)، ويُناط التسامي على الأيديولوجيات وتحيزاتها- وهو مطلوب لممارسة هذه السوسيولوجيا- بـ “الإنتلجنسيا الحرة الطليقة اجتماعيًا”.
من خارج هذا التقليد، قدّم كليفورد غيرتس مقاربة ثقافية ترى الأيديولوجيا “نسقًا ثقافيًا”، إنها منظومات من الرموز المتفاعلة التي تسبغ المعنى على وقائع وأوضاع اجتماعية تبدو غير مترابطة ومستعصية على الفهم، وتنشط عندما تفقد النماذج التوجيهية التقليدية صلاحيتها أو عند “فقدان الوجهة” بلغته. والفارق بينها وبين العلم عند غيرتس هو فارق أسلوب والتزام، لا فارق صدق وزيف، والفارق الأهم بينهما في نظره يكمن في أن الأيديولوجيا تضفي المعنى على الوقائع والظواهر من منظور من يتبناها.
وجمع جون طومسون بين إسباغ المعنى والسلطة، فإسباغ المعنى هذا لا يحصل عبثًا أو في فراغ، بل في خدمة السلطة. وعرّف دراسة الأيديولوجيا بأنها دراسة الوسائل التي تخدِم بها أشكال المعنى إقامة علاقات السيطرة وإدامتها من خلال آليات الشرعنة والتمويه والتوحيد والتفتيت والتشيؤ (Reification)، جاعلًا “أعلمة” الثقافة الحديثة (Mediazation of culture) بوسائل الاتصال الجماهيري إطارًا مرجعيًا لتحليل الثقافة في الحداثة.
وكأنّ الخلاف على التعريف لا يكفي، فقد أُعلنت “نهاية الأيديولوجيا” غير مرة. ففي أجواء الحرب الباردة، رأى ريمون آرون وإدوارد شيلز ودانييل بيل وسيمور مارتن ليبست أن هزيمة النازية والفاشية وافتضاح أمر جرائم الشيوعية من جهة، وإجماع دولة الرفاه والتعددية في الديمقراطيات الغربية من جهة أخرى، جسّدتا أفول الأيديولوجيات الشمولية بوصفها “أديانًا علمانية”. غير أن الأطروحة قامت على تعريف ضيّق للأيديولوجيا عُمّم على الاعتقاد السياسي كله، وأقرّ أصحاب الفكرة لاحقًا بمأزقها، فوصف ليبست ما يسمى الإجماع الغربي ذاته بأنه “خيار أيديولوجي”، وشخّص يورغن هبرماس أيديولوجيا المجتمعات الصناعية المتقدمة في “الوعي التكنوقراطي” الذي يقصر النقاش على الوسائل دون الغايات.
وعلى الرغم من تراجع رواج مصطلح الأيديولوجيا أمام “الهوية” و”الخطاب” و”السردية” بفعل نقد ما بعد البنيوية وما بعد الماركسية في نهاية القرن العشرين، فقد عادت المقاربات المعاصرة إلى تحديده تحديدًا لا يجعله علمًا ولا مجرد وعي زائف ولا خداع، فالأيديولوجيات عند مايكل فريدن “ترسم لنا خرائط العالمين السياسي والاجتماعي”، ولا غنى عنها لإضفاء المعنى على العوالم التي نقطنها، وهي “تشكيلات من معانٍ منزوعة التنازع” (Decontested Meanings) للمفاهيم السياسية، تحسم بها كل أيديولوجيا دلالة قيمها المركزية وترتيبها. وعرّف الأيديولوجيا السياسية بأنها مجموعة أفكار ومعتقدات وقيم تُظهر نمطًا متكررًا، وتحملها جماعات ذات وزن تتنافس على خطط السياسة العامة، بهدف تسويغ الترتيبات الاجتماعية والسياسية القائمة أو منازعتها أو تغييرها. وقريب من ذلك تعريف ستيوارت هول لها بوصفها “الأطر الذهنية” التي توظفها الجماعات لجعل المجتمع قابلًا للفهم، وتعريف ڤان دايك لها بأنها “قاعدة التمثلات الاجتماعية” (Social Representations) المشتركة بين أعضاء الجماعة، ووسيط رابط بين البنية الاجتماعية والإدراك الاجتماعي، و”التصور الشامل” عند مارتن زيليغر الذي يغطي تسويغ حفظ النظام القائم وإصلاحه وتغييره على السواء.
كتاب الأيديولوجيا العربية المعاصرة لعبدالله العروي
وانشغل الفكر العربي الحديث بالمفهوم من زاوية علاقته بإشكاليات النهضة والتحديث ومسؤولية الأفكار عن الواقع، فرآه عبد الله العروي مفهومًا اجتماعيًا تاريخيًا يمثّل “تراكم معانٍ”، شأنه شأن الدولة والحرية، وميّز فيه ثلاث دلالات، وهي: الانعكاس المحرّف اللاواعي، ونسق حجب الواقع، والنظرية المستعارة من سياقات أكثر تطورًا والتي تسبق تجسدها في المجتمع المستعير للنظرية. وميّز جورج طرابيشي في الماركسية ذاتها بين مكوّن علمي وآخر أيديولوجي لا يجوز فصلهما ولا الخلط بينهما. وحمّل ياسين الحافظ “الأيديولوجيا المهزومة” قسطًا من مسؤولية هزيمة 1967، داعيًا إلى الانتقال من الوعي الأيديولوجي إلى “الوعي المطابق”. ووصف محمد عابد الجابري الأيديولوجيا العربية المعاصرة بأنها “غير مطابقة”، لأن مرجعيتها المعرفية واقعان غير الواقع العربي الراهن، فإما الماضي العربي الإسلامي وإما الحاضر الأوروبي.
يتأرجح تحديد الأيديولوجيا بين كونها منظومة تسبغ المعنى على الظواهر الاجتماعية، وكونها مركّبًا معرفيًا وقيميًا في خدمة توجه سياسي تتبناه فئة اجتماعية، وكونها وعيًا زائفًا يبرّر علاقات السيطرة القائمة. لكن أي تعريف أحادي يقع في الاختزال، إذ يمكن أن تكون بناءً رمزيًا وأداة هيمنة وانعكاسًا لصراع قوى اجتماعية في آن واحد. وتتفاوت الأيديولوجيات، فوق ذلك، في درجة شمولها بين منظومات معرفية شاملة تقترب من الفلسفة أو تجاورها، وأيديولوجيات “نحيلة” (Thin Ideologies) تتمحور حول قضية بعينها، كالقومية. ويُشترط لتسمية نمط من الوعي أيديولوجيا أن يكون منظومة أفكار معرفية وقيمية تؤثر في إدراك الحياة الاجتماعية بما يبرر مصلحة أو تحزبًا، وأن تتبناها جماعة لا أفراد فحسب، وأن تكون موجّهة للفعل، ساعيةً إلى النشر والإقناع. ويبين المسار التاريخي للمفهوم أن الأيديولوجيا لم تعد تُقرَن بطبقة اقتصادية، ولكنها ظلت مرتبطة بفئة اجتماعية تعتنقها وتجمعها توجهات ما بشأن نظام اجتماعي-اقتصادي و/ أو سياسي مرغوب، أو انحيازات مبلورة فكريًا لقضايا اجتماعية-سياسية قومية أو طائفية أو جندرية، مشكّلةً تيارًا فكريًا، فتبرر ما هو قائم، أو تبرر نقده وتطرح ما ينبغي أن يكون من خلال مكوّن معرفي، وقد يستعين بتحليلات علمية. ولكن هذا لا يجعل من الأيديولوجيا علمًا، مثلما أن المكون الأخلاقي فيها لا يجعلها مساوية للأخلاق.
مدخل
يرد مصطلح الأيديولوجيا عادة مقترنًا بصفة تحيل إلى نوع محدد منها، كما في الأيديولوجيا الليبرالية، والأيديولوجيا الشيوعية، والاشتراكية، والقومية، والنسوية، والبيئية، وغيرها. وغالبًا ما يُستعاض عن اللفظ بإضافة اللاحقة ism في نهاية الكلمة كما في: liberalism،socialism ، fascism، environmentalism، feminism، secularism […]. كذلك يمكن أن تضاف اللاحقة إلى اسم من يُعد مؤسس هذه الأيديولوجيا، حتى لو لم يكن هو نفسه واعيًا لذلك في حياته، كما في حالة الماركسية واللينينية والكمالية والسان سيمونية والبيرونية وغيرها. ولكن ليس كل ما ينتهي بهذه اللاحقة يصبح أيديولوجيا، فبعضه تسمية لنظريات علمية، وتقليعات من عالم الأزياء والترفيه وغيرها، كذلك قد يُستخدم لغرض التضخيم والسخرية. وإن مهمة معالجة المفهوم وحده من دون الربط بتيار فكري محدد هي موضوع هذا النص.
الأيديولوجيا منظومة فكرية تشمل مكوّنًا معرفيًا يتضمن تصورات لواقع معين وما يجب أن يكون (أو لا يكون) عليه، وأحيانًا نظرية أو نظريات تستند إليها هذه التصورات، إضافة إلى سرديات تاريخية ومبادئ وقيم وموجّهات للفعل. وتختلف دراسات الأيديولوجيا بشأن تحليل مصدرها، ووظيفتها، وطبيعة مكوناتها، وتحديد الجماعة التي تحملها. والخلاف لا يتعلق بتعريف ظاهرة اجتماعية قائمة فحسب، بل بتعريف المفهوم الذي يحدّد الظاهرة لغرض فهمها تحليليًا. ولذلك، فالنقاش يدور ليس فقط حول أفضل تصوير لمجال فكري أو لحيّزٍ من حياة البشر الفكرية والاجتماعية، وهو الأيديولوجيا، بل ينصبّ أيضًا على أداة فهمه. وكلما كانت الأداة أمضى، ازدادت فاعليتها التحليلية.
ومن هذه الناحية، فإن انشغال الأكاديميين بمثنويات مثل: هل الأيديولوجيا وعي زائف، أم هي انعكاس للبنية الاجتماعية القائمة؟ هل هي بناء رمزي أم أداة هيمنة؟ والتعصب لهذا الموقف أو ذاك هو نقاش محيّر. فيمكن أن تكون الأيديولوجيا بناءً رمزيًا وأداة هيمنة وانعكاسًا لصراع قوى اجتماعية، ولهذا السبب تحديدًا يمكن أن تكون وعيًا زائفًا، مضلَّلًا و/ أو مضلِّلًا. يعتمد ذلك على تحديد المفهوم بحيث يكون مفيدًا في فهم أحد أهم أشكال الإدراك المشتركة بين جماعة من البشر لواقع المجتمعات والدول، وغالبًا أيضًا ما يشتمل على ما يجب أن يكون، وربما التصرف بناء على ذلك.
الأيديولوجيا مصطلح مهم، ومختلَفٌ عليه بقدر ما هو مهم. وقد اختلفت تعريفاته واستخداماته، فهو عند مفكري التنوير في نهاية القرن الثامن عشر وبداية التاسع عشر في فرنسا علم الأفكار (كما في المعنى الحرفي للفظ (idéologie الذي يُفترَض أن يبحث في أسبابسي المغالطات في الفكر الإنساني وتشوّه إدراكه للواقع. وهو عند ماركس وعي مقلوب ناجم عن تشيؤ العلاقات بين البشر وتصوّرها بوصفها علاقات بين أشياء، أو منظومة فكرية تعبّر عن مصالح الطبقة السائدة وتسهم في تعزيز سيطرتها، ثم عند الماركسيين فكر طبقي يبرّر مصالح كل طبقة من الطبقات وينحاز إليها، لا الطبقة المسيطرة فقط. والأيديولوجيا عند آخرين فكر أي جماعة مسيطرة أو تسعى إلى السيطرة، ولا يقتصر على طبقة اقتصادية بالضرورة، والمهم عندهم أنها تشرعن السلطة أو العلاقات الاجتماعية والسياسية غير المتكافئة. وهي من منظور آخر، تلك التصورات والأفكار المسبقة التي يقارب الإنسان الواقع من خلالها، أو هي منظومة الأفكار الفئوية المتحيزة التي تعيق الفكر العلمي الموضوعي إذا تأثر بها، أو هي رؤية شاملة للعالم ((worldview) أو (Weltanschauung)، كما في أصل المصطلح بالألمانية). بعض هذه الدلالات يتداخل، ويحتمل المفهوم تغطية اثنتين أو ثلاثًا منها في الوقت ذاته، كما سوف يتبين من مراجعة تاريخه، وتبيين دلالته.
ولا يوجد حل لتحدٍّ فكري مفاده أن أي فهم للأيديولوجيا هو أيضًا أيديولوجي بدوره سوى بتحديد المفهوم وفصله عن العلم، واللجوء إلى المنهج العلمي واستخدامه في فهمها بفحص علاقتها مع متغيرات أخرى.
Untitled Design – 2026-10-07T093914.124
ديڤيد مكليلان
وقد عدّ ديڤيد مكليلان (David McLellan، 1940- ) الأيديولوجيا “أكثر المفاهيم مراوغةً في العلوم الاجتماعية بأسرها”، وأن تاريخ المفهوم هو تاريخ البحث عن “نقطة أرخميدية” ثابتة خارج دائرة الخطاب الأيديولوجي ذاته بحيث يمكن البحث فيه بمنهج علمي غير منحاز أيديولوجيًا. ويعبّر المفهوم عن ظاهرة حديثة أفرزتها الحداثة، وتفكّك المرجعيات التقليدية، ونشوء الحركات الجماهيرية، والمثل الديمقراطية، والليبرالية، والاشتراكية، وغيرها. وهي عند يورغن هبرماس (Jürgen Habermas، 1929-2026) وليدة نقد الدوغمائية (الوثوقية) التقليدية، والحلول محلها في شرعنة السلطة، مع الظهور بمظهر العلم عند ممارسة هذا النقد. وقد كتب أن “الأيديولوجيات مواكِبة في النشأة لنقد الأيديولوجيا”[1]. فالأيديولوجيات عنده، خلافًا للأساطير والشرعنات التقليدية، تنشأ من نقد الدوغمائية التقليدية وتدّعي طابعًا علميًا، مع احتفاظها بوظائف تسويغية أو تبريرية. ولا وجود لأيديولوجيات سابقة على المرحلة البرجوازية والعصر الحديث. فوفقًا لهبرماس، في العصور ما قبل الحديثة لم تقارب رؤية المسيحية (أو الإسلامية أو الكونفوشية) للعالم التي تمنح الشرعية للنظام الاجتماعي-السياسي القائم على أنها منظومة فكرية في حالة تنافس بالحجج مع منظومات أخرى، بل اعتُبرت ببساطة نظامًا إلهيًا لا جدال فيه. فقط عندما بدأ المجال العام البرجوازي بتطبيق معايير عقلانية ونقد النظم القائمة، تجد السلطة الحاكمة نفسها مضطرة إلى تبرير نفسها عقلانيًا، وهذه المحاولة للتبرير هي ولادة الأيديولوجيا. لذلك، تنشأ الأيديولوجيا تاريخيًا بالتزامن مع نقد الأيديولوجيا: “في السابق، كانت هناك بالفعل أساطير عن الهيمنة، ولكن لم تكن هناك أيديولوجيات؛ لأنه فقط على أرض المجال العمومي البرجوازي اكتسب الوعي السائد تلك الوظيفة المتمثلة في تأمين الوضع الاجتماعي الراهن الذي يستدعي الإشارة إلى العلم والدحض باعتباره وعيًا زائفًا”[2]، ويضيف “بنزع النقد القناعَ عن الرأي يكشفه باعتباره أيديولوجيا من خلال إظهار تشوّه العقل الذي يظهره بالمصالح الخاصة التي يخفيها […] وفي هذا الصدد، فإن الأيديولوجيا هي نتاج النقد نفسه”[3]. ما يهم هنا هو أن الأيديولوجيا، مع أنها ليست علمًا، فإنها تظهر بمظهر العقلانية، وتطرح نفسها بلغة عقلانية، وأحيانًا علمية، فحملتها يريدون أن يكونوا مقنعين […] مع اللجوء إلى الشعارات التعبوية والعاطفية عند الحاجة.
وكتب عالما الاجتماع بيرغر ولوكمان: “حين يرتبط تعريفٌ معيّن للواقع بمصلحة سلطة، جاز أن يُسمى أيديولوجيا”. وكثيرًا ما تتبنى جماعةٌ أيديولوجيا معينة بسبب عناصر نظرية أو معرفية فيها تخدم مصالحها (كالتفاف فلاحين مفقرين حول عقيدة تمجد الحياة الزراعية وتدين اقتصاد النقد)، غير أن العلاقة بين الجماعة وأيديولوجيتها ليست عقلانية صرفة، فكل جماعة منخرطة في صراع تحتاج إلى تضامن، “والأيديولوجيات تولّد التضامن”[4]. فهي تتضمن عناصر وجدانية متعلقة بالهوية والسرديات والذاكرة، وتتضمن أيضًا عناصر تقييمية بشأن العدل والظلم والاستغلال، وعناصر أخلاقية قيمية تشدّد على عدالة قضية جماعة هذه الأيديولوجيا. وتنشأ المشكلة حين يتفوق الالتزام الأيديولوجي على الالتزامات الأخلاقية بحجة عدالة القضية، وتغدو عصبية مدمّرة للحياة الأخلاقية.
ميّز جون طومسون (John B. Thompson) بين افتراضين راسخين في دراسة الأيديولوجيا وهما: افتراضها “إسمنتًا اجتماعيًا” يوحّد القيم فيسهم في تماسك المجتمع، وافتراضها وهمًا خادعًا على منوال استعارة الصورة المقلوبة للواقع على شبكية العين أو في انعكاس هيئة جسم فيظهر مقلوبًا بعد التعرض إلى شعاع الضوء في الغرفة المظلمة (camera obscura) كما في التشبيه الذي استخدمه ماركس وإنغلز. وشدد على أن الأيديولوجيا وسيط للفعل، وهي بهذه الصفة عنصر مكون في النظام الاجتماعي[5]. كذلك ميَّز بين استعمالين للمصطلح في الأدبيات. الأول هو “التصور المحايد” الذي يرى الأيديولوجيا حاضرةً في خلفية كل برنامج سياسي بوصفها منظومة أفكار ومبادئ ومواقف مرتبطة بجماعة وموجِّهة للفعل، والثاني هو “التصور النقدي” الذي يربطها بالوعي الزائف وبإدامة بنية علاقات قوة لا-متكافئة، أي بإدامة علاقات السلطة والسيطرة[6]. ولا يصح عنده أي تعريف للأيديولوجيا يجعلها محايدة ويسقِط منها فكرة السلطة والسيطرة، فهذا ما يميّزها. ودراسة الأيديولوجيا وفقًا لطومسون هي دراسة الطرائق التي تخدم بها المعاني المتولّدة عنها إقامة علاقات الهيمنة وإدامتها، فالظواهر الرمزية ليست أيديولوجية بذاتها، بل بقدر ما تؤدي هذه الوظيفة في ظروف اجتماعية-تاريخية معينة، ولا يمكن قراءة طابعها الأيديولوجي بمعزل عن هذا السياق[7]. والمسألة ليست وعيًا زائفًا أم لا، وإنما أي علاقات سيطرة تخدم؟
وقد أُعلنت وفاتها عدة مرات، منها باعتبار أن مجتمع الرفاه والإجماع على التعددية المتحقّقَيْن في البلدان الديمقراطية الغربية جسّدا نهاية فكرة الأيديولوجيا الطبقية[8]، وهو إعلان مرتبط بتعريف ماركس لها. ومنها إعلان نهايتها مع سقوط المعسكر الاشتراكي، واختتام الصراع الأيديولوجي في العالم المعاصر، والصعود الكاسح للمجتمع الاستهلاكي وغيرها.
ويعود الاعتقاد الشائع بأن الأيديولوجيا إطار متصلب من الأفكار المسبقة والانحيازات إلى تيارات في السوسيولوجيا الأميركية، فهي التي تبنت إعلان “نهاية الأيديولوجيا”، وبعد اتضاح التسرع في هذا الإعلان، انتقلت إلى مقاربة تتبرأ من الأيديولوجيا وتنسبها إلى الخصوم الفكريين[9]. والحقيقة أن ثمة أيديولوجيات صلبة مغلقة يتجاوزها الواقع وتظل رافضة للتغيير ويتمسك بها بعض المعتقدين بها وكأنها ديانة، مثلما ثمة أيديولوجيات عقلانية منفتحة وقابلة للتطوّر.
وظلّ المصطلح قائمًا في التداول اليومي الإعلامي والسياسي، وفي بعض التداول الأكاديمي (ولا سيما بالسلب من خلال التأكيد على تجنب المؤثرات الأيديولوجية في البحث العلمي)، وهذا يعني أنه يغطي مساحة دلالية ما، يرى الناس أن من الضروري صياغتها والتعبير عنها.
كتب مايكل فريدن (Michael Freeden، 1944- ) أن “الأيديولوجيات […] ترسم لنا خرائط العالمين السياسي والاجتماعي. ونحن ببساطة لا نستطيع الاستغناء عنها لأننا لا نستطيع الفعل من دون إضفاء معنى على العوالم التي نقطنها”[10]. نجد هنا تحديدًا يميز المقاربات المعاصرة للأيديولوجيا، فهي من منظورها ليست علمًا، ولا هي مجرد خداع، بل أفكار وتوجهات ومواقف عامة كامنة في خلفية مقارباتنا لقضايا العالم الاجتماعي العينية بحيث تسبغ عليها المعنى. ولا يُقصَد بهذه الأفكار والتوجهات أفكار فرد ما وتوجهاته، فهذه ممكنة من دون أيديولوجيا، بل أفكار تتشاركها فئة اجتماعية، وقد تكون مؤثرة في أوساط اجتماعية واسعة، فتُعَدّ أيديولوجيا مهيمنة. وقد عرّف ستيوارت هول (Stuart Hall، 1932-2014) الأيديولوجيات تعريفًا شبيهًا لتعريف فريدن (وإن أدخل فيه الطبقات ليظل وفيًا للماركسية) باعتبارها “الأطر الذهنية” التي توظفها الطبقات والجماعات لجعل المجتمع قابلًا للفهم[11]. ويقترب منه أيضًا تعريف ڤان دايك (Teun A. van Dijk، 1943- ): الأيديولوجيا هي “قاعدة التمثلات الاجتماعية (Social Representations) المشتركة بين أعضاء الجماعة”، وهي بمنزلة وسيط بين البنية الاجتماعية والإدراك الاجتماعي[12]، ويُفترَض أن يُضاف الفعل الاجتماعي أيضًا، لأن الأيديولوجيا موجهة نحو الفعل. وهذا لا يعني أن الأيديولوجيا مرادفة للتمثلات الاجتماعية ذاتها، بل هي “القاعدة” المنظِّمة لها، أي المبادئ الناظمة لمعتقدات الجماعة عمّا هو صائب وخاطئ. والنماذج الثلاثة المذكورة جميعها من كتّاب معاصرين، كتبوا بعد أن انتشرت تقليعة “موت الأيديولوجيا”، ولا سيما بعد انهيار المعسكر الاشتراكي، ومع ذلك أولوا الأيديولوجية أهمية كبيرة.
وفي حالة تبني الدلالة السلبية للمصطلح، سواء بسبب عدّها وعيًا زائفًا ناجمًا عن تشيّؤ العلاقات الاجتماعية، أي ظهور العلاقات بين البشر كأنها علاقات معطاة بين أشياء، أم عن رواج أفكار الطبقة المسيطرة وهيمنة أيديولوجيتها التي تشرعن السلطة وتجعل الاستغلال يبدو أمرًا طبيعيًا، وتبرّر الوضع القائم فتموه التناقضات، وتخلق وحدة اجتماعية موهومة وغير ذلك، فإن القوى الاجتماعية والسياسية (التي تعتمد الدلالة السلبية في استخدام المصطلح) تنسب لنفسها الفكر والسياسة والرأي والموقف، وللآخرين الأيديولوجيا.
فمنذ بداية التنظير للأيديولوجيا، لم يحسب ماركس فكره أيديولوجيًا، بل عدّه علميًا، أو على الأقل فكرًا نقديًا يكشف النقاب عن الصيرورة الاجتماعية الفعلية وقوانين التاريخ خلف المظاهر والعلاقات المتشيِّئة. والليبراليون الذين يستخدمون المصطلح بدلالته السلبية يعدّون الشيوعية والقومية والفاشية وغيرها أيديولوجيات، وينكرون أن الليبرالية أيديولوجيا، مع أنها من أهم الأيديولوجيات التي تطرح تصورًا للواقع الاجتماعي ورؤية لما هو النظام الأفضل، أو الأقل سوءًا، وما زالت تُشغِل الناس في هذا العصر.
وتختلف الأيديولوجيات في درجة شموليتها، فبعضها يشتمل على مركّب معرفي فلسفي شامل، ومواقف من مختلف القضايا، وبعضها يقتصر على مقولات نظرية قليلة، ويتضمّن مواقف من مسألة محددة. القومية مثلًا ليست أيديولوجيا ذات متن معرفي واسع، بل هي أيديولوجيا نحيلة أو رقيقة تركّز على التطابق بين الإثنية والأمة، وتعتبر أن الدولة/ الأمة هي التعبير المناسب عنها. ويتبنى القوميون أيديولوجيات أخرى مختلفة، أو حتى متناقضة في قضايا أخرى مثل العدالة الاجتماعية ونظام الحكم وغيرها.
ليست دلالة الأيديولوجيا سلبية بالضرورة، ولكن الصراع بين الأيديولوجيات من جهة، والنقد العلمي من جهة أخرى، يكشفان المغالطات الأيديولوجية وتوظيفها، مع الاحتراس من المبالغة في الأمر لأن الأيديولوجيا ليست علمًا، ولا نظرية علمية مع أنها تشتمل على مكونات علمية، ومن ثم فإن كشف مغالطاتها لا ينقضها مثلما تُنقض النظريات العلمية، بل يكشف ضعف المركّب المعرفي فيها.
وقد عالج وولتر غالي (W. B. Gallie، 1912-1998) ما أسماه “المفاهيم المتنازع عليها جوهريًا”. ويحدّد غالي سبعة شروط لهذا التنازع الجوهري، وهي: أن يكون المفهوم تقييميًا (Appraisive)، ومركّبًا داخليًا، وقابلًا لأوصاف متعددة، و”مفتوحًا” في طابعه، ومستعمَلًا هجوميًا ودفاعيًا معًا، ومنحدرًا من نموذج أصلي معترف بسلطته (مثل ماركس في حالة مصطلح الأيديولوجيا)، وأن يسهم التنافس المستمر في تطويره[13]. وهذا ينطبق على مفهوم الأيديولوجيا الذي لم يتطرق غالي إليه.
ميّز غالي بين المفاهيم المتنازع عليها وبين الفرضيات العلمية، فالعلم يملك مناهج معترفًا بها للفصل بين الفرضيات المتنافسة، أما المفاهيم المتنازع عليها جوهريًا فلا يخضع أي منها لحسم من هذا القبيل، كذلك قد يفضي التنازع إلى انقسامات سياسية ضارية، فيغدو ثمن التنافس أكبر من فوائده[14]. والمفهوم التقييمي أو المعياري، بخلاف المفهوم العلمي، إنما يُفهم على نحو أدق بالنظر في صيرورته[15]. وهذا ما سوف نفعله في القسم الثالث من خلال فحص محطات مختارة في مسيرته، وذلك بعد محاولة الإجابة على السؤال التالي.
كيف تُفهم الأيديولوجيا؟
عالم الاجتماع الكرواتي سينيشا مالشيڨتش
عالم الاجتماع الكرواتي سينيشا مالشيڨتش
كتب سينيشا مالشيڨتش (Siniša Malešević، 1969- ) يقول إن مصطلح الأيديولوجيا كان رائجًا في سبعينيات القرن العشرين وثمانينياته، وإنه تعرّض لنقد شديد من جانب ما بعد البنيوية وما بعد الماركسية وغيرها، وحلّت محله مصطلحات أخرى، مثل الخطاب، والسردية، والهوية، وغيرها. وقلّما يصادف الإنسان في عصرنا هذا شخصًا يقول إن لديه أيديولوجيا، ولكن يندر أن نجد من يدعي أن لا هوية له، أو لا يُعبّر عن بعض الكبرياء بهويته. وأصبحت الموضة/ التقليعة هي تعدّد الهويات وأزمة الهوية وسياسات الهويات[16]. ولكن ما زالت ثمة أحزاب وحركات وجمعيات ليبرالية ويسارية ويمينية وشعبوية واشتراكية ونسوية وبيئية ذات توجهات وسياسات، وفاعلون اجتماعيون مقتنعين بها. وهذه أيديولوجيات توجّه للفعل وتسهم في صنع السياسات سواء أسماها المؤيدون والفاعلون كذلك أم لا.
ويعرّف مالشيڨتش مفهوم الأيديولوجيا الذي يفضّله على مفاهيم الهوية والخطاب وغيره، بقوله: “تُفهم الأيديولوجيا بوصفها طريقة تفكير وممارسة شبه كونية، متجذّرة في الترتيبات الظرفية المميّزة لنظام اجتماعي معيّن، والتي تتجاوز بصورة روتينية الخبرة العادية”، ويضيف أن “الأيديولوجيات تستند إلى مصالح الأفراد أو الجماعات، والمعايير الأخلاقية، أو ادعاءات المعرفة المتفوّقة، من أجل تبرير الفعل الاجتماعي الفعلي أو المحتمل”[17]. وحسب فهمنا للموضوع لا توجد أيديولوجيات تختص بفرد واحد أو مصالح أفراد، بما هم أفراد، كذلك لا توجد أيديولوجيات غير موجَّهة نحو الفعل، أو الممارسة لتحقيق هدف ما.
وفي السعي المعاصر لتحديد المفهوم بعد تاريخ طويل من تطوره وتغير دلالاته، تبين أنه أصبح من غير الممكن فصله عن السياسة و/ أو السياسات، بما في ذلك مسألة السلطة وطبيعة نظام الحكم والصراع السياسي وصنع السياسات، فلجميع التيارات الفكرية التي لا علاقة لها بالسياسة تسميات أخرى غير الأيديولوجيا.
وقد عرّف مايكل فريدن الأيديولوجيا السياسية تحديدًا كما يلي: “مجموعة من الأفكار والمعتقدات والآراء والقيم التي (1) تُظهِر نمطًا متكررًا، (2) وتحملها جماعات ذات وزن، (3) وتتنافس على تقديم خطط السياسة العامة والتحكم فيها، (4) وتفعل ذلك بهدف تسويغ الترتيبات والعمليات الاجتماعية والسياسية لجماعة سياسية ما، أو منازعتها، أو تغييرها”[18]. لاحظ تحديد الأيديولوجيا السياسية، فلم يعد المصطلح يُستخدم لتيار فكري غير متعلق بالسياسة، حتى لو انكشف الرابط بينهما في نهاية المطاف فقط. ويُحدَّد حملة الأيديولوجيا في جماعات ذات وزن، ليست بالضرورة طبقات اجتماعية-اقتصادية، بل إنها جماعات تتبنى أيديولوجية معينة، وقد يجمعها رابط آخر، وقد لا يجمعها، إضافة إلى أن الحديث ليس عن جماعة أصدقاء أو أسرة أو مؤسسة خاصة منفردة. ومهم أيضًا أن يُتذكر أن الأيديولوجيات لا تتنافس، ولا تقدّم خططًا، بل من يفعل ذلك هم حاملوها الفاعلون في الفضاء الاجتماعي والسياسي. وإذا كانت الأيديولوجيا في بعض الحالات وسيطًا بين النظرية (أو حتى الفلسفة) والسياسة، فإن السياسة (أحزاب، وحركات اجتماعية، وحكومات، وبرلمانات، وإعلام) هي الوسيط بينها وبين التأثير المرجو السياسي/ الاجتماعي/ الاقتصادي.
في مقاربته للموضوع، يميز مارتن زيليغر (Martin Seliger) بين تصورَين متنافسَين: التصور المقيّد، أو الضيق، الذي يقصر نعت “الأيديولوجي” على المنظومات العقائدية الراديكالية، والتصور الشامل، أو الواسع، الذي يدافع عنه، والذي يعرّف الأيديولوجيا بوصفها مجموعات من الأفكار تُطرَح من خلالها غايات الفعل الاجتماعي المنظّم ووسائله وتفسِّرها وتسوِّغها، سواء أكان هذا الفعل يرمي إلى حفظ نظام قائم، أم إصلاحه، أم اقتلاعه، أم إعادة بنائه[19]. وهذا الوصف أصح من ذاك المقتصر على تبرير حفظ النظام القائم، فهذا الأخير يصح بشأن أيديولوجيا الفئة الحاكمة.
والأيديولوجيا في تعريف زيليغر منظومة اعتقاد مصمَّمة لخدمة جماعة على أساس دائم نسبيًا، تسوّغ شرعية الفعل الجماعي استنادًا إلى معايير أخلاقية وقدر من الأدلة المستندة إلى وقائع، والتماسك العقلاني الواعي[20]. ومن هنا ينبني “المركّب الأيديولوجي” من ستة مكوّنات، وهي:
1. الوصف: تصوير واقعي للبيئة السياسية والاجتماعية الراهنة.
2. التحليل: تقييم لكيفية عمل المجتمع وأسبابه في وضعه الحالي.
3. التوجيهات الأخلاقية: القيم والأحكام الأخلاقية الأساسية التي تحدد ما ينبغي أن يكون.
4. التوجيهات التقنية: القواعد والخطط العملية الموضوعة لتحقيق الأهداف الأيديولوجية.
5. الأدوات: السياسات والتكتيكات والآليات المادية المستخدمة لفرض القرارات على أرض الواقع.
6. الرفض: الحجج الصريحة المستخدمة لرفض أنظمة الفكر المنافسة أو معارضتها أو دحضها[21]. يبالغ زيليغر في التفصيل، فليس بالضرورة أن تتضمن الأيديولوجيا التوجيهات التقنية والأدوات.
تتصل الأيديولوجيا بالوعي اليومي، ولكنها تتجاوزه، إذ تتصل به من خلال تحليلات مبسطة، ووجدانيات وسرديات وشعارات وكليشيهات لمقولات فكرية أو سياسية أو تاريخية مكررة، وفي جعبتها تفسير للواقع، ولكنه تفسير يبرّر الغايات، ويحفّز على الفعل اللازم للوصول إليها. إنها ليست علمًا لأنها تستند إلى مصالح ومواقف وانحيازات سياسية على نحو سافر، ولكنها قد تستند أيضًا إلى مقولات علمية ونظرية لتبرير الغايات والأفعال اللازمة لتحقيقها، وذلك بفعل تداخل المعرفة مع تبرير المصلحة والغاية في بنيتها الإبستيمولوجية. إنها، خلافًا للعلم، ليست تفسيرًا موضوعيًا باحثًا عن قوانين الظواهر الداخلية فحسب، مع أنها قد تتضمن تفسيرات وقوانين كهذه لتعليل غايتها. وهي، من ناحية أخرى، تزعم، خلافًا للأخلاق، تقديم تفسير لحال المجتمع، وربما المجتمعات والعالم بأسره.
وتجمع الأيديولوجيا بين تصوير الواقع وتفسيره من زاوية نظر محددة ذات علاقة بسلطة أو مصلحة، أو من زاوية ميل أو انحياز مسبق وآراء وأهداف (مثل تصورات لمجتمع أفضل، ونظام سياسي اجتماعي أعدل) تتضمن توجيهًا للفعل مثلما تتضمن تفسيرًا للواقع الاجتماعي وقيمًا وغايات موجِّهة، كما في حالة الأيديولوجية النسوية، والأيديولوجية البيئية، بحيث تتحكم هذه في تصوير الواقع وتفسيره، أو في تبرير الفعل الإنساني (من دون أن تكون بالضرورة في خدمة سلطة قائمة). وقد تُوظَّف الأيديولوجيا لخداع الذات عند المعتقدين بها، أو التصالح مع الواقع أو في السيطرة على الآخرين.
عمومًا، ثمة ثلاث مقاربات للأيديولوجيا من منظور بنائي ووظيفي في الوقت ذاته باعتبارها:
منظومة فكرية تسبغ المعنى على الظواهر الاجتماعية والعلاقات الإنسانية.
منظومة فكرية تتضمن مركّبًا معرفيًا وأخلاقيًا في خدمة توجه سياسي ما وتتبناها فئة اجتماعية.
وعيًا زائفًا يبرّر علاقات السيطرة القائمة في خدمة الطبقة المسيطرة.
ولكي تُسمَّى أنماط الوعي المذكورة أيديولوجيا يُفترض أن يتوفر فيها ما يلي:
منظومة أفكار معرفية وقيمية تؤثر في إدراك الحياة الاجتماعية، بما فيها السياسية، بحيث تبرر مصلحةً أو تحزبًا.
تتبناها جماعة لا أفراد فقط.
وتوجه للفعل، أو للممارسة.
ليست الأيديولوجيا مجرد رأي شخصي، بل هي موجهة لكي يتبناها الناس أو جماعات منهم على الأقل، بحيث تعمل على نشرها والإقناع بها وتطبيق برامج مستوحاة منها. وهي ذات علاقة بجماعات متنافسة تخدم مصالحها الفئوية، غالبًا مع ادعاء نداء كوني قوامه العقلانية، وحتى العلمية في بعض الحالات. وصحيح أن التعبئة والتجييش من أدواتها، لكن لا وجود لأيديولوجية ممتنعة عن النقاش والجدال العقلاني في تبرير نفسها ومحاولة الإقناع بصحتها.
يمكن أن يذهب التفكير بالأيديولوجيا إلى عدّها مجمل الفكر البشري، فمعنى اللفظ اليوناني هو علم الأفكار، أو إلى تمييزها عن العلم فقط، لتصبح كل ما ليس علمًا. وهذا بالطبع يُفقد المصطلح أي معنى محدد. ونحن لا نكتفي بأن ننسب له معنى اصطلاحيًا، بل نتعامل معه بوصفه مفهومًا مفيدًا. ولهذا يُفضَّل أن نجري أسلوب الاختزال من خلال بعض التمييزات للأيديولوجيا عن غيرها من أشكال الوعي والمشاعر الإنسانية:
هي ليست مجرد مجموعة من العواطف والمشاعر، حتى لو كان الإنسان واعيًا ومدركًا لها. قد تكون العواطف من محركات الأيديولوجيا، ولكن الأخيرة نمط مركَّب معرفي وقيمي. فبغض النظر عن محرّكها في العاطفة، أو المصلحة، أو السلطة، وتحريكها عاطفة الناس من خلال حَمَلَتِها بالدعاية والعمل السياسي، فإن الأيديولوجيا هي مجموعة مقولات معرفية وقيمية يمكن أن تشمل الإنسان والمجتمع والدولة والعالم، أو بعض هذه المواضيع.
قد تكون الأيديولوجيا عقلانية أو غير عقلانية، وذلك وفقًا للمسلّمات التي تنطلق منها، والتي قد تكون غيبية أو مختارات من مقولات علمية مجتزأة، ووفقًا أيضًا لتسلسل مقولاتها، التي قد تكون مترابطة منطقيًا أو غير مترابطة.
ليست كل أيديولوجيا منظومة شاملة، فبعضها يصل إلى درجة من التماسك والشمول وكأنها عقيدة متناسقة تشمل مواقف من مختلف جوانب الحياة، وبعضها يتضمّن مقولات نظرية ومواقف عامة قليلة فقط، متعلقة بجانب سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي من جوانب الحياة. وبعضها يقترب من الفلسفة، حتى أمكن القول إنه يصعب فصل الفلسفات السياسية عن الأيديولوجيات.
لم يعد مصطلح الأيديولوجيا يُطلق على تيارات فكرية غير سياسية، إلا إذا كانت تتضمّن دعوة صريحة ضد السياسة، عندئذٍ تكون أيديولوجيا سياسية، فالدعوة للامتناع عن السياسة هي دعوى سياسية. وأصبح مصطلح الأيديولوجيا غالبًا يرافق التيارات التي لديها تصورات سياسية وتطرح بدائل سياسية بناء على توجهات فكرية، ولذلك أيضًا يقال إنها تقع بين الفلسفة والنظرية السياسية من جهة، والسياسة من جهة أخرى.
تتضمن الأيديولوجيا مواقف، وتنطلق من مواقف، وتقود إلى مواقف، فهي ليست محايدة بشأن القضايا التي تتطرق إليها.
ليست الأيديولوجيا عبارة عن حالة نفسية، ولا يُقصد بالأيديولوجيا نزعات شعورية فردية مثل الخوف أو الحسد أو النفاق، ولا مجرد قوى تؤثر في لاوعي الإنسان بحيث تؤثر أيضًا في أحكامه.
الأيديولوجيا ليست هي الأخلاق، مع أنها تشتمل على مركّبات من القيم الأخلاقية، ومركّبات معرفية قد تكون علمية. وهذا الفصل ضروري لفهم موضوعنا، وسوف نتطرق إلى هاتين الإشكاليتين بالتفصيل لاحقًا.
وقد كتب تيري إيغلتون (Terry Eagleton، 1943- ) محقًا أن الهيمنة عند غرامشي والدوكسا والهابيتوس عند بورديو، وكذلك الأسطورة، ليست رديفة للأيديولوجيا[22]، بل يمكن أن تكون مكونًا فيها بناء على الاستخدام وظروفه.
وللباحث ڤان دايك صياغات مختلفة لما ليس أيديولوجيا يفيد ذكرها هنا، لأنها تضيء جوانب أخرى. فقد ميّز الأيديولوجيا عن “منظومة المعتقدات” (Belief System)، فهي ليست كل المعتقدات، وإن كان أي معتقد قابلًا للأدلجة وفقًا للسياق. كذلك فرّق بين الذاكرة العَرَضية ومستودع الخبرات الشخصية من جهة، والذاكرة الاجتماعية من جهة أخرى. الأخيرة هي التي تخزن المعتقدات المشتركة ثقافيًا، والأيديولوجيات تقيم فيها لا في الأولى[23]. والآراء الشخصية التقييمية التي لا تخضع لمعايير الصدق، وتفترض احتمال البدائل، ليست أيديولوجيا مع أنها تتأثر بها، فالأيديولوجيا تنتظم أساسًا حول الآراء الاجتماعية العامة التي تتفرع عنها عناقيد من المواقف[24] يمكن القول إن الأيديولوجيات تحتوي على أساطير، لكن المقصود هو سرديات تاريخية ذات مغاز ودلالات تسهم في تبرير الغاية. وهذه تشكل مرويات قد لا تكون صحيحة تاريخيًا، ولكنها مهمة بوصفها تعبيرًا رمزيًا عن قيم أو معانٍ ضمن المنظومة الأيديولوجية.
لا يكفي إذًا تمييز الأيديولوجيا عن العلم، ولذلك بينّا الفرق بينها وبين ظواهر عديدة أخرى. فمن دون هذه التمييزات لا حدود للأيديولوجيا، ومن ثم لا تعريف لها.
كتب مايكل فريدن أن الأيديولوجيا تنزع إلى تثبيت العلاقة بين المصطلحات التي تستخدمها ودلالاتها، فالأيديولوجيات “تشكيلات من معانٍ منزوعة التنازع للمفاهيم السياسية”، وفعل نزع التنازع هو فعل تقرير وحسم أيديولوجي وإغلاق للخيارات تُصاغ به هوية سياسية[25].s and Political Theory: A Conceptua
. صحيح أن الأيديولوجيات تفهم القيم مثلًا على نحو مختلف، فتتنازع على تعريفها، ولكن كل أيديولوجيا تحدّد معنى القيم المركزية بالنسبة إليها، بحيث لا تكون موضوع تنازع داخلها، فهي تعرّف القيم التي تشكل نواتها المركزية على نحو محدد، بحيث تتميز عن غيرها في فهم هذه القيم. خذ مثلًا قيمًا مثل الحرية والمساواة والعدالة، إذ تختلف الليبرالية واللبرتارية والاشتراكية والشيوعية والفاشية والأيديولوجية النسوية على تعريف هذه القيم وترتيبها من حيث الأهمية، لكنْ كل منها تحدد معناها وترتيبها بالنسبة إليها بحيث لا تظل موضع نزاع بين المقتنعين بها. وغالبًا ما يؤدي النزاع على قيم النواة بين معتنقي أيديولوجيا بعينها إلى إجراء تعديلات عليها (وغالبًا ما يكون التنقيح والتعديل عملية بطيئة) أو تؤدي الخلافات إلى انشقاقات، فالأيديولوجيا لا تتعايش مع نزاع داخلي حول قيم النواة فيها.
ولأنها ليست دائما متنًا معرفيًا متناسقًا، أو منظومة فكرية، كما في حالة الماركسية، أو الليبرالية، أو الفاشية، أو الأيديولوجيا الدينية السياسية (التي نميّزها عن الدين)، فإن تعريف الأيديولوجي (the ideological)، أو العنصر الأيديولوجي في فكر ما، أو خطاب، أو ممارسة، أسهل من التحديد الشامل للأيديولوجيا. فيمكن أن نجد العنصر القومي الأيديولوجي، أو الليبرالي أو الاشتراكي في الإنتاج الفكري أو في السلوك السياسي، كذلك يمكن نقد الانحيازات الأيديولوجية الواعية أو غير الواعية التي تضر بالمصداقية العلمية لإنتاج أكاديميٍ ما. إن تحويل الأيديولوجيا إلى صفة يسهّل تعقبها وتمييزها عن غيرها، فيمكن الحديث عن جانب أيديولوجي في منظومة ما، معرفية، أو مؤسسية، من دون أن تشكّل نسقًا أيديولوجيًا متكاملًا، كذلك يمكن نقد الجوانب الأيديولوجية في جهد معرفي ما بوصفها انحيازات ناجمة عن قناعات فكرية مسبقة، أو انحيازات ناجمة عن مصالح جماعية فئوية.
ومثال آخر على فائدة التعرف على الأيديولوجي يوجد في حالة الدين، فوفقًا لتعريفنا، ليس الدين والمعتقدات الإيمانية بذاتها أيديولوجيا، مع أن الماركسيين وغيرهم يعدّون الدين من أنواعها. ولكن يمكن أن يُستخدم الدين في تبرير السلطة السياسية أو البنية الاقتصادية الاجتماعية القائمة، أو لنقدها والانقلاب عليها، أو كأنه نظرية في تفسير الظواهر، وذلك لكي تكرَّس سلطة الكهنوت بوصفها مفسِّر النص والقيم الحصري على هذه المعرفة، أو لشرعنة سلطة ما، عندئذ يظهر العنصر الأيديولوجي مثلًا في التضليل لغرض السيطرة. وفي ظل أن الدين كان عقيدةً وإيمانًا جماعيًا شاملًا، أو إيمانًا فرديًا، فإنه ليس أيديولوجيا. ويمكن في ظل الإيمان الديني نفسه أن يتبنى المتدينون أيديولوجيات مختلفة وربما حتى متصارعة. أما إذا كف عن أن يكون “رؤية عالم كليانية” أو إيمانًا فرديًا، وصار فكر سلطة، أو جماعة تعارض السلطة أو تسعى إليها، فإنه يتحول للارتباط بمصالح جزء من كل، وقد يدعي تيار أو حزب أنه يحمله، ولكنه في الحقيقة لا يحمل الدين، بل أيديولوجيا دينية. ويسهل التعرف إلى نماذج كثيرة كهذه في الواقع الاجتماعي والسياسي العربي المعاصر، وقد كتب غرامشي كلامًا شبيهًا عن تحزيب الكاثوليكية في عصره[26]. لا تتبنى غالبية الناس في غالبية المجتمعات أيديولوجيات بعينها. والقاعدة هي أن أقلية منهم تنضوي في إطار تيار أيديولوجي منظم، أو تتبنى أيديولوجيا متكاملة، ولكن غالبية الناس تتأثر بالمكونات الأيديولوجية القائمة في التربية والمدرسة والوعظ الديني، وفي ما يبدو في المرحلة التي يعيشون فيها مسلّمات اجتماعية.
ملاحظة بشأن الأيديولوجيا والعلم
العلم هو معرفة نسقية وأدوات اكتشاف وإنتاج معرفة من خلال المراقبة المنهجية وجمع الأدلة واستنتاج تعميمات منها قابلة للاختبار. تجري عملية المراقبة، وتوضع خلالها فرضية بناء على الحدس وتراكم المعلومات، وتُجمع الأدلة على صحة هذه الفرضية من خلال منهج موضوعي في جمع البيانات والقياس، وإذا توصل البحث إلى تعميمات (أو قوانين) قابلة للإثبات المتكرر، ومصاغة أيضًا بحيث يمكن إثبات خطئها، يمكن عندئذٍ الحديث عن اكتشاف علمي، أو نظرية (نموذج تفسيري) أو قانون. ويمكن الاعتماد على العلم في عمليات التفاعل مع الطبيعة وتوقع نتائجها. وغالبًا ما تُفصل الرياضيات والمنطق عن العلم لأنهما لا تحملان اكتشافات جديدة، بل تستنبطان أفكارًا من أفكار على نحو موثوق ويقيني. ولكن العلم الذي يعتمد الاستقراء للحصول على معلومات جديدة عن الطبيعة أو المجتمع (اكتشافات) من دراسة العلاقة بين الوقائع لا يسعه الاستغناء عن الاستنباط في توليد تعميمات من التعميمات التي استُنتجت، بحيث تكون هي أيضًا قابلة للفحص بالتجربة.
لا الأيديولوجيا علم، ولا العلم أيديولوجيا. ولكن يمكن تشخيص عنصر أيديولوجي ما في النشاط العلمي يشوّش البحث من خلال انتقائية في المعطيات، أو في استخدام مصطلحات ذات حمولة معيارية من دون تعريفها بدقة، أو في حرف الاستنتاجات لتبرير موقف (أيديولوجي) مسبق أو في خدمة سلطة، أو خضوعًا لسلطة مادية أو معنوية. ولا يُقصد هنا الأفكار الناجمة عن الميول الشخصية الأنانية، أو النفاق، أو الخوف، فهذه مواطن ضعف بشرية يمكن أن تضر بالبحث العلمي، ولكنها ليست أيديولوجيا، وإن كانت تُستغلَّ في السياسة، بل إن المقصود هو الأفكار الناجمة عن مصالح جماعية أو انحيازات فكرية من النوع الذي سبق التطرق إليه. ولكن لكي نتمكن من تشخيص العنصر الأيديولوجي في نشاط علمي يجب أن نكون قد ميزنا العلم من الأيديولوجيا خلافًا للتيارات الفكرية التي تحشرها معًا في مفهوم الخطاب.
لا يصح تصنيف العلوم الاجتماعية والإنسانية ضمن الأيديولوجيا بحجة أنها ليست علومًا دقيقة، ولكن يصح القول إن تسرب عناصر أيديولوجية إليها أسهل من تسربها إلى العلوم الطبيعية، لأن موضوع العلوم الاجتماعية غالبًا ما يكون هو نفسه موضوع الأيديولوجيا، أي المجتمع وبنيته وصيرورة تطوره وتطور الظواهر الاجتماعية.
كارل مانهايم
كتب كارل مانهايم (Karl Mannheim، 1893- 1947) ما يشبه كلام هبرماس المقتبس أعلاه، ولكن قبله بعقود، أن الأيديولوجية هي نتاج السياسة في العصر الحديث، فقد نشأت التيارات والأحزاب السياسية في عصر ارتفعت فيه قيمة العلم الاجتماعية، واضطرت الأحزاب إلى تعليل أهدافها وبرامجها بحجج عقلانية وعلمية، واستخدام التعليل العلمي في مناهجها الفكرية وفي دحض مواقف الخصوم. ولكن العائق هو أن العلم يخضع للفحص التجريبي ويتطور، في حين أن الأحزاب كيانات منظمة ذات مؤسسات وجمهور، وليس بوسعها تغيير مقولاتها بعد كل فحص جديد. ويزداد وزن مكونها العقائدي مع مرور الزمن فتميل إلى إخضاع المكون المعرفي فيها إلى المكون العقائدي[27]. ولكن الفرق الجوهري الرئيس بينها وبين العلم في هذه الحالة يكمن في المنطلق والمنهج والغاية. يبدأ البحث العلمي من فرضيات حدسية و/ أو استنتاجات علمية سابقة و/ أو النظر في معطيات ووقائع مشكّلة لظاهرة وصياغة فرضيات بوجود علاقة متكررة نمطية فيما بينها، ومنهجه منضبط بقواعد سواء أكان استقرائيًا أو استنباطيًا، وغايته التفسير وفهم الظواهر موضوعيًا، أو التوصل إلى قوانين ناظمة للظاهرة التي يبحث فيها. غاية العلم فهم الظاهرة من خلال تشخيص ديناميكيتها أو قوانينها الداخلية وعلاقتها بالظواهر الأخرى، والتوصل إلى تفسير لها، يمكن أن يتيح التنبؤ بحركتها، ولكن ليس دائمًا ولا بالضرورة في حالة الظواهر الاجتماعية، وذلك لأسباب مختلفة أهمها تداخل عنصري الوعي والإرادة البشريَّيْن مع الظواهر الاجتماعية المبحوثة ذاتها. أما الأيديولوجيات، فتتباين بين اكتشاف مواقف ووجهات نظر مسبقة مدفونة في الواقع، وطرح “ينبغيات” (ما ينبغي أن تكون عليه الأمور) وتصوّرات مفصلة أو أقل تفصيلًا للنظام الاجتماعي و/ أو السياسي الأفضل، وبين تبرير النظام القائم، أو إضفاء المعنى على أحداث ووقائع متناثرة يصبح لها قيمة من خلال ربطها بسردية تاريخية معينة، أو تبيين الضرر والفائدة للقضية التي تدافع عنها الأيديولوجية، وكل ذلك من خلال تقديم حجج عقلانية و/ أو الاستعانة باكتشافات علمية.
لا تتكلم الأحداث والوقائع الاجتماعية عن نفسها، وثمة حاجة إلى فك شيفرتها وفهمها ووضعها في السياق. من هنا، يعتمد الناس على خرائط ومفاهيم أيديولوجية مختلفة في صياغة تفسيرات ذات معنى لهذه الأحداث والوقائع. هكذا تَفرِض السرديات بنيةً وتماسكًا على أحداث ووقائع فاقدة للبنية والتماسك كانت تبدو متناثرة ومصادفة، أو ممكنة لا تجمعها صلة ضرورية[28]. ويسبغ المنظور الأيديولوجي عليها كذلك معنًى مستمدًا من موقعها ضمن التصور الشامل لما يجب أن يكون.
وتتجاوز معظم الأيديولوجيات التجربة اليومية، وخلافًا للعلم تتملص من الإثبات والدحض، ولذلك فهي ناجعة في تبرير الفعل الاجتماعي وعلاقات القوى القائمة. وخلافًا للعلم أيضًا، يتطابق التفسير مع التبرير في حالة الأيديولوجيا.
ويمكن أن تتضمّن الأيديولوجيا عناصر عقلانية ذات قدرة تفسيرية تتقاطع مع العلوم الاجتماعية، وقد تستند انتقائيًا إلى العلوم الطبيعية والاجتماعية في تفسيراتها للكون والطبيعة والتاريخ أو للظواهر الاجتماعية العينية. ويمكن على هذا الأساس التمييز بين أيديولوجيات عقلانية، تبرر تصوراتها بتحليل عقلاني وأحيانًا علمي، وأيديولوجيات ذات بعد معرفي غيبي يستند إلى تهيُّؤات وقوى خفية مفترضة وأمنيات، وإلى دوافع الإنسان الغريزية وحدها في التحليل وتهمّش دور العقل.
المكون الأيديولوجي في النشاط المعرفي الإنساني هو ذلك الموجّه في افتراضاته والنتائج التي يريد الوصول إليها، ومن ثم في منهجه، لخدمة مصلحة قوى اجتماعية، أو اقتصادية، أو لخدمة السلطة، أو ذلك المنحاز لنظام اجتماعي أو سياسي محدد، سواء أكان عادلًا أم غير عادل، محافظًا أم تقدميًا، ديمقراطيًا أم سلطويًا، علمانيًا أم ثيوقراطيًا، أو ضد النظم السياسية والاجتماعية جميعها، أو لخدمة أفكار مسبقة مشتقة من منظومة مركبة معرفية وقيمية تتبناها فئة اجتماعية ذات وزن وموجِّهة للفعل.
استُخدم في التعريف أعلاه كلمات مثل الموجَّه أو المنحاز، وهذا جزء مهم من التعريف، فلا يكفي استفادة فئات أو مصالح محددة من نشاط معرفي محدد لكي يُصنَّف بوصفه أيديولوجيا. فيمكن أن تستفيد فئات اجتماعية حاكمة أو غير حاكمة، حزبية أو غير متحزبة من العلم ومن غيره، ولكن هذا لا يعني أن العلم أيديولوجيا. ويمكن أن يكون العالِم قاصدًا أن يخدم نشاطه العلمي فئة اجتماعية، أو وطنه، أو نظامًا سياسيًا يؤمن به، أو حتى الإنسانية، ولكن جهده هذا يظل علمًا ما دامت تلك المقاصد لا تتدخل في منهجه العلمي.
ومهم أيضًا أن الأيديولوجيا لا تعمل فقط على مستوى الفكر، بل على مستوى الممارسة والمؤسسة، ما يجعلها ظاهرة متعددة المستويات. فهي تتجاوز الفصل التقليدي في العلوم الاجتماعية بين البنية والفاعلية الإنسانية، فلا توجد أيديولوجيا تستحق التسمية إلا وتتضمَّن توجيهًا للفعل أو (للامتناع عنه بوصفه فعلًا) ناجمًا عن موقع ومصلحة و/ أو موقف وفي خدمة تصوّرات للمجتمع و/ أو السياسة ذات بعد معرفي وقيمي[29].. وعلى ذلك، فإن أي محاولة لتعريفها تعريفًا أحاديًا تقع في الاختزال.
وما دمنا في موضوع الممارسة، من المهم التمييز بين حال الأيديولوجيا المصاغة فكريًا في مجموعة مبادئ وتوجهات وتحليلات وغيرها من جهة، وحالها في الممارسة العملية من جهة أخرى. ويشكل هذا السياق مصدر توترات وصراعات، وأحيانًا انشقاقات تحت عناوين مثل أصوليين وإصلاحيين، ومبدئيين وبراغماتيين وغيرها، إذ ينشطر الجدال الأيديولوجي إلى بُعدَين متفاعلَين، وهما “البعد الأساسي” الذي تُصان فيه المبادئ، و”البعد الإجرائي” الذي تُبرَّر فيه القرارات السياسية الفعلية. مما يثير الجدال وحتى الصراع بين العقائديين والتقنيين، أن جدال ممثلي الأحزاب الأيديولوجية يجري على مستويين متمايزَين متشابكَين، مستوى أساسي يجري في التمسك بالمبادئ، ومستوى إجرائي يدافَع فيه عن القرارات الفعلية[30] بحجج متعلقة بالقدرات والواقع وحتى بتقادم بعض المبادئ وعدم واقعيتها. وفي كثير من الحالات، يفرض البعد الإجرائي نفسه مع الوقت بحيث تُعدَّل “المبادئ” و/ أو يستدعي ذلك رد فعل “أصولي” معاكسًا، ولذلك كثيرًا ما يوصف تيار ما داخل حزب بأنه تيار أيديولوجي في مقابل التيار البراغماتي.
ليست الأيديولوجيا مجرد مجموعة أفكار مرتبة في نسق، فهذا ينطبق على العلم والدين أيضًا، بل هي بنية معرفية ذات علاقة مباشرة بإدراك الواقع الاجتماعي من منظور موقعٍ اجتماعي و/ أو سياسي و/ أو ثقافي. ومن هذا المنظور، يُنظَّم (أو يُعاد تنظيم) إدراك العالم، ويُستنتَج أن على المقتنعين بها فعل شيء ما إذا تشاركوا في الغاية التي ترمي إليها.
عن الأيديولوجيا والأخلاق
الأخلاق باختصار مبادئ وقيم يميز الإنسان على أساسها بين الخير والشر في أعماله وأعمال الآخرين، وتقوم على استعدادات قائمة في الطبيعة البشرية، وتُبنى أيضًا باكتسابها من التربية والبيئة الاجتماعية والتجربة. ولا يقوم مجتمع من دون حد أدنى من القيم الأساسية المشتركة، التي من دونها يفتقد أي أساس للتعامل أو التواصل في إطار وحدة اجتماعية، فالتواصل لا يقوم على وحدة معاني المفردات في اللغة فحسب، بل أيضًا على وجود تفاهم بشأن ما يجوز ولا يجوز فعله لتوقع أفعال الآخرين وردود أفعالهم.
كتب ڤان دايك أن القيم جزء من “الأرضية الثقافية المشتركة” العابرة للاختلافات الأيديولوجية بين الجماعات، وهي أساس كل عمليات التقييم ومنبع الآراء والمواقف والأيديولوجيات معًا[31].. وبما أن الأيديولوجيات ترتب القيم بحسب مصالح الجماعة و/ أو الانحيازات (حرية السوق قبل الحريات السياسية، أو المساواة قبل الحرية، أو الحرية قبل المساواة، أو المساواة ليست قيمة، بل القيمة هي احترام كرامة الإنسان)، فإن القيم هي المادة الخام التي تُبنى منها المعتقدات الأيديولوجية. والصراع بين الأيديولوجيات يؤكد أنها قد لا تجتمع على أرضية أخلاقية مشتركة، أي إنها قد لا تختلف فقط على ترتيب القيم الأخلاقية المشتركة، بل قد تتناقض قيميًا. وعندما تتناقض قيمها الرئيسة يصعب الجمع بينها ضمن تعددية ديمقراطية، إلا إذا أجرى بعضها تعديلات حاسمة بحيث تؤدي عمليًا إلى تشكيل أيديولوجيا جديدة، مع إمكانية الاحتفاظ بالمبادئ القديمة بوصفها جزءًا من “هويتها التاريخية”.
ومن ناحية أخرى ليست الأيديولوجيا هي الأخلاق، فلغرض الفهم يُنظر إلى ملكة الحكم الأخلاقي بوصفها قائمة بذاتها، ولكن القيم الأخلاقية تؤثر في الأيديولوجيا وتتأثر بها من خلال تقاطعهما في مجال “القيم والأعراف السائدة” وفي مجال “ما ينبغي أن يكون”. ويمكن أن تكون الأيديولوجيا مدفوعة بقيم أخلاقية سامية (أو مواقف غير أخلاقية مثل العنصرية، بتحويل الانتماء إلى عرق أو إثنية أو طائفة إلى قيمة عليا، أو الإيمان بتراتبية قيمية بين الجماعات العرقية أو الإثنية أو الطائفية)، وقد تكون المُثُل التي تجعلها نُصب الأعين دافعًا للإبداع الفني والأدبي وغيرها. ويندر أن توجد أيديولوجيات من دون قيمة ما أو أكثر في مركزها، بحيث يمكنها الادعاء أنها تسعى إلى تحقيقها في المجتمع، بحيث لا تكون هذه القيمة مجرد قيمة يلتزم بها الفرد، بل نواة لبرنامج ومنظور في رؤية العالم.
فالماركسية مثلًا تضع المساواة الاجتماعية في المركز، وتجعل تحقيقها شرطًا للحرية والقيم الأخرى، والأهم أنها تطوّر منظومة معرفية يُرى من خلالها التاريخ بوصفه حركة صراع ضد الاستغلال الطبقي، وتعتبر أن العلاقات الحقوقية والأفكار السائدة في المجتمع التي تموه الاستغلال أو تغطيه وتظهره بوصفه معطى طبيعيًا، أو تبرره، هي أيديولوجيات بمعنى الوعي الزائف.
بهذا المعنى، فإن الأيديولوجيا لا تحتفظ بالقيمة الأخلاقية بوصفها خيارًا حرًا مطلقًا، أو قابلية مطبوعة في النفس البشرية، بل تصر على تعليلها أو على الأقل إسنادها “معرفيًا”، وهنا ينشأ خطر الخلط الأيديولوجي بين القيم الأخلاقية والأحكام العلمية، بما يسيء للملكتين. وسبق أن أُشير إلى خطر آخر وهو خطر تفوّق الالتزام الأيديولوجي على الأخلاق الفردية، وهذان هما منزلقا الأيديولوجيا الأخطر، ويبرزان في حالة الأيديولوجيات الشمولية التي تتحول لدى أتباعها المخلصين إلى ما يشبه الدين. وقد تُتَجاوز الأيديولوجيا ذاتها إلى الالتزام التنظيمي المحض في عصبية تشبه العصبيات الجماعتية القبلية والطائفية. في هذه الحالات، تفقد معرفة الفكر الذي يُزعَم التعصب له أي أهمية، إذ يكفي بضع مقولات لمدّ العصبية بمضمون ما.
تضع الليبرالية قيمة الحرية، وتحديدًا الحرية الإنسانية الفردية في مركز منظومتها الفكرية. وتعلي الأيديولوجيا المحافظة من شأن العائلة والبنى الاجتماعية الأهلية والتراتبية الاجتماعية بوصفها قيَمًا من الضروري الحفاظ عليها، وتعد التحلل منها كارثة اجتماعية كبرى. وتضع الأيديولوجيا النسوية مساواة المرأة بالرجل في مركز رؤيتها للعالم، ولكنها تنظر إلى التاريخ بمجمله باعتباره تاريخ هذا التمييز، وتقارب المؤسسات الاجتماعية، بما في ذلك السلطة، بوصفها أدوات لتكريس الذكورية. ولكنها تتمايز في ما بينها في تحليلات مختلفة وقضايا منها اعتبار المرأة جوهرًا مختلفًا عن الرجل.
وفي هذا السياق، يتبلور الانقسام النظري في دراسات الأيديولوجيا بين من يعُدّها وعيًا زائفًا، ومن يراها نظامًا للمعنى، ومن يعتبرها أداة للهيمنة. ويعبّر هذا الانقسام عن إشكالية أعمق مرتبطة بطبيعة العلاقة بين الفكر والواقع، أي ما إذا كانت الأيديولوجيا تُشوّه الواقع أم تُنتجه، فالأيديولوجيا بتقديمها منظورًا للواقع الاجتماعي وتصورات متعلقة بواقع أفضل ومن خلال تأثيرها في الفاعلية الإنسانية تسهم في إنتاجه.
في العقود الأخيرة من القرن العشرين، خفت وهج مفهوم الأيديولوجيا، ولا سيما لدى التيارات الفكرية في الفلسفة وعلم الاجتماع التي جهدت للتخلص من التأثير الماركسي، مثل ما بعد البنيوية وما بعد الحداثة. ولا علاقة لتجنب المفهوم في هذه الحالة بتجنبه في العلوم الاجتماعية في الولايات المتحدة، إذ جرت محاولات لقصر المفهوم على الأيديولوجيا الشمولية والطبقية مع ادعاء بشأن حلول التنافس الديمقراطي محل الصراع الطبقي، والإجماع بين الطبقات على دول الرفاه، وغيرها من الادعاءات التي سنعود إليها.
لم يستخدم فوكو وبورديو مفهوم الأيديولوجيا بشكل مباشر، بل استبدلا به مفاهيم مثل الخطاب والسلطة الرمزية أو السيطرة الرمزية[32]. ولكنهما في الواقع عالجا مكونات من الأيديولوجيا، وإن لم يخل تشديدهما على كيفية اشتغال هذه المكونات من الفائدة، فهذا بالتأكيد أكثر فائدة من السجال على وجود الأيديولوجيا من عدمه، لكن لا تكمن مشكلة فوكو في رفض استخدام مفهوم الأيديولوجيا بالمعنى الكلاسيكي للوعي الزائف، بل في أنه رفض وجود حقيقة تُزيَّف: “تبدو لي فكرة الأيديولوجيا صعبة للاستخدام، لأسباب ثلاثة. الأول هو […] أنها تقف دائمًا في تعارض فعلي مع شيء آخر يفترض أن يكون الحقيقة”[33]. فالمهمة عنده هي التتبع التاريخي لكيفية إنتاج مفاعيل الحقيقة داخل خطابات ليست في ذاتها صادقة ولا كاذبة. ولكن العلم، وحتى المعرفة عمومًا، يقومان على افتراض وجود حقائق، وعلى إمكانية التمييز بين الحقيقة والكذب، هذا إذا فرّقنا بين الحقيقة المطلقة (وهي مفهوم ميتافيزيقي وديني أيضًا) وبين الوقائع والحقائق، أو حقائق الواقع.
فضّل فوكو مفهوم الخطاب، الذي عرّفه بوصفه نظامًا من القواعد التي تُنتج ما يمكن قوله والتفكير فيه[34] . السلطة عند فوكو ليست قمعية فقط، بل منتِجة[35]
، أي إنها تُنتِج المعرفة والخطاب والذات. وهذا ليس جديدًا، فلم تدّع أي مدرسة في العلوم الاجتماعية أو الفلسفة أن السلطة قمعية فقط. ويكاد يتفق الجميع على أن بين الكثير الذي تنتجه توجد أيضًا أيديولوجيا، ومعرفة، بل معارف، وأدوات رقابة وتحكم، ومؤسسات وغيرها.
ويشدد بيير بورديو على السيطرة الرمزية (Symbolic Power)[36]، ويرى أن السلطة تعمل من خلال اللغة والرموز، وليس فقط من خلال المؤسسات.[37] ويُدخل مفهوم الهابيتوس (Habitus) بوصفه عُرفًا وعادة وبنية ذهنية اجتماعية تُشكّل إدراك الأفراد وسلوكهم على نحو يكاد يكون تلقائيًا[38]. وهذه الظواهر، أي السيطرة الرمزية والهابيتوس، المتعلقة بتأثير السلطة على الوعي متضمَّنة في أي تعريف للأيديولوجيا. ومن هذا المنظور، فإن الأيديولوجيا، إذا استُخدم هذا المصطلح، لا تُفرَض بالقوة، بل تغدو جزءًا من أنماط الوعي الرائجة، وتدخل في حياة الناس اليومية. وهي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بإنتاج الشرعية، إذ تُستخدم لتبرير السلطة القائمة وإعادة إنتاجها.
من مسيرة مفهوم الأيديولوجيا
كتب عبد الله العروي (1933- ) في بداية كتابه حول مفهوم الأيديولوجيا أن المفهوم ليس “عاديًا يعبّر عن واقع ملموس فيوصف وصفًا شافيًا، وليس مفهومًا متولّدًا عن بديهيات فيحدّ حدًا مجردًا. وإنما هو مفهوم اجتماعي تاريخي، وبالتالي يحمل في ذاته آثار تطورات وصراعات ومناظرات اجتماعية وسياسية عديدة. إنه يمثّل ’تراكم معانٍ’، مثله في هذا مثل مفاهيم محورية أخرى كالدولة، أو الحرية، أو المادة، أو الإنسان”[39].
نعرض مسار المصطلح في التاريخ الحديث، وذلك ليس لعرض تطوره الدلالي من أجل ذاته، بل لأن المسار التاريخي هو عملية تحديد على نحو يجعله مفهومًا مفيدًا في العصر الحالي، وذلك بعد أن خلّف بعض الدلالات وراءه خلال صيرورة تعريف تاريخية. ويسهم العرض التاريخي في توضيح المفهوم، فتضارب استعمالات المصطلح لم يكن عَرَضًا لغويًا عابرًا، بل مؤشرًا على إشكالية نظرية في فهم العلاقة بين الواقع الاجتماعي وعالم الأفكار، أو بين “الواقعية” و”المثالية” في التاريخ، وبين العلم والأخلاق والأيديولوجيا (وهي التمايزات التي شددنا عليها). وتاريخ المفهوم ذاته قد يسهم في تبديد الالتباس[40]
بداية تنويرية
في سياق المراحل الأخيرة من تطور فكر التنوير الفرنسي، وفي أعقاب الثورة الفرنسية مباشرة، صاغ الفيلسوف الفرنسي أنطوان دستوت دو تراسي (Destutt de Tracy، 1754-1836) كلمة “الأيديولوجيا” في العام 1796[41] بوصفها “علمًا للأفكار”، ساعيًا على خطى الفلاسفة الراديكاليين من بين فلاسفة التنوير، مثل هلڤيسيوس ودولباك، إلى التوصل إلى طريق للحقيقة من خلال نقد الإيمان الديني والتقاليد والأفكار الشائعة التي رعتها الكنيسة والدولة. وهذا في إطار ما سُمِّي حينئذٍ “معهد فرنسا” الذي تأسس بعد الثورة لترسيخ الفكر العقلاني ونشره في مواجهة فكر الكنيسة والنظام القديم. دلَّ اللفظ عند دو تراسي على “علم الأفكار” (Science des idées)، أي التاريخ الطبيعي لتكوُّن الأفكار في العقل، بحيث تُحلَّل السيكولوجيا البشرية بيولوجيًا وتُنفى أي حقيقة فوق-حسية وراء الأفراد وأفكارهم. وكان يفترض أن تكون الأيديولوجيا علمًا وضعيًا نافعًا قابلًا للدقة الصارمة، بل “العلم الأول” الذي يُؤسَّس لإعادة تنظيم المجتمع وفق حاجات البشر، في امتداد لإيمان تنويري بمحاربة الخرافة والمغالطات الرائجة والتحامل، أي المواقف المسبقة من المواضيع قبل دراستها. وقد تقاطعت هذه النزعة مع غرض معياري تربوي، وهو كشف الأرضية المشتركة للحاجات الإنسانية، وتزويد المشرِّع بوسائل الخير العام، إذ العقل ضامن النظام والحرية. وقد عد دو تراسي هذا العلم “وضعيًا، ونافعًا، وقابلًا للدقة الصارمة”[42] بروح فهم مرحلة التنوير للعلم.
ويمكن ربط هذا العلم الجديد الذي يبحث في تشكّل الأفكار، بما فيها الأفكار الخاطئة، ومصادره، بجهود فكر التنوير ضد الخرافة والدين والأفكار المسبقة، التي يمكن ربطها أيضًا بالتجريبية الإنكليزية، ولا سيما أفكار فرنسيس بيكون (Francis Bacon، 1561-1626) في كتابه المنطق الجديد. وربما نجد في نقده “الأوثان” أو “أصنام العقل” (Idols)، أو باللاتينية Idolum وهي المغالطات الرائجة التي تقود التفكير بعيدًا عن الحقيقة (مثل التحيز وتشوهات الهوى وتدخلات المصلحة والأفكار الشائعة التي تصنع أوهامَ الحقيقة) بدايات ما يمكن تسميته بنقد الأيديولوجيا بمعنى الوعي الزائف، مع أن المصطلح لم يكن معروفًا، واستخدامه الأول عند دو تراسي كان تسمية لعلم جديد هو علم الأفكار. ووجد بيكون علاج المغالطات في رد الأفكار إلى الإدراكات الحسية “تنقيةً” لها من المؤثرات السلبية. وقد تتبع جورج ليشتهايم (George Lichtheim، 1912-1973) جذور هذه النزعة عند بيكون والنزعة الشكية التي تقود إلى البدء من مبادئ يقينية عند ديكارت والانطلاق منها بمنهج الاستنباط الرياضي. وقد تحوَّل “الوثن” البيكوني إلى “الحكم المسبق” ((Préjugé) أو بالإنكليزية Prejudice)) عند مفكري التنوير مثل كوندياك ودولباك[43.
كان نابليون في مرحلته الثورية مؤيدًا لمعهد فرنسا، ولكنه انقلب عليه حين رأى من الضروري التحالف مع الكنيسة لكسب الفلاحين إلى جانب حكمه، فاستخدم المصطلح للقدح بالعلماء الذين ينشرون الشك وعدم الاستقرار، ووصفهم بالأيديولوجيين (Idéologues)، عادًا إياهم مجموعة من المثقفين المنفصلين عن الواقع وغير المسؤولين الذين يقوّضون الأخلاق والوطنية[44]. وللسخرية اتهمهم بتبني “الميتافيزيقا الغامضة”، التي يحاربونها في الواقع، وحمّلها مسؤولية علل فرنسا[45]. كان نابليون بذلك أول من استخدم المصطلح استخدامًا هجائيًا بقلب دلالته، إذ غدت الأيديولوجيا عنده الفلسفة المتعالمة التي تحرّض على التمرد بمحاولتها تقرير المبادئ السياسية بالتجريد العقلي وحده، وبالوعظ والإرشاد من دون التجربة السياسية والانخراط في الممارسة. ونتيجة لذلك، أطلقت عليه معاصرته مدام دي ستال، التي عدها المؤرخون مثقفة ليبرالية، صفة المصاب برهاب الأفكار (Ideophobe)[46]. بعد ذلك، استولت الماركسية على المصطلح مدة طويلة وإن تباين استخدامه من ماركس إلى إنغلز وبين الماركسيين أنفسهم.
يُعدّ كارل ماركس (Karl Marx، 1818-1883) المؤسس الأول لمبحث الأيديولوجيا، وهو الأساس الذي انطلقت منه جميع المقاربات اللاحقة، سواء بتبني مقاربته أو نقدها أو دحضها وتقديم مقاربة مختلفة أو مناقضة. والكتاب الذي يكثر اقتباسه بشأن موضوع الأيديولوجيا عند ماركس هو كتابه المشترك مع فريدريك إنغلز (Friedrich Engels، 1820-1895) في مناقشة زملائه السابقين (الهيغليين الشباب) الذين اتجهوا إلى تبني الديمقراطية والتنوير الفرنسي، أو المواقف الوجودية (من دون التسمية)، أو الليبرالية، والكتاب سجالي وهو بعنوان الأيديولوجيا الألمانية، ولم ينشره مؤلفاه. وقد طُبع ونُشر بعد وفاتهما بعقود عام 1932. شاب السجال فهم الأيديولوجيا التي نعت بها زملاءه السابقين، إذ وُظّف المصطلح في وصفهم (محاكاةً لهجاء نابليون لعلماء معهد فرنسا)، لأنهم توهموا أن معركة الأفكار كافية لتغيير الواقع[47]. لا يتضمن هذا الكتاب معالجة نسقية لمفهوم الأيديولوجيا، بل نجد أفكارًا في هذا الشأن في مواضع مختلفة من الكتاب غير المخصص للبحث في الموضوع، بل لمناقشة اليسار الهيغلي وطرح مقاربة مادية للتاريخ. ولذلك أيضًا، أمكن لباحثين ماركسيين نسب منظورات متعددة لماركس وإنغلز. فالأيديولوجيا عند ماركس بالمعنى السلبي هي الأفكار المهيمنة التي تمارس تضليلًا يخدم الطبقة المسيطرة اقتصاديًا، وهي أيضًا في وصف آخر محايد بنية فوقية قائمة في جميع المجتمعات، لأنها ببساطة أنماط الوعي القائمة المتأثرة بعلاقات الإنتاج السائدة في أي مجتمع.
ومع ذلك، فقد كرّست المقاربة الماركسية التي يمكن استخلاصها من كتاباته المختلفة- وهي المقاربة الكلاسيكية في مجال الأيديولوجيا- التداعيات السلبية للمفهوم مدة طويلة. ومع أنه لا ماركس ولا إنغلز خصص كتابًا أو حتى مقالًا لمفهوم الأيديولوجيا موضوعًا قائمًا بذاته، فإنه يمكن القول إن ماركس وإنغلز أوجدا هذا المجال، أي مبحث الأيديولوجيا، بسبب ما حظيت به كتاباتهما المتفرقة من دراسات، ولأن الماركسيين حوّلوا كل مصطلح استخدماه إلى مفهوم تحليلي وناقشوه وتداولوه. وقبل استخدامهما له ضمن مناقشة مواضيع أخرى، كانت الأيديولوجيا مصطلحًا هامشيًا لا يُعرف الكثير عن استخدامه بعد دو تراسي.
وقد انطلقا من أن الأيديولوجيا هي انعكاس مشوه للبنية الاجتماعية القائمة: “إذا كان الناس وعلاقاتهم، في الأيديولوجيا بأكملها، يظهرون مقلوبين رأسًا على عقب […] فإن هذه الظاهرة تنشأ من صيرورة حياتهم التاريخية تمامًا كما ينجم انعكاس الأشياء على شبكية العين من طبيعتها المادية المباشرة”[48].. ويتابع ماركس وإنغلز من دون وضع حدود واضحة لمفهوم الأيديولوجيا، فهي هنا الدين والأخلاق والفلسفة التي يميزانها عن “أشكال الوعي المقابلة لها”، قائلين إن ليس للأيديولوجيا تاريخ مستقل خاص بها، بل إنها متعلّقة بتطور الحياة المادية: “لم تعد الأخلاق والدين والميتافيزيقا وغيرها من الأيديولوجيات، إلى جانب أشكال الوعي المقابلة لها، تحتفظ بمظهر الاستقلال. فلا تاريخ أو تطور خاص بها؛ بل إن البشر، مع تطور إنتاجهم المادي، وعلاقات التبادل المادية فيما بينهم، يغيّرون تفكيرهم ونواتج تفكيرهم تبعًا لهذا الواقع. فالوعي لا يحدّد الحياة، بل الحياة هي التي تحدّد الوعي. من المنظور الأول، ينطلق المرء من الوعي بوصفه الفرد الحي، أما من المنظور الثاني، الموافق للحياة الواقعية، فينطلق من الأفراد الأحياء أنفسهم، ويُعتبر الوعي مجرد وعيهم”[49]. لاحظ أن الأخلاق والدين والميتافيزيقا تُعدّ عندهما أيديولوجيا، ما يدل على أنهما لم يعملا في ذلك الكتاب على تحديد المفهوم، وظل مصطلحًا جامعًا لأنماط الوعي بوصفها بنية فوقية للمجتمع.
لم يعالج ماركس الأسباب الطبيعية المتعلقة بالدماغ البشري وطبيعة الحواس، كما كانت نية التنويريين الفرنسيين، فالأهم بالنسبة له كان تشوّه الوعي والإدراك في ظل الواقع المنفصم الذي يعيشه الإنسان المغترب عن نتائج عمله في مجتمع طبقي يسود فيه تقسيم العمل. فالنتيجة تُصوَّر بوصفها سببًا، والعلاقات بين البشر تبدو وكأنها علاقات بين الأشياء، والظواهر التاريخية التي نشأت حديثًا (مثل الفرد وتسليع المنتجات) تظهر وكأنها طبيعية وأبدية، والقيم اللازمة للتبادل في السوق ولتمكين العامل من بيع قوة عمله تُسمى حرية، فيبدو المجتمع الرأسمالي وكأنه مجتمع حر. هكذا رأى ماركس الأيديولوجيا بوصفها شكلًا من أشكال الوعي المنتمي للبنية الفوقية للمجتمع التي تقوم على قاعدة علاقات الإنتاج السائدة. إنها رؤية للعلاقات الاجتماعية من منطلق مصالح الطبقة السائدة، وهي بذلك تضلّل بقية الفئات الاجتماعية إذ تقدم لها منظورًا في رؤية الواقع يخدم مصلحة الطبقة المسيطرة.
بعد أن كان ديمقراطيًا راديكاليًا مثاليًا في كتابات الشباب ولا سيما المخطوطات الاقتصادية والفلسفية التي شدّد فيها على جوهر الإنسان وهو الحرية، التي تتحقق عندما يحقق ذاته بإنهاء تقسيم العمل وإلغاء الملكية الخاصة وزوال حالة الاغتراب، أو الاستلاب، اتجه ماركس أكثر فأكثر إلى التركيز على العلاقات الاجتماعية الاقتصادية السائدة. وفي كتاب الأيديولوجيا الألمانية يسخر من الهيغليين اليساريين المتحدثين عن “طبيعة إنسانية” و”إنسان عام لا ينتمي إلى طبقة ولا واقع له إلا في مملكة الفنتازيا الفلسفية”، وما الفرد المجرد والإنسان العالم إلا تعميم عن البرجوازي. والأيديولوجيا البرجوازية توهم المستغَلّين أنهم أفراد أحرار وذوات مستقلة. وفي مقدمة رأس المال، يصرح ماركس بوضوح بأنه لا يجمِّل الرأسمالي ومالك الأرض، إذ لا يتعامل مع الأفراد إلا بوصفهم تجسيدًا لمقولات اقتصادية وعلاقات ومصالح طبقية: “لا أسعى بأي حال من الأحوال إلى تصوير الرأسماليين وملاك الأراضي بصورة مثالية. فهم أفرادٌ فقط بقدر ما يمثلون فئات اقتصادية، وحاملون لعلاقات ومصالح طبقية محدّدة. ومن وجهة نظري، التي تعتبر تطور التكوين الاجتماعي الاقتصادي عملية تاريخية طبيعية، لا يمكن تحميل الفرد مسؤولية الظروف التي تجعله كائنًا اجتماعيًا، مهما حاول أن يرفع نفسه فوقها”[50].
رأى ماركس أن الأيديولوجيا تمثّل شكلًا من أشكال الإدراك للواقع يخفي طبيعته الحقيقية، مؤكدًا أن هذا التشوّه ليس عشوائيًا، بل مرتبطًا بالبنية الطبقية، إذ تنتِج الطبقة المسيطرة الأفكار التي تهيمن على المجتمع. فـ “الأفكار السائدة في كل عصر هي أفكار الطبقة السائدة”. وخلافًا لما هو رائج لم يستخدم ماركس عبارة “الوعي الزائف” في وصف الأيديولوجيا، بل فعل ذلك إنغلز الذي فسر الوعي الزائف بعدم معرفة المفكر الذي يُنتج الأيديولوجيا بالدوافع المحركة له، ولو كان يدركها لما حصلت “صيرورة أيديولوجية”[51]. وكان إنغلز قد استخدم الأيديولوجيا بوصفها عكسًا أو قلبًا للعلاقات الواقعية في الوعي، وأنها تعمل ما دامت عملية التشويه هذه غير مدرَكة: “إنّ انعكاس الظروف الاقتصادية كمبادئ قانونية هو بالضرورة عملية قلب أيضًا. فهو يحدث دون وعي من الفاعلين؛ إذ يتخيّل الحقوقي نفسه يعمل وفقًا لمبادئ مسبقة، بينما هي في الواقع مجرّد انعكاسات للاقتصاد – وهكذا ينقلب كل شيء رأسًا على عقب. ويبدو لي جليًا أن هذا الانقلاب، الذي يشكّل ما نسمّيه الرؤية الإيديولوجية ما دام غير مُدرَك، له بدوره أثرٌ على الأساس الاقتصادي، إذ يمكنه تعديله ضمن حدود معينة”[52]. وقد عدّ الباحث جورج ليشتهايم رسالة إنغلز هذه مصدرًا لفهم الماركسية المتأخرة للأيديولوجيا بوصفها وعيًا زائفًا. وهي تعبِّر عن ارتداد إلى الحتمية (Determinism) المتمثلة في النزعة الوضعية التي اتجهت نحوها الماركسية بعد ماركس، والتي تؤمن بوجود حقيقة يمكن الوصول إليها في مقابل “الوعي الزائف”. ولم يكن ماركس يفكر على هذا النحو، فالمسألة عنده كانت مسألة وعي طبقي. والوعي الأصح والأبعد عن الأيديولوجيا هو ذلك المنسجم مع حركة التاريخ، ولكن ماركس ميّز بين العلم والأيديولوجيا، ولم تخطر بباله تسميات مثل “الاشتراكية العلمية” كالتي أطلقها لينين والماركسية السوڨياتية على أيديولوجيا الطبقة العاملة.
وفقًا لهذا التصور، تموّه الأيديولوجيا التناقضات الطبقية داخل المجتمع، فهي تُقدّم الواقع الاجتماعي، بما فيه من ظلم واستغلال، بوصفه معطى طبيعيًا أو حتميًا، ما يمنع إدراك طبيعته التاريخية[53]، وبذلك تُسهم في إعادة إنتاج النظام الاجتماعي القائم. إنها تقنّع مصالح خاصة وتدّعي أنها الحقيقة، كما في نقده فكرة “الحقوق الطبيعية” في مقالته عن المسألة اليهودية، فحرية العبادة والملكية “حقوق برجوازية” منجزة تاريخيًا تدّعي زورًا صلاحية كونية، والحرية الحقّة ليست حرية الملكية والدين، بل الحرية “من” الملكية والدين، أي من الأيديولوجيا. وكتب ماركس في الثامن عشر من برومير بالروح نفسها عن البرجوازية الصغيرة التي تعتقد أن “شروط انعتاقها الخاصة هي الشروط العامة التي بها وحدها يُنقذ المجتمع الحديث”[54]. هكذا تعمّم الأيديولوجيا التعبيرات عن مصلحة طبقة بعينها بحيث تظهر كأنها مصلحة المجتمع كله:
“إن أفكار الطبقة الحاكمة، في كل عصر، هي الأفكار السائدة؛ أي أن الطبقة التي تُهيمن على السلطة المادية للمجتمع هي في الوقت نفسه الطبقة التي تُهيمن على السلطة الفكرية. فالطبقة التي تمتلك وسائل الإنتاج المادي تمتلك أيضًا وسائل الإنتاج الفكري، وفي المتوسط، تخضع لها أفكار من يفتقرون إلى وسائل الإنتاج الفكري. إن الأفكار السائدة ليست سوى التعبير المثالي عن الظروف المادية السائدة، تلك الظروف التي تُفهم على أنها أفكار […] كما أن الأفراد الذين يُشكلون الطبقة الحاكمة يمتلكون الوعي، وبالتالي يُفكرون. وبما أنهم يحكمون كطبقة […] فهم يحكمون، من بين أمور أخرى، كمنتجين للأفكار، يُنظمون إنتاج وتوزيع أفكار عصرهم. ولذلك، فإن أفكارهم هي الأفكار السائدة في ذلك العصر. في وقت، على سبيل المثال، وفي بلد تتنافس فيه السلطة الملكية والأرستقراطية والبرجوازية على السيادة، حيث يجري تقسيم السلطة، ومن ثم تبرز عقيدة فصل السلطات كفكرة سائدة، ويُعلن عنها الآن على أنها قانون أبدي”[55].
ومن منظور معاصر، فسر الباحث ڤان دايك الوعي الزائف بأنه تمثلات اجتماعية لا تعكس المصالح “الموضوعية” للجماعة نتيجة مزيج من الجهل والتلاعب والامتثال والمصالح قصيرة الأمد، كما في تبني شرائح عمالية أيديولوجية السوق الليبرالية”[56]. خلافًا لفهم ديكارت وبيكون الأفكار المغلوطة من داخل عالم الأفكار نفسه، لم يفهم ماركس الأيديولوجيا من عالمها، عالم الفكر، بل من خلال ربطها بمتغير آخر، هو البنية الاقتصادية التي عدها البنية التحتية أو القاعدة التي تقوم عليها البنى السياسية والحقوقية وأنماط الوعي، إذ رأى أن نمط الإنتاج يحدد طبيعة البنية الفوقية للمجتمع، التي تشمل: القانون، والسياسة، والأيديولوجيا. وبذلك، تتحدّد الأيديولوجيا بالعلاقات الاقتصادية (علاقات الإنتاج بلغة ماركس)، وليست مستقلة عنها:
“ليس الوعي الإنساني هو ما يحدد وجود الإنسان، بل وجوده الاجتماعي هو ما يحدّد وعيه. ففي مرحلة معينة من تطوّرها، تتعارض قوى الإنتاج المادية للمجتمع مع علاقات الإنتاج القائمة، أو بتعبير قانوني بحت، مع علاقات الملكية التي كانت تعمل في إطارها حتى ذلك الحين. ومن أشكال تطور قوى الإنتاج، تتحول هذه العلاقات إلى قيود عليها. عندئذٍ يبدأ عصر الثورة الاجتماعية. ومع تغير الأساس الاقتصادي، ينهار البناء الضخم بأكمله، بسرعة متفاوتة. عند دراسة هذه التحولات، يجب التمييز دائمًا بين الاضطراب المادي في ظروف الإنتاج الاقتصادية، والذي يمكن رصده بدقة باستخدام العلوم الطبيعية، والأشكال القانونية والسياسية والدينية والفنية والفلسفية – باختصار، الأيديولوجية – التي يدرك الناس من خلالها هذا الصراع ويخوضونه. كما لا يمكن الحكم على هوية الفرد من خلال تصوره لذاته، كذلك لا يمكن الحكم على حقبة ثورية كهذه من خلال وعيها،بل يجب تفسير هذا الوعي من خلال تناقضات الحياة المادية، ومن خلال الصراع القائم بين قوى الإنتاج الاجتماعية وعلاقات الإنتاج [التشديد ليس من الأصل]”[57]. لاحظ درجة اتساع مفهوم الأيديولوجيا عنده في هذه الفقرة، إذ يشمل الأشكال القانونية والدينية والفنية والفلسفية التي يعي الناس من خلالها مرحلتهم، فهي عنده أنماط الوعي جميعها. ولا يمكن، وفقًا لماركس، الحكم على المرحلة من خلال هذا الوعي الذاتي للحقبة التاريخية، بل من خلال دراسة تناقضات الحياة المادية.
وقد كتب غرامشي بناء على الفقرة المقتبسة أعلاه من مقدمة مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي أن الأيديولوجيات عند ماركس ليست مظاهر وأوهامًا البتة، بل هي “واقع موضوعي وفاعل”، غاية الأمر في مادية ماركس التاريخية أنها ليست محرك التاريخ. وليست الأيديولوجيات هي ما يخلق الواقع الاجتماعي، بل الواقع الاجتماعي هو ما يخلق الأيديولوجيات. ويسوق غرامشي حجة شديدة التبسيط تتلخص بالسؤال: كيف كان يمكن لماركس أن يظن أن البنى الفوقية مظهر ووهم، مع أن نظرياته هي نفسها بنية فوقية؟ ثم يستند إلى مقدمة مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي، إذ ورد أن البشر يعون مهماتهم على الأرض الأيديولوجية للبنى الفوقية، وهو تأكيد لـ “واقعية” المجال الأيديولوجي. ويحدّد أن ماركس لا ينكر واقعية الأيديولوجيات المعادية، بل يدحضها بوصفها أدوات للسيطرة السياسية على بقية المجتمع، ويبيّن انعدام معناها لتناقضها مع الواقع الفعلي. “النقد الماركسي ليس نقدًا لـ’وهمية’ الأيديولوجيا بل لـ’وظيفتها’ وتناقضها الواقعي. وإن أصبح البشر واعين بمهمّتهم على أرض البنى الفوقية، فثمة ارتباط ضروري وحيوي بين البنية والبنى الفوقية، كالارتباط بين الجلد والهيكل العظمي في الجسد البشري. ومن السخف القول إن المرء ينتصب على جلده لا على هيكله، لكن ذلك لا يعني أن الجلد مجرد مظهر ووهم – إذ إن حال المسلوخ ليست سارّة”[58].
تكمن قوة طرح ماركس في ربط الأيديولوجيا بالبنية الاقتصادية، ولكنه رغم هذا، فإنه يواجه نقدًا أساسيًا يتمثل في الحتمية الاقتصادية، إذ يفترض علاقة سببية مباشرة بين الاقتصاد والفكر. كذلك يُقلّل من استقلالية الثقافة ودور الفاعلين في تشكيل الأيديولوجيا[59] لخص مايكل روزن مقاربات ماركس للأيديولوجية في خمسة نماذج:
الأول، نقد الدين على خطى لودڨيغ فويرباخ (Ludwig Feuerbach، 1804-1872) الذي عدّ الدين اغتراب الإنسان عن ذاته وإسقاط جوهره غير المتحقق في الأرض على السماء. والدين عند ماركس يؤدي ثلاث وظائف: عكس الواقع، وتبريره نظريًا، وتعويض الأفراد عمليًا بتحقيق الذات في عالم آخر، مع إقرار عابر غير مفسَّر بوظيفة احتجاجية[60]. الثاني، “نموذج الوعي المقلوب” في الأيديولوجية الألمانية. لكن روزن يرى أن النموذج يخفق لعجز موازاة الذهن/ المادة (انعكاس الواقع في الذهن) بحد ذاته عن تفسير الوعي المقلوب، ويرصد في الكتاب نفسه نموذجًا ثالثًا هو “نموذج المصالح”[61]، والمقصود هو تبرير المصالح الطبقية وتمثيلها. والرابعـ، “نموذج التناظر” بين البنية التحتية والبنية الفوقية المستمد من مقدمة عام 1859. وخلافًا للداروينية التي يُشبَّه بها النموذج التطوري الماركسي لتعاقب أنماط الإنتاج، يعوز النموذج الماركسي بيّنة كافية تسوّغ تبنّيه، في حين تستند نظرية داروين إلى الانتخاب الطبيعي، أي إن نموذج ماركس ظل نظريًا[62]. الخامس، “الجوهر والمظهر” المؤسَّس على تصور ماركس نفسه للعلم في كتاب رأس المال، إذ أكد أنه لولا انفصال المظهر الخارجي للظاهرة عن جوهرها لكان كل علم نافلًا[63].رغم هذه الانتقادات، تبقى مساهمة ماركس، ولا سيما ما عده روزن النموذج الرابع. وهو ليس نظرية في العلوم الطبيعية، بل نموذج تفسيري للتطورات التاريخية المهمة، ولا يبدو أنه فقد قيمته هذه. كذلك ربط الأيديولوجيا بالسلطة والتشديد على طابعها الطبقي وجعلها موضوعًا للتحليل الاجتماعي-الاقتصادي، بمعنى عدم قصر تحليلها على الديناميكيات الداخلية لعالم الفكر الإنساني، كلها أمور بدأها ماركس.
الأيديولوجيا عند الماركسيين
تفرعت خلال القرن العشرين تصورات ماركسية متعددة للأيديولوجيا، وقد غدا المفهوم مختلفًا عليه بين تأويلات ماركس المتنافسة (جورج لوكاش، أنطونيو غرامشي، ولوي ألتوسير) وتقاطعاتها مع الماركسية “الرسمية” السوڤياتية، بما في ذلك موقف لينين الذي تكرّس، والذي عدّ الأيديولوجيا وعيًا طبقيًا. وبهذا المعنى، فإن للبرجوازية أيديولوجيتها وكذلك للطبقة العاملة أيديولوجيتها التي يجب أن تعيها لكي تعرف مصالحها، وإلا فسوف تكون ضحية هيمنة الأيديولوجيا البرجوازية. وقد تبنى غرامشي هذه المقاربة اللينينية مع إضافة وزن أكبر للمثقفين في إنجاز هيمنة أيديولوجيا الطبقة العاملة وثقافتها قبل وصولها إلى الحكم وذلك من خلال العمل في مواجهة الأيديولوجيا البرجوازية في نطاق مؤسسات المجتمع المدني. ما أثار خلافًا، من ناحية أخرى، مع الفكرة اللينينية عن الطليعة الثورية التي تصنع الثورة، ولا تنتظر تحقيق هيمنة أيديولوجية، فهذه في نظر اللينينية ليست ممكنة في ظل سيطرة البرجوازية على الاقتصاد والدولة.
ووفقًا للينين في مقال من العام 1894، تنقسم “العلاقات الاجتماعية […] إلى مادية وأيديولوجية”، تشكّل الثانية “بنية فوقية على الأولى”[64]. هكذا فهم لينين المادية التاريخية، ولكن هذا يعني أن كل ما ليس علاقات مادية هو علاقات أيديولوجية. وهذا تضخيمٌ لمفهوم الأيديولوجيا يتّضح إذا أُخذ بالحسبان تشديده اللاحق في كتاب ما العمل؟ من العام 1902 على أنه لا توجد أيديولوجيا غير طبقية: “في مجتمع تمزقه التناحرات الطبقية، لا يمكن أبدًا أن توجد أيديولوجيا لا-طبقية أو فوق-طبقية […] فإما أيديولوجيا برجوازية وإما أيديولوجيا اشتراكية. لا طريق وسطًا […] فالبشرية لم تخلق أيديولوجيا ‘ثالثة'”[65]. وهذا يعني أن عالم الأفكار بأسره ينقسم طبقيًا. وقد فسح هذا النوع من التفكير في المجال لاستقطاب الفكر والأدب والفن والدين وحتى العلم وتحزيبهم: “لا يمكن أن يوجد علم اجتماعي ‘محايد’ في مجتمع قائم على الصراع الطبقي”[66]..
عمومًا، وضعت هذه النزعة الأساس لدوغمائية لاحقة قسَّمت كلّ فكر، بما في ذلك العلوم الاجتماعية والأدب والفن وحتى الموسيقى، إلى برجوازي وبروليتاري في المرحلة الستالينية. وتناسب مع ذلك توسيع مفهوم الأيديولوجيا (الطبقي في تعريفه) ليشمل جميع هذه المجالات. وأصبح هناك من هذا المنظور أيديولوجيا علمية وأخرى غير علمية. وفي كتاب لينين الفلسفي بعنوان المادية والنقد التجريبي طرح نظرية مادية في العلم، متبنيًا منهجًا عدّه النقاد بعيدًا كل البعد عن منهج ماركس. ووفقًا له بما أن “المعرفة ليست انعكاسًا بسيطًا ولا مباشرًا ولا كاملًا” ينشأ احتمال الانطباع الزائف، “كل أيديولوجيا مشروطة تاريخيًا، لكن الصحيح دون شرط أن كل أيديولوجيا علمية (بخلاف الأيديولوجيا الدينية مثلًا) تقابلها حقيقة موضوعية”، مع بقاء العلم الاجتماعي طبقيًا إذ “لا علم اجتماعيًا ‘محايدًا’ في مجتمع قائم على الصراع الطبقي”[67]. الأيأديولوجيا العلمية، وفقًا للينين، تعكس حقيقة موضوعية، خلافًا للأيديولوجيا غير العلمية، مثل الدين. ما كان هذا التقسيم إلى أيديولوجيا علمية وغير علمية ليخطر ببال ماركس وإنغلز.
رصد ديڨيد مكليلان (David McLellan، 1940- ) ثلاثة تطورات كبرى بعد ماركس، وهي: تبسيط الأممية الثانية الذي تمسك بتعريف الأيديولوجيا بوصفها وعيًا زائفًا، وتجريد لينين المفهوم من شحنته السلبية بنسب أيديولوجيا ثورية (بل حتى علمية) للطبقة العاملة، ثم إعلاء الماركسية الغربية شأن الأيديولوجيا قوةً مستقلة بعد إخفاق الثورة في الغرب. فعند إنغلز، الذي نظّم الماركسية وبسّطها، تنفصل العلاقات الاقتصادية والسياسية والأيديولوجية مع تحديد الاقتصاد للسياسة والأيديولوجيا (مع التشدد على أن هذا يحصل في نهاية المطاف)، وتُبنى تراتبية للأيديولوجيات تكون فيها الأفكار أكثف أدلجة كلما “حلّقت أعلى” بعيدًا من الأساس المادي كالدين والفلسفة[68].. وزيف الأيديولوجيا عند إنغلز مرتبط بالجهل، بجهل المفكر بالقوى الفعلية الدافعة أو المحركة له، وهي معالجة يعُدّها مكليلان نكوصًا عن ماركس لإهمالها قوة الأيديولوجيا ودهاءها. وكان إدوارد برنشتاين (Eduard Bernstein، 1850-1932)، أحد أهم منظري الأممية الثانية قبل أن ينشق عنها، أول من أعلن أن الماركسية ذاتها أيديولوجيا، بحجة مفادها أن الأفكار أيديولوجية بالتعريف[69].
.
وسّع أنطونيو غرامشي (Antonio Gramsci، 1891-1937) المفهوم ليشمل الدين و”الحس المشترك” والفولكلور، مميزًا الأيديولوجيات “العضوية” الضرورية لبنية طبقية ما من الأيديولوجيات الاعتباطية. وربط الأيديولوجيا بمفهوم “الهيمنة”، فسيادة الطبقة تتحقق بتحقيق المقبولية من خلال المجتمع المدني، ولا ثورة بروليتارية من دون بناء هيمنة أيديولوجية مضادة للهيمنة البرجوازية[70]. شدّد غرامشي الهيمنة الأيديولوجية بصفتها تنسيقًا للمصالح وتعبيراتها في عالم الأفكار، ما ينتِج توازنًا وتسوية تستوعب الطبقات المحكومة، وصاغ فهم الأيديولوجيا بوصفها “ممارسة فكرية” متجذرة في الأنشطة الملموسة كالتصويت والتسوّق، رافضًا فصل التفكير عن الفعل[71].
انشغل غرامشي مبكرًا بمسألة الثقافة، وبما أنه كان قائدًا حزبيًا ومثقفًا في الوقت ذاته، فقد درس مستلزمات العمل السياسي والثورة العمالية، ورأى أن كل ثورة يسبقها “عمل مكثف من النقد والاختراق الثقافي ونشر الأفكار”، وهي الأطروحة التي تجعل الحقل الأيديولوجي-الثقافي ميدانًا للصراع لا مجرد انعكاس له[72]. وفي دفاتر السجن، وهي المرجع الرئيس لإنتاجه الفكري، لا توجد نظرية متكاملة في الأيديولوجيا، ولكن الموضوع أشغله فعلًا، وكان له أثر في دارسيه، ولا سيما الماركسيين منهم، وذلك لأنه أولى موضوع الثقافة والممارسة السياسية ودور المثقفين اهتمامه من منطلق ماركسي بعد أن كان مهملًا في هذا السياق. يصف غرامشي ملاحظاته صراحةً بأنها “مؤقتة” و”مذكرات سريعة” تحتاج إلى مراجعة[73]، وهذا ما يجعل كل تنظيم لها كأنها نظرية متكاملة إسقاطًا لاحقًا على نص لم يبلغ صيغته النهائية.
ويتضمن تحليله نقدًا ضمنيًا للحتمية الاقتصادية، مؤكدًا أن الطبقات المستغَلّة يمكن أن تحقق هيمنة أيديولوجية، ولا سيما في المجال الثقافي، قبل أن تصبح مسيطِرة وقبل أن تتغير علاقات الإنتاج السائدة. وقد قاس الهيمنة بقدرة طبقة على فرض رؤيتها للعالم بحيث تُصبح مسلّمًا بها وكأنها طبيعية. يعيد هذا المنظور تعريف الأيديولوجيا من كونها تشويهًا للواقع إلى كونها بناءً للواقع الاجتماعي[74]. ورأى غرامشي أن مجال الهيمنة الأيديولوجية هو مجال المجتمع المدني، من خلال مؤسسات مثل المدرسة والكنيسة والإعلام، وبفاعليتها في هذا المجال تصبح الهيمنة عملية يومية يُعاد إنتاجها باستمرار. وهي لا تُفرَض بوصفها نظرية، بل تتجسّد في شكل اعتقادات ومسلّمات، غير مدرَكة أحيانًا[75] وتكمن أهميته ضمن التقليد الماركسي في تحرير الأيديولوجيا من الحتمية الاقتصادية، وربطها بالثقافة اليومية، وكشف دور الرضا ومقبولية الأيديولوجية المهيمنة في استمرارية السلطة. ويمكن تعريفها عنده بوصفها نظامًا فكريًا أو ثقافيًا للهيمنة يعمل عبر إنتاج القبول داخل المجتمع المدني. الأيديولوجيا عنده هي آلية إنتاج القبول الذي يجعل الهيمنة ممكنة.
تجاوز غرامشي ثنائية الوعي الزائف/ العلم نحو معيار وظيفي-تاريخي، وهو مدى فاعلية الأيديولوجيا في تنظيم الكتل الاجتماعية المؤهلة لإحداث التغيير. كذلك أفرد دورًا للمثقفين لم يكن مألوفًا في الفكر الماركسي الذي كان يشدّد أساسًا على الطبقات الاقتصادية، ومع أن هذا الفكر كان قد توصّل إلى ضرورة الحزب السياسي لتنظيم الطبقة العاملة، وأن وعي الأخيرة الطبقي يأتي من خارجها، ولا سيما من خلال المثقفين الملتزمين والطليعة الحزبية المنظمة، فإن دور المثقفين عمومًا ظلّ مهملًا. وعند غرامشي، اكتسب دور المثقفين أهمية. وهو، من منظوره، يزداد أهمية في دول أقل تطورًا حين لا يرتبط دافع التقدم بتطور اقتصادي محلي، بل يكون انعكاسًا لتطورات دولية “تدفع تياراتها الأيديولوجية إلى الأطراف”، فيصبح المثقفون هم الحاملين للأفكار الجديدة[76].
هل المثقفون مجموعة اجتماعية مستقلة أم إن لكل مجموعة اجتماعية فئتها من المثقفين؟ يجيب غرامشي بتقديم نمطين تاريخيين من المثقفين، فكل طبقة تنشأ على أساس موقع في عالم الإنتاج تجلب معها، فئة من المثقفين “تمنحها التجانس والوعي بوظيفتها؛ فالمقاول الرأسمالي يخلق معه الاقتصادي وعالِم الاقتصاد السياسي”. المثقف المرتبط بطبقة صاعدة من هذا النوع هو المثقف العضوي. من ناحية أخرى، هناك نوع من المثقفين لم تقطع استمراريته أعقد التحولات، ونموذجه رجال الدين الذين احتكروا طويلًا خدمات مهمة مثل توزيع الأيديولوجيا الدينية والخدمة في المدارس والتربية، والإسهام في تأويل العلم والفلسفة والأخلاق لجمهور المؤمنين، وهذا هو نموذج المثقف التقليدي[77]وقد توصل إلى أنه “يمكن، بل يجب، أن تكون ثمة هيمنة سياسية حتى قبل تولي السلطة”، ويربط ذلك بوجود مثقفين بالمعنى العضوي، أي ما سماه مثقفين عضويين، بحكم عضوية علاقتهم بالطبقات التي يعبّرون عنها[78]. وتجتذب الطبقة المسيطرة مثقفي الطبقات الأخرى اجتذابًا “تلقائيًا” ما دامت “تقدمية” تدفع المجتمع كله إلى الأمام، فإذا “استنفدت وظيفتها تفكّكت الكتلة الأيديولوجية، وأعقب التلقائيةَ القسرُ والإكراه، انتهاءً بالتدابير البوليسية الصريحة والانقلابات”[79]. فقيمة الأيديولوجيا عند غرامشي تكمن في قدرتها على لحم كتلة تاريخية لا من صدقها التمثيلي للواقع.
وميّز غرامشي بين الأيديولوجيا الحية (الواقعية) والميتة وفقًا للدور والسياق التاريخي، فأيديولوجيا اليعاقبة كانت في زمنها “واقعية إلى أقصى حد” لأنها حرّكت القوى الضرورية لبلوغ أهداف الثورة، ثم اقتُطعت من زمانها ومكانها فاختُزلت إلى ’شعاراتٍ’ “[…]، كلمات جوفاء بلا نفع”[80]. ويقدم إسهامًا مهمًا في نقد الدوغمائية بشرحه الاشتغال الداخلي للأيديولوجيا المتصلبة التي تصاغ في برنامج أيديولوجي مفصّل يستبق السياسة والجزئيات كلها. فالأيديولوجية لا يُفترض أن تُعنى بالتفاصيل، بل السياسة هي التي تفعل ذلك. لكن البرامج المفصلة والتجانس الأيديولوجي المطلق تحول اللغة السياسية إلى مجرد “رطانة”، وتصبح الحركة السياسية أشبه بفرقة دينية منشغلة بتأويلات لمقولاتها الأيديولوجية بلغتها ومصطلحاتها الخاصة بها. و”بتكرار الصيغ نفسها والقوالب الذهنية المتحجرة نفسها ينتهي المرء إلى التفكير على النحو نفسه لأنه يكفّ عن التفكير أصلًا”، حتى يغدو القادة آلات ناطقة بجُمَل مسبقة التركيب[81] أو ما يسمى في عصرنا كليشيهات.
لا يقدّم غرامشي تعريفًا كاملًا للأيديولوجيا، بل اشتغل عليها من ثلاث زوايا. فمن الزاوية التاريخية، ردّ المفهوم إلى المادية الفرنسية في القرن الثامن عشر، علم أصول الأفكار عند دو تراسي الذي سبق أن تُطُرِّق إليه[82]. ومن زاوية ثانية، جادل بينيديتو كروتشه (Benedetto Croce، 1866-1952) في مقاربته القائلة إن البنى الفوقية عند ماركس مجرد مظهر ووهم، مبيّنًا أن كروتشه استعاد الشقّ السالب وحده من النظرية الماركسية، في حين أن ماركس لم ينكر أن الأيديولوجيات “واقع موضوعي وفاعل”، وإن لم يعدّها محرك التاريخ[83]. وعلى صعيد ثالث، اقترح دراسة “البنية المادية للأيديولوجيا”، من الصحافة ودور النشر إلى المدارس والمكتبات والجمعيات، بل حتى العمارة وأسماء الشوارع، بوصفها معاقل الطبقة المسيطرة. ووسّع الدائرة لتشمل كل ما يؤثّر مباشرة أو مواربة في الرأي العام: المكتبات والمدارس والجمعيات والأندية، بل حتى العمارة وتخطيط الشوارع وتسمياتها. ومن هذه الزاوية، طرح فكرة “البنية المادية للأيديولوجيا”، إنها المؤسسات الأيديولوجية، فمثلًا، موقع الكنيسة في العالم الحديث لا يُفسَّر إلا بجهدها الدؤوب والصبور في ضمان التطوير المستمر لبنية قطاعها المؤسسي، وينطبق ذلك على المؤسسات الإعلامية والتربوية المعاصرة وغيرها. لا يقول غرامشي إن الأيديولوجيا “بنية تحتية”، بل يميّز بين البنية الاجتماعية والبنية الفوقية و”البنية المادية للبنية الفوقية”، أي إن المادية هنا صفة للحامل المؤسسي للأيديولوجيا لا للأيديولوجيا نفسها[84].
كتب غرامشي أن العلم بنية فوقية بدليل انكسافه في حقب كاملة، إذ طردته الأيديولوجيا الدينية المسيطرة. وأن علم العرب وتقنيّتهم كذلك بدَوا سحرًا في عيون مسيحيي العصر الوسيط. ومن ثمّ، لا يظهر العلم بوصفه معطًى موضوعيًا عاريًا، بل يظهر دومًا “مكتسيًا بأيديولوجيا”. لكن غرامشي يستدرك فيميّز طرحه هذا عن النسبوية، فقد أصبح من السهل نسبيًا فصل الواقعة الموضوعية عن منظومة الفرضيات غير المثبتة، بقبول الأولى ورفض الثانية من خلال عملية تجريد ملازمة للمنهج العلمي ذاته. وبذلك، يمكن لطبقة أن تستولي على علم طبقة أخرى من دون تبني أيديولوجيتها[85].وفي الحقيقة، ليس مهمًا أكانت العلوم الطبيعية جزءًا من القاعدة الاقتصادية أم بنية فوقية، مع أنها قوة إنتاج رئيسة في الحداثة، المهم تمييزها عن الأيديولوجيا. وقد تستخدم الأيديولوجيا اكتشافاتها. أما العلوم الاجتماعية، فمتداخلة مع الأيديولوجيا في تقاطعات عدة، وسبق أن تُطُرِّق لما يفرّق بينهما. وبالتأكيد لا يوجد علم خاص بكل طبقة أو فئة اجتماعية حتى “تستولي طبقة” على “علم طبقة أخرى”.
قدّم غرامشي في الدفتر الرابع من دفاتر السجن تعريفًا إجرائيًا للأيديولوجيا بفهمها بوصفها طورًا وسيطًا بين النظرية العامة والممارسة أو السياسة المباشرة[86]. وهذا التعريف يحدّد الأيديولوجيا بموقعها الوسيط لا بمضمونها. ووفقًا لتقديرنا فإن المقصود بالنظرية العامة هنا قد يكون فلسفة كما قد يكون نظرية في العلوم السياسية أو الاقتصاد، ولكنه فكّر بالماركسية باعتبارها تحتوي على مكوّنات علمية نظرية وأيديولوجية وسيطة توجِّه العمل السياسي، فمن دون التحول إلى “أيديولوجيات” لا تكتسب الفلسفات “الصلابة الغرانيتية المتعصبة” للمعتقدات الشعبية التي تعادل “قوى مادية”، أي لا تتحول الفلسفة إلى قوة مؤثرة إلا من خلال الأيديولوجيا. ومن ثمّ، فالتحول إلى أيديولوجيا ليس انحطاطًا للفلسفة، بل شرط فاعليتها التاريخية[87]. وقد انتبه غرامشي إلى أن الأيديولوجيات يمكن أن تؤدي دورًا وظيفيًا بديلًا من الدين، كما في حالات مثل وضعيّة أوغست كونت التي دفع منظّرها إلى تنظيم “أتباعها” في ما يشبه الكنيسة، والماسونية في أميركا اللاتينية، إذ مارستا دور ديانة البرجوازية الصغيرة الحضرية[88]. ويضيف غرامشي بُعدًا دوليًا مهملًا في القراءات الشائعة حينئذٍ، وهو أن الأيديولوجيا المولودة في بلد متقدم تنتشر في بلد أقل تقدّمًا وتؤثر في تركيبات القوى المحلية. والدين مثال دائم على هذه التوليفات الأيديولوجية-السياسية الوطنية-الدولية، وإلى جانبه التشكيلات الدولية الأخرى (الماسونية، واليهود، ونادي الروتاري، والدبلوماسيون) التي يدرجها غرامشي كلها تحت “فئة المثقفين العامة”، ووظيفتها التوسّط في إيجاد تسويات بين المتناقضات الكبرى (ويُفترض هنا أن يُتذكَّر أن سياق إنتاجه هو المرحلة التاريخية بين الحربين الأولى والثانية)[89].
مثلما ميّز غرامشي بين المثقف العضوي والتقليدي، فقد ميّز أيضًا بين أيديولوجيا عضوية وأخرى اعتباطية. ووفقًا له، يُطلَق مصطلح الأيديولوجيا في آن واحد على “البنية الفوقية الضرورية” لبنية تحتية معيّنة، وعلى التخريجات الاعتباطية لأفراد بعينهم. ومن هذا الالتباس، شاع المعنى السلبي للمصطلح، وحُرِّف بذلك التحليل النظري لمفهوم الأيديولوجيا ذاته وفسد. للأيديولوجيا العضوية ضرورتها التاريخية، وصلاحيتها الناجمة عن هذه الضرورة، فهي تعبِّئ الجماهير وتنظّمها، وتشكّل الأرضية التي يتحرك عليها البشر، ويكتسبون الوعي بموقعهم الطبقي ويخوضون صراعهم[90].. الخيارات الأيديولوجية هي خيارات عملية-سياسية، وبذلك أيضًا تتميز عن العلم[91]. وإن اختبار صدق الأيديولوجيا هو فاعليتها التنظيمية التاريخية.
ألتوسير: أبدية الأيديولوجيا والقطيعة الإبستيمولوجية بينها وبين العلم
اعتبر لوي ألتوسير (Louis Althusser، 1918-1990)، الذي يُعَدّ أبرز ممثّلي ما اصطُلح عليه “الماركسية البنيوية” في ستينيات القرن العشرين وسبعينياته، أن الأيديولوجيا بالمعنى العام للمصطلح وهم خالص، و”أن لا تاريخ لها”، لأنها بنية أبدية عابرة للتاريخ، تشبه في ذلك بنية لاوعي الإنسان عند فرويد[92]. لخّص ألتوسير فهم ماركس في كتاب الأيديولوجيا الألمانية بأن “الأيديولوجيا هي نسق الأفكار والتمثلات التي تهيمن على ذهن إنسان أو جماعة اجتماعية”[93]. ووظّف هذا التعريف بوصفه نقطة انطلاق، وعدّه وصفًا أوليًا لهيمنة “التمثلات” (Representations)، ثم تجاوزه لأنه يُبقي الأيديولوجيا في حيز الأفكار، في حين تقتضي نظريته نقلها إلى فضاء الأجهزة والممارسة. وفنّد تأويلين للتشويه الأيديولوجي، وهما تفسير فكر التنوير في القرن الثامن عشر الذي قارب الخرافات والأباطيل باعتبارها ناجمةً عن التضليل الذي يمارسه رجال الدين والملوك الطغاة، وتفسير لودڤيغ فويرباخ وماركس الشاب لتشويه الوعي، فهو عندهما ناجم عن اغتراب الإنسان عن جوهره الإنساني الناجم بدوره عن اغتراب الإنسان عن شروط الوجود الإنساني بعد نشوء الملكية الخاصة وتقسيم العمل.
وفي قلب التحول الذي أحدثه ألتوسير في الفكر الماركسي، تبرز فكرة أن الأيديولوجيا لا تتسرب إلى وعي الأفراد وتهيمن عليهم فحسب، بل تُنتجهم بوصفهم ذواتًا، أي إنها تشكّل إدراكهم لأنفسهم وللعالم[94]. وبذلك، لا تعود مجرد خطاب، بل بنية إنتاج للفاعلية الإنسانية. كذلك استدعى تحليل الأيديولوجيا إدخال البعد المؤسسي، إذ لا تعمل الأيديولوجيا في الفراغ، بل من خلال أجهزة مثل الدولة، والمدرسة، والإعلام[95]. وفي هذا المجال، تابع ألتوسير ما بدأه غرامشي.
انطلق ألتوسير من نقد تضخم “النزعة الإنسانية الاشتراكية” عند الماركسيين في المرحلة التي تلت المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوڨييتي (1956) الذي راجع النهج الستاليني وتقديس شخصية ستالين نقديًا. ومن ضمن النزعة الإنسانية، كانت العودة إلى كتابات ماركس الشاب، التي قسمها إلى مرحلتين، وهما: مرحلة أولى (1840-1842) حكمتها نزعة إنسانية عقلانية-ليبرالية، ومرحلة ثانية (1842-1845) حَكَمتها النزعة الإنسانية “الجماعتية”، ثم جاءت قطيعة 1845 بتأسيس علمٍ للتاريخ على أساس الصراع الطبقي، والانتقال من تشكيلة اجتماعية-اقتصادية إلى أخرى من خلال جدلية قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج. ومن هنا، إصراره على الإنتاج العلمي لماركس الناضج، مع اعتراف مشروط بالنزعة الإنسانية بوصفها أيديولوجيا، فالمخطوطات الاقتصادية والفلسفية لماركس الشاب هي عبارة عن نص أيديولوجي رغم التزامه الشيوعي[96].
ميز ألتوسير بين مرحلة ماركس الإنسانوية، أي مرحلة الشباب، المتأثرة بفويرباخ ونقد العلاقات الاجتماعية والدين من منظور نظرية الاغتراب الإنساني عمومًا من جهة، ومرحلة نضجه التي وضع فيها نظرية التاريخ والصراع الطبقي ونظريته في رأس المال، التي عدّها ألتوسير نظريات علمية منقطعة إبستيمولوجيًا عن مرحلته الأولى من جهة أخرى[97].والعلم عنده عملية بُنيوية، أو صيرورة بنى بلا ذات. وعلم التاريخ بوصفه تاريخًا للصراع الطبقي، هو علم “لا يُحتمل” من البرجوازية لأنه يكشف آليات الاستغلال والقمع والهيمنة في الاقتصاد والسياسة والأيديولوجيا[98]. وتقوم مقاربته الموضوع على أطروحتين، وهما: 1. الأيديولوجيا “تمثّل العلاقة المتخيَّلة للأفراد بشروط وجودهم الواقعية”[99]
؛ 2. للأيديولوجيا وجود مادي متجسد في ممارسات وطقوس تنظّمها مؤسسات وأجهزة، وهي في الحداثة أجهزة الدولة[100].. والذات البشرية وأحكامها المسبقة في مقاربة الموضوعات هي نتاج هذين العاملين.
ووفقًا لمقاربة ماركس في رأس المال، فإن الأمر الرئيس في صيرورة أي نمط إنتاج هو إعادة إنتاج شروط وجوده، التي تشمل إعادة إنتاج وسائل الإنتاج. لكن الحاسم نظريًا هو إعادة إنتاج قوة العمل، فالأجر الذي يتقاضاه العامل يتيح له إعادة تكوين نفسه وتربية أبنائه بوصفهم قوة عمل مقبلة. غير أن قوة العمل يجب أن تكون مؤهَّلة، ويجري هذا التأهيل في المدرسة أساسًا، والمدرسة لا تعلّم مهارات فحسب، بل تعيد إنتاج خضوع العمال للأيديولوجيا السائدة، وإعادة إنتاج القدرة على تشغيل هذه الأيديولوجيا لدى الأجهزة الأيديولوجية، فإعادة إنتاج قوة العمل تجري من خلال الإخضاع الأيديولوجي وفي ظله[101]
ويستعيد ألتوسير الاستعارة الطوبوغرافية الماركسية للبناء الاجتماعي بقاعدة اقتصادية يعلوها “طابقان” أو “دَوران” فوقيان (القانوني-السياسي، والأيديولوجي)، مع اتفاقه مع غرامشي على “الاستقلال النسبي” للبنية الفوقية وفعلها الارتدادي على القاعدة. لكنه يقترح تجاوز الطابع الوصفي التصويري للاستعارة بالتفكير في البنية الفوقية من زاوية إعادة إنتاج المنظومة الاجتماعية، أو النظام الاجتماعي[102].
رفض ألتوسير مقولة “الوعي الزائف” في فهم الأيديولوجيا. ويقوم تصوره على تعريفها بأنها “منظومة تمثّلات” –صور وأساطير وأفكار– ذات وجود ووظيفة تاريخيَّيْن، تتميز من العلم بغلبة وظيفتها العملية-الاجتماعية على وظيفتها المعرفية. وبالاستناد إلى تقسيم فريدريش إنغلز يدرّجها مستوى ثالثًا فوق الاقتصاد والسياسة في الكلية الاجتماعية التي تشمل البنية التحتية والبنية الفوقية. وهي بنية عضوية ضرورية قائمة في المجتمعات كافة، بما فيها المجتمع الشيوعي المفترض، لا انحرافًا عارضًا في التاريخ يزول بزوال الطبقات. وهي عنده لاشعورية، علاقة “معيشة” ومتخيلة يقيمها البشر مع شروط وجودهم الواقعية. كذلك يرفض التصور الأداتي للأيديولوجيا، فالطبقة السائدة لا تستخدمها كأنها أداة، بل هي نفسها أسيرة أيديولوجيتها[103]. وهكذا، اتّبع ألتوسير مسارين منفصلين للتحليل، يبدأ الأول بطرح وظيفي يجعل الأيديولوجيا شرطًا لحياة المجتمعات، وينحو الثاني منحى إبستيمولوجيًا يقابلها بالعلم في قطيعة كاملة بينهما.
وأضاف ألتوسير فكرة “أجهزة الدولة الأيديولوجية” إلى نظرية ماركس مقتبسًا أنطونيو غرامشي بوصفه الماركسي الذي تقدّم خطوات على هذا الطريق حين ضم إلى مجال الهيمنة الأيديولوجية مؤسسات من “المجتمع المدني” كالكنيسة والمدارس والنقابات، و”إن لم يمنهج حدوسه هذه”. وهو يشير إلى التعددية الظاهرة لهذه الأجهزة الدينية والمدرسية والعائلية والقانونية والسياسية والنقابية والإعلامية والثقافية في مقابل جهاز الدولة القمعي الواحد، وإلى انتمائها الظاهري إلى “الحيز الخاص”، وهو تمييز برجوازي داخلي لا يلغي كونها أجهزة دولة[104]. ولأنها متعددة و”مستقلة نسبيًا”، تشكّل أجهزة الدولة الأيديولوجية “موقعًا ورهانًا” للصراع الطبقي في آن، إذ تستطيع الطبقات المستغَلّة أن تجد فيها مساحة للمقاومة[105. وتؤمِّن سلطة الدولة عملية إعادة إنتاج علاقات الإنتاج، في القسم الأعظم منها، من خلال الجهاز القمعي وأجهزة الدولة الأيديولوجية معًا، إذ يضمن الأول بالقوة الشروطَ السياسية لاشتغال الثانية. والمهم في هذه الإضافة للماركسية، أن الأيديولوجية لم تعد مجرد بنية فوقية، بل أصبحت وفقًا لهذا النموذج جزءًا من الواقع الاجتماعي “المادي” ومن عملية إعادة إنتاجه، ولها بتعبير (لم يستخدمه ألتوسير) بنيتها التحتية المؤسسية. ورأى بول هيرست (Paul Hirst، 1946-2003) أن كتابات ألتوسير أحيت منطقة شبه ميتة في النظرية الماركسية بإحلاله تصوّرَ الأيديولوجيا بنيةً من العلاقات الاجتماعية لا تقل “واقعية” عن الاقتصادي والسياسي محلَّ تصوّرها انعكاسًا للواقع في الوعي، ومحل تصورها بوصفها وعيًا زائفًا[106]
وقد كتب ماركسيٌّ آخر بالروح نفسها رافضًا قصر الأيديولوجيا على الوظيفة التبريرية، فرفض نيكوس بولانتزاس (Nicos Poulantzas، 1936-1979) فصل أجهزة الدولة القمعية عن أجهزتها الأيديولوجية وردَّ كل شيء إلى التضليل وخداع الجماهير: “إن وجود الجانب التضليلي – الأيديولوجي لا يغيّر شيئًا من حقيقة أن الدولة تعمل باستمرار لإنتاج أساس مادي للإجماع الجماهيري حول السلطة، أساس لا يقبل الرد إلى مجرد دعاية بسيطة”، فالدولة تكثيف للعلاقات والصراعات الطبقية والتوازن بينها وبين السلطة، وجهاز مادي في آن[107]. من الأهمية بمكان، إدراك سعي الدول الدائم لخلق إجماع حولها، فدافعها من الاعتناء بالمؤسسات الأيديولوجية وتشغيلها هو خلق إجماع حول النظام القائم.
ويُذكَر أيضًا تأكيد بيير بورديو (Pierre Bourdieu، 1930-2002)، (مع أنه ناقد للماركسية ولألتوسير) على أن سرّ الطاعة التلقائية للحاكمين يكمن في أن المحكومين يفكرون في الدولة ببنى معرفية فرضتها الدولة نفسها، فهي بهذا المعنى أداة تكامل واندماج اجتماعيَّيْن لا يقومان على التضامن العاطفي فحسب، بل على تكامل البنى المعرفية والتقويمية[108]. وهذا قريب من كلام ألتوسير المفصل أعلاه، فهو إيجاز لدور الأجهزة الأيديولوجية في الدولة ومن خلالها، وإن كان بورديو لا يفضل استخدام المصطلح.
ومتأثرًا بالواقع الفرنسي وأهمية التعليم الرسمي في الجمهورية، حدّد ألتوسير الجهاز الأيديولوجي المسيطر في التشكيلات الرأسمالية الناضجة، إنه المدرسة. فقد حلّ في الحداثة الزوج “مدرسة-عائلة” محل الزوج “كنيسة-عائلة”، فالمدرسة تأخذ الأطفال من كل الطبقات في سن الحضانة وتلقّنهم سنوات طويلة مهارات مغلّفة بالأيديولوجيا السائدة، ثم تقذف بهم إلى مواقعهم في تقسيم العمل، مستغَلين، وخبراء وموظفين في جهاز الاستغلال، وعاملين في أجهزة القمع، ومحترفي أيديولوجيا[109]. والأيديولوجيا البرجوازية السائدة نفسها تصوّر المدرسة بيئةً محايدة منزوعة منها الأيديولوجيا، وهو التمثيل الذي يجعل المدرسة تبدو طبيعية ونافعة، وتُحجَب وظيفتها بوصفها الجهاز الأيديولوجي المسيطر[110]. تشتغل الأيديولوجيا بإنتاج المسلّمات، مثل مسلّمة أننا ذوات حرة.
عرّف ألتوسير الأيديولوجيا بأنها منظومة تمثلات ذات وجود ووظيفة تاريخيَّيْن داخل مجتمع معين (ولها منطقها وصرامتها الخاصان)، تتغلب فيها الوظيفة العملية-الاجتماعية على الوظيفة المعرفية. تولّدها المنظومات الاجتماعية المختلفة، وتحتاجها المجتمعات كالهواء، ولا يمكن حتى للمجتمع الشيوعي الاستغناء عنها، فليست الأيديولوجيا انحرافًا عارضًا[111]. ووفقًا لخورخي لاراين فإن الأيديولوجيا عند ألتوسير “إسمنت” يؤمّن تماسك البشر في أدوارهم، وهي بذلك سمة بنيوية لكل مجتمع على الرغم من الانقسام الطبقي، وتبقى بعده[112].
مانهايم: مغادرة الفهم الماركسي للأيديولوجيا إلى سوسيولوجيا المعرفة
مثل غرامشي وألتوسير انطلق كارل مانهايم (Karl Mannheim، 1893-1947) من مقدمات ماركسية واستخلص أن كل بيئة اجتماعية في مرحلة تاريخية ما تولِّد أيديولوجيا. مضيفًا مفهوم “اليوتوبيا” التي لا يستخدمها بالمعنى المألوف لتصور مجتمع مثالي أو دولة فاضلة في “لا-مكان”، بل لرؤية رافضة للوضع القائم وتطرح بديلًا جذريًا منه، فتمثل بذلك رؤية الجماعات المقهورة للمستقبل. يسبب هذا الاستخدام غير المألوف لمصطلح اليوتوبيا بعض الارتباك في فهم أفكاره، فثمة عناصر يوتوبية في أيديولوجيا الجماعات المقهورة التي تتطلع إلى مجتمع أفضل، ويتغلب العنصر اليوتوبي على الأيديولوجي حين لا يكون تحقيق الأول ممكنًا في ظل النظام الاجتماعي-السياسي القائم، أي يصبح تحقيقه مرهونًا بتغيير النظام، أما إذا أصبحت تطلعات هذه الجماعات قابلة للتنفيذ ضمن النظام القائم، فإنها تصبح جزءًا من عملية إعادة إنتاجه لنفسه، وقد تبرره، أي تصبح أيديولوجيا.
وتتلخّص “مفارقة مانهايم” بأن فضح أي موقف أيديولوجي يجري من موقع أيديولوجي، وهو استنتاج يمكن أن يؤدي إلى النسبوية، ما يستدعي علم سوسيولوجيا المعرفة للتغلب على هذا الاحتمال الماثل دائمًا. في هذا العلم، تُستبدل “العلائقية” أو “الارتباطية” (Relationism) بالنسبية، وتُناط مهمة تأويل العالم بإنتلجنسيا متحررة قادرة على التسامي فوق سياقها الطبقي.
انشغل مانهايم بظاهرة الأيديولوجيا ذاتها، واعتبر هذا الانشغال من أهم مهمات علم اجتماع المعرفة، ولكنه بيّن صراحةً أن دافعه الرئيس لذلك كان سياسيًا، “كان الدافع الأصلي للقيام بالبحث في مشكلة الأيديولوجيا نابعًا من الحياة السياسية ذاتها في أحدث تطوراتها”[113]. وقد كتب في ظروف صعود الفاشية في إيطاليا واحتدام الصراع بين الاشتراكية والليبرالية والنازية في ألمانيا. وكان مقتنعًا تمامًا أن خلف سياسات الأحزاب أيديولوجيات، أي بكلمات أبسط رؤى شاملة للعالم.
وفي دراسته، ميّز بين المفهوم الجزئي، الذي يغطي قطاعًا من فكر الخصم بالنسبة للناظر، أو فكر الخصم برمّته، على نحو قريب من “الوعي الزائف” الماركسي، ولكنه مرتبط بالفرد حين لا يكون واعيًا لأسباب مغالطاته وحتى كذبه، من جهة، والمفهوم الكلي الذي يشمل فكر فئة أو طبقة، أو حتى الفكر الإنساني في مرحلة ما من جهة أخرى. ورأى من الضروري في نقد الأيديولوجيا إخضاع فكر الذات نفسها للتحليل، والانتقال بذلك من البحث في الأيديولوجيا إلى سوسيولوجيا المعرفة التي تنطلق من أن لا فكر بشريًا محصنًا من التأدلج الناجم عن سياقه الاجتماعي. وهذا الجهد هو نوع من عودة إلى التقليد التنويري (سوسيولوجيا المعرفة بدلا من علم الأفكار).
الأيديولوجيا واليوتوبيا: مقدمة لعلم اجتماع المعرفة هو كتابه الذي يعالج هذا الموضوع باستفاضة، وقد صدر الأصل الألماني للكتاب سنة 1929، ثم صدرت الصيغة الإنكليزية الموسعة سنة 1936، حين كان مانهايم في منفاه في بريطانيا. وتقوم معالجته على تمييزين، وهما: 1. بين “المفهوم الجزئي” للأيديولوجيا الذي يدفع النقد إلى التشكيك في مضامين محددة من أقوال الخصم الحامل لهذه الأيديولوجيا، و”المفهوم الكلي” لها الذي يدفع إلى المقاربة التشكيكية بالبنية الذهنية الكاملة لعصر أو جماعة تاريخية-اجتماعية بما فيها جهازها المفهومي ذاته[114]. وقد لا يكون الفرد واعيًا لهذه البنية الذهنية، فضلًا عن كونها وليدة ظروف وبيئة اجتماعية أو مصالح طبقية. 2. ميز مانهايم بين “الصياغة الخاصة” التي تُخضع فكر الخصم وحده للتحليل، و”الصياغة العامة” التي تمتلك جرأة إخضاع جميع المواقف، بما فيها موقف المحلل نفسه، للتحليل[115]. وليس الكلي مؤلفًا من مجموع الجزئي، فهذا أمران مختلفان، أحدهما فردي يكاد يكون نفسيًا، والثاني يمثل بنية ذهنية وطريقة تفكير متأثرة بالظروف الاجتماعية التاريخية لفئة اجتماعية في مرحلة ما. ولا يشرح مانهايم كيف يؤثر فكر الفئة التي ينتمي إليها الفرد في فكر الفرد، ولكن من الواضح أن الأمر يمر من خلال الانتماء إلى هذه الفئة، والتعرض إلى طريقة التفكير أيضًا بوساطة مؤسسات أيديولوجية كما تناولها كل من غرامشي وألتوسير.
ويكمل مانهايم تحديد المفهوم بتمييز الأيديولوجيا عن “اليوتوبيا”، فكلتاهما متعالية على الواقع، لكن الأولى يمكنها أن تعمل في إطار النظام القائم سواء بنقده أو بتبريره، في حين الثانية تتطلّع إلى نظام مختلف جذريًا، وكذلك لها تأثير في تغيير النظام القائم، أي إن الموضوع لا يتعلق فقط بإسقاط رغبات على الواقع[116]. “وحين نقصر معنى لفظ يوتوبيا على ذلك النمط من التوجه الذي يتسامى على الأمر الواقع ويحطم في الوقت نفسه حدود النظام القائم، فإننا بذلك نميّز الحالة الذهنية اليوتوبية من الحالة الذهنية الأيديولوجية. ذلك أنه في وسع المرء أن يوجه نفسه نحو أشياء غريبة […] ومتسامية على الوجود الفعلي، ويظل رغم ذلك فعالًا في تحقيق نظام الأشياء القائم وصيانته”[117]ويتخذ كشف الأيديولوجيات، أو نزع الأقنعة المتبادل بين الأيديولوجيات صورة استيضاح ذاتي للمجتمع بأسره، أما الاختفاء التام للعنصر اليوتوبي فيفضي إلى حالة سكونية يصبح فيها الإنسان نفسه مجرد شيء، إذ يفقد مع التخلي عن اليوتوبيات إرادته في صنع التاريخ[118]. وهذا التمييز الأخير مناقض لوقائع مثل أن بعض الأيديولوجيات تتطلّع إلى التخلص من النظام القائم، وتتضمّن عناصر يوتوبية تدفع إلى عمل ثوري، وبعض الفكر اليوتوبي مسالم، تجسد في إنشاء جماعات منظمة تمارس ملكية مشتركة وتعيش نمط حياة مختلف في جزر اجتماعية في ظل النظام القائم كما في تجارب روبرت أوين والتجارب التي تأثرت بفكر تشارلز فورير (Charles Fourier)، وسان سيمون (Henri de Saint-Simon)، وإتيين كابي (Étienne Cabet). ولكن تعريف مانهايم لليوتوبيا غير مألوف، كما تبيّن أعلاه.
أوضح مانهايم السياق التاريخي الذي يكتب فيه، ويلفت النظر تأكيده “أن أحد الاتجاهات الأساسية في العالم المعاصر هو قيام يقظة تدريجية للوعي الطبقي في كل الطبقات”[119. وهذا يهم في فهم استمراره في ربط الأيديولوجيا بالطبقات، وإصراره على أن الاستقلالية الطبقية للمثقفين المناط بهم الاضطلاع بسوسيولوجيا المعرفة تمكّنهم من نقد الأيديولوجيات ورؤية الحقيقة النسبية في كل منها في الوقت ذاته. وتناولَ التيارات السياسية الكبرى كلها بوصفها أيديولوجيات بمقاربة محايدة غير هجائية، أي ليس بوصفها وعيًا زائفًا، مع أن الوعي الزائف والتضليلي يظهر في الأيديولوجيا الجزئية، ويتعرض للنقد والتكذيب. لكن تمييزه المبدئي بين الأيديولوجيا (المتعالية على الواقع لكن الفاعلة في إعادة إنتاج النظام القائم) واليوتوبيا (النافية للنظام) ناقض حكمه على الماركسية بوصفها أيديولوجيا[120]. ولكنه في موضع آخر، عدّ الفكر البروليتاري يوتوبيًا. فاستباقًا للغة كتاب مانهايم هذا كتب محرر مجموعة دراسات مانهايم من الأعوام 1923 و1929، أن مانهايم اعتبر أن الفكر المحافظ أيديولوجيّ بالماهية، إذ يتشبث بالماضي في الحاضر، أما الفكر البروليتاري فـ “يوتوبي” يتلمس عناصر المستقبل، والفكر البرجوازي انتقال بينهما[121].. وهو تبسيط اختزالي للغاية، وهذا عدا ربطه الفكر بالطبقات. والحقيقة أن مانهايم شخّص عناصر يوتوبية في الأيديولوجيا الصاعدة، ونزعة لدى اليوتوبيا للتحول إلى أيديولوجيا في ظروف معينة، مثلًا بعد وصول الحزب الذي يحملها إلى الحكم[122]. ولكنه، على كل حال رفض ادعاء الوعي الطبقي البروليتاري احتكار المعرفة، فكل موقع تاريخي يحوي قسطًا من الحقيقة، ولا تستنفد طبقة معنى الصيرورة التاريخية، ولا مطلق سوى التاريخ ذاته الذي تُدرَك حقيقته من منظور معين فحسب[123].
يحضر الإدراك الجزئي للأيديولوجيا حين يُرتاب في أفكار الخصم وتمثيلاته (يكرر مانهايم كلمة الخصم عدة مرات في هذا السياق، ومن الواضح أن في باله التعامل المتبادل بين الأحزاب الأيديولوجية الأوروبية المتخاصمة ذات الخلفيات الفكرية المختلفة) بوصفها تمويهات، واعية بدرجات متفاوتة، لطبيعة وضع حقيقي لا يتفق كشفه مع مصالحه، وهذا قد يشمل الكذب المقصود وكذلك خداع الذات، وربما كان هذا أصله التاريخي قبل أن يُسمّى أيديولوجيا. والمقاربة هي مقاربة سيكولوجيا المصالح التي تُرجِع أصل كذبة أو خداع ما إلى مصلحة ما، ويمكن أن تكون المقاربة فردية. أما الإدراك الكلي، فيحيل إلى أيديولوجيا عصر بأكمله أو رؤية العالم الشاملة التي ينسبها إلى جماعة تاريخية-اجتماعية كالطبقة، ولا تكون المقاربة هنا فردية، بل جماعية، وأيديولوجيا الجماعة ليست مجموع أفكار الأفراد. والمشترك بين التصورين أن كليهما لا يكتفي بما يقوله الخصم فعليًا، بل يرتد إلى الذات الحاملة للأفكار، فردًا كانت أم جماعة، فيفسرها من خلال الوضع الاجتماعي لقائلها[124]، أي إن الفكر في الحالتين مرتبط بالبيئة الاجتماعية. ويقتبس مانهايم هنا أطروحة كارل ماركس في كتابه بؤس الفلسفة في أن المقولات الاقتصادية ليست سوى تعبيرات نظرية عن علاقات الإنتاج الاجتماعية[125]. وصحيح أن ماركس بدأ التحليل السوسيولوجي للأيديولوجيا بردها إلى المصالح وغيرها، غير أن سلاح التحليل الأيديولوجي لم يعد من منظور مانهايم حكرًا على الفكر الاشتراكي، وأصبحت الفئات من جميع التيارات الفكرية تستخدم هذا النوع من النقد ضد بعضها[126].
إن مهمة دراسة الأيديولوجيات هي كشف التمويهات والخداعات الواعية نسبيًا لجماعات المصالح، وخصوصًا الأحزاب السياسية، في حين ينشغل علم اجتماع المعرفة بالطرائق المتباينة التي تتبدى بها الموضوعات للذات تبعًا لاختلاف الأطر الاجتماعية، لا بالتشويه المتعمد. وبمقتضى هذا التقسيم، يُترك لنظرية الأيديولوجيا التصور الجزئي وحده، أي الأقوال التي يرجع “زيفها” إلى خداع الذات أو الآخرين الذي يجري على مستوى نفسي ويشبه الكذب بنيويًا، في حين يستوعب علم اجتماع المعرفة التصور الكلي. ولأن شبهة التزييف غير مشمولة في هذا الأخير، يخلو استعماله لمصطلح الأيديولوجيا من أي قدح أو تجريح، بل يقترح مانهايم صراحة تجنب المصطلح داخل هذا العلم لما علق به من أحكام قيمة، والاستعاضة عنه بمصطلح “المنظور” (Perspective) الدال على نمط تصور الذات للأشياء كما يحدّده وضعها التاريخي والاجتماعي[127]. ويُشترَط لممارسة التحليل الأيديولوجي أن يُبحث عن مصدر اللا-صدقية في عامل اجتماعي لا في خداع فردي.
عرض مانهايم نظرية الأوثان أو أصنام العقل البشري عند بيكون، وهي أصنام القبيلة والسوق والكهف والمسرح، وفقًا لتسمياته المجازية، معتبرًا إياها إرهاصات نقد الأيديولوجيا من حيث إدراكها أن المجتمع والتقليد قد يكونان مصدرَي أخطاء الإدراك، مع نفيه وجود صلة تاريخية فعلية متصلة بينها وبين المفهوم الحديث[128]. والحقيقة، أنه ثمة صلة مباشرة بين تقاليد الفلسفة التجريبية الإنكليزية متمثلة بفكر بيكون ولوك وغيرهما (إضافة إلى عقلانية ديكارت) من جهة، ومفكري التنوير بمن فيهم مفكرو معهد فرنسا من جهة أخرى.
ويرصد مانهايم نشوء الحساسية السوسيولوجية لما يُسمى في العصر الحالي أيديولوجيا في الخبرة السياسية اليومية منذ أن ميّز عامة الناس من معاصري نيقولو مكياڤيلّي (Niccolò Machiavelli، 1469-1527) بين “كلام القصر وكلام الساحات العامة”. وقد حلل مكياڤيلّي تباين الآراء السياسية بردّه إلى تباين المصالح. وهو ما يمثل، بالنسبة إلى مانهايم، بداية التفتيش المنهجي عن العنصر الأيديولوجي، بالاستناد إلى ما أورده المؤرخ الألماني فريدريش ماينكه (Friedrich Meinecke، 1862-1954). ويمتد المسار ذاته إلى عقلانية التنوير وافتراض التكلّف أو التصنّع (Feigning) عند ديڤيد هيوم (David Hume، 1711-1776) في تأريخه لإنكلترا[129]بظهور الإدراك الكلي الذي يمتلك شجاعة إخضاع جميع وجهات النظر، بما فيها وجهة نظر المحلل ذاته، للتحليل الأيديولوجي، تتحوّل نظرية الأيديولوجيا إلى علم اجتماع المعرفة، وقوامه مبدأ “الارتباط الوجودي للفكر بالموقع” الذي بمقتضاه ينشأ فكر كل جماعة من شروط حياتها[130]. حامل هذا العلم هم المثقفون المتحررون من قيودهم الاجتماعية، وهذا التحرر يتطلّب فحصًا دائمًا، وليس هذا الحامل طبقة وسطى، بل شريحة “غير طبقية نسبيًا”، أي ضعيفة الرسوخ في النظام الاجتماعي، يسميها بالاستناد إلى مصطلح ألفريد ڤيبر (Alfred Weber، 1868-1958) الإنتلجنسيا الحرة الطليقة اجتماعيًا، أو “الصفوة المثقفة المستقلة اجتماعيًا”[131]، ويرى أن أي سوسيولوجيا تقصر بحثها على الطبقات الاقتصادية-الاجتماعية لن تدرك ماهية هذه الفئة[132]. وأمام المثقفين من هذه الشريحة، طريقان، فإما الانضواء الطوعي في إحدى الطبقات المتصارعة، وقد زوّدت تاريخيًا المحافظين والبروليتاريا على السواء بمنظّريهم، وإما فحص مرتكزاتها الاجتماعية والاضطلاع برسالتها بوصفها المدافع المؤهل عن المصالح الفكرية للكل[133]. والدفاع عن المصالح الفكرية للجميع هو تعبير يصعب تصنيفه في إطار العلم، وقد حسبنا أن هذه الفئة يُفترَض أن تؤسس علم اجتماع المعرفة، ما يطرح سؤالًا حول تصور مانهايم للعلم ما دام دفاعًا عن المصالح الفكرية للجميع. على كل حال تؤكد هذه المقاطع من الكتاب أن مانهايم فهم الأيديولوجية باعتبارها فكرًا طبقيًا، والمتحرر منها عنده هي الفئة المتحررة (نسبيًا) من الانتماء الطبقي. وهذا مرة أخرى تبسيط اختزالي، فيمكن أن يكون المرء منتميًا (موضوعيًا على الأقل) إلى طبقة ومتحررًا منها فكريًا، وممكن أن يكون غير منتمٍ إلى طبقة ومنحازًا أيديولوجيًا على الرغم من ذلك.
ولرد شبهة النسبوية، صاغ مانهايم “العلائقية” في مقابل النسبوية، فالمعرفة المرتبطة بالموقع الاجتماعي ليست وهمًا، وإنما تعني أن عناصر المعنى في وضع معين تحيل بعضها إلى بعض وتترابط داخل إطار فكري مرتبط بواقع تاريخي محدد، إنها ليست وهمًا ولا خداعًا، بل يمكن تحديد صحتها أو خطئها ضمن إطار الواقع الاجتماعي المحدد[134].
رأى مانهايم أن أعمق مشكلات علم السياسة هي علاقة النظرية بالممارسة، والتصورات المتباينة بتباين المواقع، عبر خمسة أنماط أيديولوجية مثالية ((ideal types) وفقًا لتعبيرات ڤيبر)، وهي: المحافظة البيروقراطية التي تحوّل كل مشكلات السياسة إلى مشكلات إدارة، والتيار التاريخاني المحافظ المتمسك بالتقاليد التاريخية في كل بلد، والفكر البرجوازي الليبرالي-الديمقراطي، والتصور الاشتراكي-الشيوعي، والفاشية[135].
وفي ما عدا أنماط الأيديولوجيات المذكورة اشتق مانهايم ثلاثة أنماط من العقلية الأيديولوجية الجزئية، وهي: نمط يمنع فيه نسقُ المسلّمات من يعتمده من إدراك عدم تطابق أفكاره مع الواقع، و”عقلية الرياء” أو “عقلية النفاق” التي تملك إمكان كشف اللا-تطابق بين الفكر والواقع لكنها تحجبه استجابة لمصالح، وأخيرًا العقلية القائمة على الخداع الواعي إذ تغدو الأيديولوجيا تضليلًا وكذبًا مقصودًا[136].
وثمة فرق بين إنكار صدق فكرة ما وبين تحديد وظيفتها، إذ لا يُفضي الكشف الوظيفي إلى تفنيد نظري. وشيّد مانهايم على ذلك تمييزه بين فضح الكذبة، الموجَّه إلى الشخصية الأخلاقية للفرد، وفضح الأيديولوجيا بوصفها قوة اجتماعية-فكرية لا-شخصية[137] إن مكمن الإشكال البنيوي هنا هو ما يُعرف بـ “مفارقة مانهايم”، فالصياغة العامة، إذ تُخضع كل فكر للتحديد الاجتماعي، لا تستثني موقع المحلِّل ذاته، ويحاول المؤلف النجاة من مأزق النسبية عبر التمييز بين “النسبوية المطلقة” و”العلائقية” التي تجعل صحة المعرفة مرهونة ببنية دلالية تاريخية محددة من دون أن تلغيها. غير أن هذا الحل يظل متعلقًا بحصافة الباحث وموضوعيته، فهو ليس قاعدة منهجية، إلا إذا كان هناك وضوح في التمييز بين العلم والأيديولوجيا، ووعي له عند الباحث.
كليفورد غيرتس: المقاربة الثقافية
في مقابل التصورات الماركسية للأيديولوجيا، ظهرت مقاربات يمثلها على نحو خاص كليفورد غيرتس (Clifford Geertz، 1929-2006) ترى الأيديولوجيا نظامًا رمزيًا ينتج المعنى لا مجرد تشويه للواقع[138]. والحقيقة، أن لا أحد من المفكرين الذين تُطُرِّق إليهم ادعى أنها مجرد تشويه للواقع. وماركس اعتبر أن الأيديولوجيا تشوه الواقع، لا أنها تقتصر على ذلك. ويمكن الادعاء أن “وظيفتها” التضليلية، إذا صح التعبير الذي لم يستخدمه ماركس بالمناسبة، غير ممكنة من دون أن تكون نظامًا رمزيًا ينتج المعنى.
من زاوية نظر المقاربة الثقافية الرمزية، لا تُفهم الأيديولوجيا بوصفها مجرد خطأ معرفي، بل بوصفها وسيلة لتنظيم إدراك العالم الاجتماعي وتفسيره[139]. ولا أعتقد أن ماركس كان سيعترض على هذه الصياغة، وكان “فقط” سيضيف أنه تنظيم الإدراك وتفسير العالم الاجتماعي من منظور مصالح الطبقة السائدة. على هذا يُنتقَد ماركس لا على أمور أدركها بالتأكيد مثل دور الأيديولوجيا في إدراك العالم الاجتماعي وتفسيره. ومن هذا المنظور الثقافي الرمزي، لا تُقارَب الأيديولوجيا بوصفها مشكلة معرفية، بل هي ضرورة اجتماعية، لأنها تمنح الأفراد إطارًا لفهم الواقع[140].
يعيد غيرتس تعريف الأيديولوجيا بوصفها نظامًا متشابكًا من الرموز يمنح العالم معنى، منظومةً من الرموز التي تُستخدم لفهم الواقع وتنظيمه. وهو ينتقد كلًا من نظرية المصلحة ونظرية الضغط أو التوتر (strain theory) لأنهما تنتقلان مباشرة من تحليل مصدر الأيديولوجيا إلى تحليل النتيجة “دون فحص الأيديولوجيات نفسها بجدية بوصفها نظمًا من الرموز المتفاعلة، وأنماطًا من المعاني المتداخلة”[141]. وهو لا يعد الأيديولوجيا مشكلة معرفية، بل إحدى الأدوات المهمة للبشر في تفسير ما يدور حولهم. هذه إضافة مهمة، وصاحبها ينطلق من افتراض أن المجتمعات لا يمكن أن تعمل دون أنظمة تفسير، وأن الأيديولوجيا تمثّل أحد هذه الأنظمة، “فمن خلال بناء الأيديولوجيات -الصور التخطيطية للنظام الاجتماعي- يجعل الإنسان من نفسه، حيوانًا سياسيًا، بخيره أو شره […]. وظيفة الأيديولوجيا أن تجعل السياسة ممكنة كمجال مستقل، بتوفير المفاهيم ذات الحجية التي تجعلها ذات معنى، والصور المقنعة التي يمكن بها إدراكها إدراكًا محسوسًا”[142]
(ألا يُذكِّر هذا الطرح بألتوسير؟)، و”إن محاولة الأيديولوجيات جعل الأوضاع الاجتماعية المستعصية على الفهم ذاتَ معنى، وصوغها بما يتيح الفعل الهادف داخلها، هي ما يفسر طبيعتها المجازية العالية وشدة التمسك بها متى قُبلت”[143]. الوظيفة الأساسية للأيديولوجيا عند غيرتس هي تنظيم الإدراك، بحيث تساعد الأفراد على تفسير الأحداث وتحديد المواقف وبناء المعنى. وبذلك، تصبح ضرورة اجتماعية لا مجرد أداة للهيمنة. وهي تظهر بقوة في لحظات الأزمات عندما يصبح الواقع غير قابل للفهم ويفقد الناس الوجهة والمعنى، فحينئذٍ، تسهم الأيديولوجيا في إعادة تنظيم المعنى بتوفير تفسير شامل لما يجري من منظورها، وتقليل القلق الاجتماعي.
يُميِّز غيرتس بين العلم الذي يهدف إلى تفسير الواقع بدقة، والأيديولوجيا التي تسبغ المعنى عليه[144]. وهذا التمييز لا يعني أن الأيديولوجيا خاطئة، بل إنها تعمل في مستوى مختلف من المعرفة.
انطلق غيرتس من مفارقة أن مصطلح “الأيديولوجيا” قد غدا هو ذاته مؤدلَجًا، إذ تحوّل من مجرّد تسمية لمقترحات سياسية إلى مصطلح هجائي يُلصق بالخصوم. وهو يجادل كارل مانهايم في مقاربته القائلة إن ارتباط الفكر السياسي بموقع صاحبه الوجودي يقوّض موضوعية التحليل ذاته[145. كذلك يجادل المؤلف الباحثين الأميركيين أصحاب المنهج السلوكي والتحديثي والوضعي في اختزالهم الأيديولوجيا إلى انحراف معرفي يُقاس سلبًا بمعيار العلم[146]. وينتقد “نظرية المصلحة” التي ترى الأيديولوجيا قناعًا للمصالح وسلاحًا في خدمتها، وعيبها المزدوج كامن في أنها تتأرجح بين نفعية سطحية ترى البشر مدفوعين بحساب عقلاني للمنفعة الواعية، و”تاريخانية غامضة” (مثل المادية التاريخية الماركسية) تتحدث بإبهام عن أفكار تعكس الالتزامات الاجتماعية أو تعبّر عنها أو تنبثق منها دون تفسير، وتصرف النظر عن أدوار الأيديولوجيا في تعريف المقولات الاجتماعية وتثبيت التوقعات وصون الأعراف وتمتين الإجماع[147].
كذلك ينتقد المقاربة التي ترى الأيديولوجيا عرَضًا وعلاجًا لاختلال نفسي-اجتماعي باعتبارها “ردّ فعل منمَّط على التوترات المنمَّطة لدور اجتماعي”[148]. وهو التعريف المكثّف لـ “نظرية التوتّر” التي وضعها روبرت ميرتون (Robert K. Merton، 1910-2003)، والتي تنطلق من الضغوط الاجتماعية على الأفراد لتحقيق “الحلم الأميركي” المتمثل في الثروة والنجاح في المجتمع الرأسمالي من دون أن تتوفر الشروط لذلك في ظروف من انعدام التكافؤ والمساواة في الوصول إلى الأدوات المشروعة لتحقيقها، ما يؤدي إلى التصرف ضد الأعراف الاجتماعية واللجوء إلى الجريمة وغيرها. لم تكن هذه نظرية في الأيديولوجيا (ولذلك لم تُستعرَض في هذا النص)، لكن غيرتس اختبر تطبيقها على الأيديولوجيا، فيصبح دورها في هذه الحالة تقنيع عدم الإنصاف واللاتكافؤ القائمَيْن واللذَيْن يتسببان في فشل الأفراد، ليصبح السبب هو مثلًا عيبًا في الفاشلين مثل الاتكالية والكسل، أو العجز في ظروف منافسة حرة وغيرها. ترى هذه النظرية الأيديولوجيا منفَذًا رمزيًا للاضطرابات الناجمة عن اختلال التوازن الاجتماعي-النفسي، ويعتبرها غيرتس متفوقة على “نظرية المصلحة من حيث التشخيص”. لكن المقاربتين تتجاهلان الصيرورة المستقلة للصياغة الرمزية.
يعيد غيرتس تعريف الأيديولوجيا بوصفها “نسقًا ثقافيًا”، أي خرائط تساعد على إدراك واقع اجتماعي، ومصفوفات لإنتاج ضمير جمعي، تنشط تحديدًا حين تفقد النماذج التقليدية قدرتها التوجيهية[149]. أما التمييز بين العلم والأيديولوجيا، فيصبح عنده تمييزًا أسلوبيًا بين خطاب محايد وآخر ملتزم[150].
ويشير غيرتس إلى مفارقةِ تَأَدلج مصطلح “الأيديولوجيا” ذاته، فبعد أن كان يعني مجموعة مقترحات سياسية مثالية صار يعني، بحسب قاموس ويبستر، برنامجًا سياسيًا-اجتماعيًا قائمًا على الدعاية، حتى في الأعمال التي تدّعي استعمالًا محايدًا للمصطلح يظل أثر توظيفه سجاليًا، وغدا النموذج السائد: “أنا لديّ فلسفة اجتماعية؛ أنت لديك آراء سياسية؛ هو لديه أيديولوجيا”[151.
ويعرض نقديًا تصوير إدوارد شيلز (Edward Shils، 1910-1995) للنظرة الأيديولوجية بوصفها ثنائية تقابل “نحن” إيجابية بـ “هم” سلبية، عقائدية تدّعي الامتلاك الحصري للحقيقة السياسية، مستشهدًا بالفاشية والنازية والبلشفية والمكارثية نماذجَ نمطية لها. ويجادل تالكوت بارسونز (Talcott Parsons، 1902-1979) في تعريفه الأيديولوجيا بمعياري الانحراف عن الموضوعية العلمية، وهما: “الانتقائية الثانوية” في إبراز جوانب من الواقع وطمس أخرى، و”التشويه” الذي تكشفه المعطيات العلمية المعتمدة. ينتقد غيرتس هذا التوجه كله من خلال تشبيه العداء للأيديولوجيا بالعداء للدين، أو الإلحاد المتشدِّد في مقاربة الدين بوصفه “خرافة”[152].
ويصف المقاربة العلمية “باللا-انحياز” (Disinterestedness) وتبنّي أسلوبٍ تحليليٍ مقتصِد، في حين تصيغ الأيديولوجيا الشعور الأخلاقي بأسلوب مزخرف إيحائي لتحفيز الفعل. وبهذا، يصبح الفارق فارقًا حِرَفيًا واستراتيجيًا، لا فارق صدقٍ وزيف، فالأيديولوجي ليس عالم اجتماعٍ رديئًا[153]. والحقيقة أن العلم، كما بُيِّن، لا يقتصر على اللا-انحياز والتحليل المقتصِد. ولكن كلام غيرتس صحيح لناحية أن الأيديولوجيا ليست مجرد حياد عن العلم، بل منظومة رموز توجِّه إدراك الواقع من منظور معين، والفعل من هذا المنظور. فلا الدين مجرد خرافة، ولا الأيديولوجيا مجرد انحراف عن الموضوعية العلمية، كلاهما نظام رموز يستخدمهما الفرد في مجتمعات وسياقات مختلفة في مقاربة الواقع، وإن لم تفد الأيديولوجيا الباحث في فهم الواقع الاجتماعي وتفسيره، فهي تفيده في فهم الثقافة والسلوك.
يجلب غيرتس مثال قوة الاستعارة التي قد تستخدمها الأيديولوجيا وينأى العلم بنفسه عنها. وصفت النقابات في أميركا قانونًا معينًا، لا جدوى من التفصيل فيه هنا، بأنه “قانون عمل العبودية”. وعدَّ علماء الاجتماع موقف النقابات نموذجًا للتبسيط الكاريكاتوري الأيديولوجي مقابل الوصف العلمي الدقيق. وهذا في رأيه وصف سطحي، دون اعتبار لاحتمال أن يكتسب شعارٌ كهذا مقبولية من قدرته على الإمساك بوقائع اجتماعية تفلت من لغة العلم الرصينة. فقد يكون دمغ قانون ظالم بأنه “قانون العبودية” مجازًا أو استعارة، والاستعارة تستمد قوتها تحديدًا من التفاعل بين المعاني، ونجاحها يكون في تحويل المطابقة الزائفة إلى قياس تمثيلي بليغ، وإذا أخفقت في ذلك تظل كاريكاتيرًا. المقياس هو الإخفاق أو النجاح في الرواج وتحقيق الهيمنة[154]. ووفقًا لغيرتس فإن الأنماط الثقافية كافة -دينية وفلسفية وجمالية وعلمية وأيديولوجية- قوالب خارجية لتنظيم الصيرورات النفسية والاجتماعية، والإنسان “الحيوان المكمِّل لذاته”، على حد تعبيره، يجعل نفسه من خلال بناء الأيديولوجيات، بوصفها صورًا تخطيطية للنظام الاجتماعي، حيوانًا سياسيًا[155]، كما سبق أن ذُكر.
إن المولّد المباشر للنشاط الأيديولوجي هو “فقدان الوجهة”، والعجز عن إدراك عالم الحقوق والمسؤوليات المدنية، بسبب غياب نماذج صالحة، وليس المولّد هو الضيق النفسي أو الاختلال الاجتماعي وحدهما. فالثورة الفرنسية كانت أعظم حاضنة للأيديولوجيات المتطرفة، لا لأن انعدام الأمان الشخصي كان أعمق من العصور السابقة، بل لأن المبدأ المنظّم المركزي للحياة السياسية -الحق الإلهي للملوك- قد قُوِّض. والتقاء التوتر الاجتماعي-النفسي مع غياب الموارد الثقافية لصنع المعنى هو ما يهيئ المسرح لنشوء الأيديولوجيات النسقية[156.
ينقل غيرتس التحليل إلى الدول المستقلة الجديدة (دول ما بعد الاستعمار) بوصفها الموقع الأبرز للغليان الأيديولوجي المعاصر، فنَيْل الاستقلال وإسقاط الطبقات الحاكمة وتعميم الشرعية وصعود النخب الحديثة بعد الاستعمار والقذف بحكومات جديدة ساذجة في النظام الدولي كلها تولّد “حسًا شاملًا بفقدان التوجّه” تبدو إزاءه صور السلطة التقليدية الموروثة قاصرة جذريًا، فيشتد البحث عن إطار رمزي جديد مثل القومية، أو الماركسية، أو الليبرالية، أو الشعبوية، أو التصورات التقليدية المعاد بناؤها، أو مزيج منها[157]. ويفصّل في النموذج الإندونيسي لمثل هذه الحالة. ويستنتج أن الإخفاق الإندونيسي ليس أيديولوجيًا صرفًا، والعجز عن صوغ إطار مفهومي هو ذاته انعكاس للتوترات الاجتماعية والنفسية الهائلة. والصياغة الأيديولوجية مهما بلغت أناقتها لا تعوّض المهارة الإدارية والمعرفة التقنية والصبر والضمير العام، ومن دونها تنحط إلى “ستار دخاني للفشل، وإلهاء لدرء اليأس، وقناع يحجب الواقع بدل صورة تكشفه”. ومع ذلك، فلا يُتصور أن تشق أمة جديدة طريقها عبر غابة المشكلات التي تواجهها “دون أي هداية أيديولوجية إطلاقًا”[158].
يكمن توجيه النقد لغيرتس في أنه يُقدّم الأيديولوجيا بوصفها أداة تفسير مختلفة عن العلم فقط من حيث الانحياز، فهو لا يشدّد على الفرق في البنية والمنهج. وتتجاهل مقاربته دور الأيديولوجيا في إعادة إنتاج الهيمنة. ويمكن فهم غيرتس بوصفه مخالفًا لغرامشي (التركيز على المعنى بدل الهيمنة)، ومخالفًا لألتوسير (التركيز على الوعي بدل البنية). لكنه في الوقت نفسه، يُكملهما من خلال إدخال بعد المعنى الذي كان غائبًا نسبيًا.
جون طومسون – الأيديولوجيا بوصفها إعادة إنتاج للهيمنة وأهمية الإعلام
يجمع أستاذ علم الاجتماع في جامعة كامبريدج جون طومسون (John B. Thompson) في فهم موضوعنا بين إسباغ المعنى وتبرير السلطة، فهو يعرّف الأيديولوجيا متجاوزًا غيرتس، بأنها الطرق التي تُستخدم بها أشكال المعنى لدعم علاقات السيطرة[159]. وبذلك، لا تكون كل أنظمة المعنى أيديولوجية، بل فقط تلك التي تُسهم في تثبيت علاقات غير متكافئة من السلطة.
لا يعرِّف طومسون الأيديولوجيا بناءً على محتواها، ويؤكد أنها متعلقة بكيفية توظيف المعنى، وليس بماهية المعنى ذاته. ودراستها هي دراسة الطرائق التي يعمل بها المعنى أو الدلالة على إدامة علاقات السيطرة[160].
. “إن الأيديولوجيا، بحسب هذا التصور، هيمنيّة بطبيعتها، بمعنى أنها تخدم بالضرورة إقامة علاقات الهيمنة وإدامتها، ومن ثم إعادة إنتاج نظام اجتماعي يحابي الأفراد والجماعات المهيمنة”[161]. ويجري التوظيف في تعزيز علاقات السيطرة من خلال:
إضفاء الشرعية أو الشرعنة بتبرير النظام القائم وتقديمه بوصفه طبيعيًا أو عادلًا.
الإخفاء أو التمويه (Dissimulation) بحيث تُخفى علاقات السلطة الحقيقية بوساطة الخطاب الرمزي.
التوحيد، تُستخدم الأيديولوجيا لخلق شعور بالوحدة بين أفراد المجتمع رغم وجود اختلافات، أي باختصار التغطية على التناقضات القائمة.
التفتيت (Fragmentation)، ما يعني تقسيم الجماعات لمنع تشكّل مقاومة موحدة.
التشييء (Reification) الذي يعني عدم رؤية العلاقات الاجتماعية في صيرورتها، بل التعامل مع مظهرها المتشيِّئ وكأنها علاقات طبيعية وثابتة[162]. وبروح نهاية القرن العشرين، أولى طومسون أهمية كبيرة لوسائل الإعلام، باعتبارها المجال الرئيس الذي تُنتج فيه الأيديولوجيا في المجتمعات الحديثة مؤكدًا أن الأيديولوجيا الحديثة مرتبطة بإنتاج الرموز وتداولها من خلال وسائل الاتصال الجماهيري[163]
وتفترق مقاربة طومسون عن المنظور الماركسي الكلاسيكي في فكّ الربط الضروري بين الأيديولوجيا والهيمنة الطبقية، إذ العلاقات الطبقية ليست سوى محور واحد من محاور اللامساواة والاستغلال والسيطرة، إلى جانب العلاقات بين الجنسين، وبين الجماعات الإثنية، وبين الدول-الأمم المهيمنة وتلك الواقعة على هوامش النظام الكوني. ويتجاوز طومسون افتراض ماركس وجود قاعدة مادية تحدد البنية الفوقية (السياسية والقانون والأيديولوجيا)، فالأشكال الرمزية للوعي والتواصل الإنساني، بما فيها الأيديولوجيا منشِئة، أو منتِجة، للواقع الاجتماعي ومنخرطة انخراطًا خلاقًا في إعادة إنتاجه المستمرة[164].
ناقش طومسون أفكار المفكرين الماركسيين الجدد، الذين خرجوا على الماركسية مثل كلود لوفور، فقد عرض أطروحة لوفور القريبة جدًا من طرحه والقائلة إن الأيديولوجيا لا ترتبط بطبقة بعينها، بل بـ “الانقسام الاجتماعي” بين مهيمِنين ومهيمَن عليهم. والمجتمع لا يقوم من دون تمثيل لوحدته، وهذا التمثيل يستلزم إسقاط “جماعة متخيلة” على الواقع الاجتماعي فتُصوَّر الفوارق الفعلية كأنها طبيعية، أو يُصوَّر المجتمع بوصفه وحدة واحدة. وهو ما واجه اعتراضًا من الباحث تيري إيغلتون الذي انتقد قصر المفهوم على السلطة المهيمنة، إذ يُخرج ذلك الحركاتِ المعارضة من دائرة الأيديولوجيا[165].
عمليًا ليس الفرق بين الطرحين حاسمًا، فكلاهما يشدّد على دور الأيديولوجيا في إعادة إنتاج الهيمنة وعلى الآليات التي يجري فيها ذلك. ولكن يختلف طومسون مع لوفور في نقطتين، وهما: الأولى هي تضخيم الأخير للتجانس في الحداثة المتأخرة، فطومسون يصر على أن كل إنسان يتلقى ما يُبَثّ في الإعلام على نحو مختلف عن غيره، والتأويل متاح دائمًا وكذلك فرص المقاومة. أما الثانية، فهي رفض طومسون قصر مفهوم الأيديولوجيا على المجتمعات الحديثة[166].
أما خلافه مع طرح مارتن زيليغر، فأكثر جوهرية. الأيديولوجيات عند الأخير “منظومات معتقدات” (Belief Systems) موجهة نحو الفعل ومنظمة في أنساق متماسكة، تشمل الثوري والإصلاحي والمحافظ على السواء. وينتقد طومسون هذا التصور من ثلاث جهات: تجريد المصطلح من معناه السلبي (تمويه السيطرة وتعزيزها)، أي النقدي من منظور آخر، والمبالغة في وحدة الأيديولوجيات وتماسكها، وقصر ميدانها على السياسة الممـأسسة في حين أن فعلها الأكثر تأثيرًا هو في الحياة اليومية (البيت والمصنع والمدرسة والإعلام)، حتى إن حصر دراستها في العقائد الحزبية أشبه بحصر دراسة الثقافة البريطانية في جولة داخل متحف تيت[167].
ولا يعُد طومسون أفكار الحركات الاحتجاجية ومقاومة الوضع القائم أيديولوجيا، بل “أشكالًا احتجاجية” تُعَدّ صورًا جنينية من “نقد الأيديولوجيا”، فالأيديولوجيا بطبيعتها “هيمنية” لأنها تخدم بالضرورة إعادة إنتاج نظام السيطرة، وبهذا تُحفظ للمفهوم شحنته السلبية[168]. صاغ طومسون أربع أطروحات بشأن الأيديولوجيا في عصر وسائل التواصل الجماهيري[169].
الأطروحة الأولى: ينبغي أن يكون توسيط (من وسائط) الثقافة الحديثة أو أعلمتها (من إعلام) (Mediazation of Culture)، لا العلمنة والعقلنة، هي الإطار المرجعي الرئيس لتحليل الأيديولوجيا. الثقافة الحديثة تمر عبر وسائط، هي غالبًا وسائل إعلامية. ويفترض أن يتجه التحليل نحو الطرائق المتعددة لتقاطع الظواهر الرمزية مع علاقات القوة بدل التركيز على أنساق الاعتقاد للجماعات السياسية المنظمة.
الأطروحة الثانية: يوسّع التواصل الجماهيري مجال اشتغال الأيديولوجيا توسيعًا هائلًا، إذ لم يكن ممكنًا أن تنبثق الظواهر الأيديولوجية بوصفها “ظواهر جماهيرية” إلا مع الطباعة التي فصلت تداول الأشكال الرمزية عن اشتراط المكان المشترك، ثم ضاعفت الوسائط الإلكترونية، والتلفزيون خاصة، قدرة التداول على نطاق غير مسبوق.
الأطروحة الثالثة: لا يمكن تحليل الطابع الأيديولوجي للتواصل الجماهيري بتحليل مؤسسات الإعلام أو خصائص الرسائل وحدها، فتلك هي “مغالطة الجوانية” (Fallacy of Internalism) المشتركة بين هوركهايمر وأدورنو وهبرماس، إذ لا يصح افتراض أثر معطى للرسائل بمعزل عن سياقات استقبالها وتملّكها (Appropriation)، وليس بالضرورة أن تكون الرسائل مؤثرة أو مقنعة. وضعية المتلقي والسياق التي يجري فيها التلقي هما أمران حاسمان، لا يجوز إهمالهما للتركيز فقط على من يبث؟ وماذا يبث؟ والأمثلة على ذلك كثيرة. فالتصوير الاحتفائي المتواصل للديكتاتور الروماني السابق نيكولاي تشاوشيسكو (Nicolae Ceaușescu، 1918-1989) على تلفزيون الدولة الرومانية لم يكسبه مكانة في قلوب الرومانيين. لقد رافق اتساع مجال الأيديولوجيا تعاظم في تعقيدها والتباسها، ويجري تلقي الأشكال الرمزية في سياقات متعددة بعيدة زمانيًا-مكانيًا حيث تُؤوَّل وتُناقَش ويُتنازع عليها بطرق لا يستطيع المصدر توقعها أو التحكم فيها[170.
الأطروحة الرابعة: تحدد الوسائط وطبيعة “شبه التفاعل المتوسَّط تقنيًا” (Technically Mediated Quasi-Interaction) أشكالًا وأطرًا مختلفة لنقل المعنى، ومن ذلك “شخصنة القضايا السياسية” إذ يظهر الساسة بوصفهم شخصيات قابلة للمحبة والكراهية، وهي فرصة رمزية تنطوي على مخاطرة أن يُدرَك السياسي الذي تُبنى صورته كأنه شخصية أليفة باعتباره دجالًا في سياقات التلقي المختلفة المتباعدة[171].
بخصوص فكرة نهاية الأيديولوجيا
_The_End_of_Ideology_,_by_Daniel_Bell
غلاف كتاب ”نهاية الأيديولوجيا“ لدانييل بيل، الصادر في نيويورك عام 1960
بعد الحرب العالمية الثانية، انبعث التقليد الوضعي في العلوم الاجتماعية في أميركا خصوصًا، ولا سيما في النظرية السلوكية وبعض تيارات نظرية التحديث، إذ اقترنت الأيديولوجيا بالتطرف واللاعقلانية، وذلك على خلفية هزيمة النازية وخيبة الستالينية وكشف جرائمهما. وطُرحت فكرة نهاية الأيديولوجيا بدءًا من صفحات مانهايم الختامية في كتابه الأيديولوجيا واليوتوبيا، مرورًا بريمون آرون (Raymond Aron، 1905-1983) في كتاب أفيون المثقفين، وسيمور مارتن ليبست (Seymour Martin Lipset، 1922-2006)، القائل بصراع طبقي ديمقراطي “بلا أيديولوجيات”. وروّج دانييل بيل (Daniel Bell، 1919-2011) الأطروحة بعنونة كتابه نهاية الأيديولوجيا، لكن حجته بُنيت، كما بيّن مكليلان، على خلطٍ بين أفول “الأيديولوجيات القديمة” وأفول الأيديولوجيا ذاتها[172].
وقد استندت أطروحة نهاية الأيديولوجيا إلى مسلّمتين، وهما: مطابقة الأيديولوجيا بالشمولية كما عند مايكل أوكشوت (Michael Oakeshott، 1901-1990) وبرنارد كريك (Bernard Crick، 1929-2008)، وحنة أرندت (Hannah Arendt، 1906-1975) التي عرّفت الأيديولوجيا بأنها “منطق فكرة” يستنبط التاريخ كله من مسلَّمة[173]، وتزداد فاعليتها في مجتمع أفراد معزولين تفككت فيه البنى الجمعية التقليدية. وقصدت بذلك أن التماسك المنطقي داخل الأيديولوجيا يفوق أهمية العلاقة مع الواقع، فلا تصحح “نظرياتها” شبه العلمية (مثل، التاريخ هو تاريخ الصراع الطبقي، أو التاريخ هو تاريخ صراع الأعراق)، ولا تصححها حين تصطدم بتناقضها مع الوقائع، بل تخطِّئ الوقائع. فنموذج الأيديولوجيا عندها هي الأيديولوجيات الشمولية التي خبرتها أوروبا عشية الحرب العالمية الثانية.
والمسلّمة الثانية مقابلة الأيديولوجيا بالعلم، كما عند إدوارد شيلز. وفحص مكليلان نموذجين تفصيليين ليبين أنهما أكثر أدلجة مما يدّعيان:
أولهما تعريف جوڤاني سارتوري (Giovanni Sartori، 1924-2017) للأيديولوجيا بوصفها منظومة اعتقاد دوغمائية وأداة تستخدمها النخب للتعبئة، وهي مقاربة مشبعة بأحكام القيمة تضيّق المفهوم لتستثني ذاتها، وتجرِّد الأيديولوجيات من أي مضمون معرفي[174]. وثانيهما تعددية روبرت دال (Robert Dahl، 1915-2014). فنموذج دال في التنافس السياسي الجاري على السطح فوق إجماع كامن في الباطن في النظام الديمقراطي التعددي في الدول الرأسمالية، مؤسس على افتراض أن الناس يعرفون مصالحهم ويتقنون صياغتها، وهو افتراض خاطئ، فالأيديولوجيا تُضِل الناس عن معرفة مصالحهم، وتصوير الديمقراطية على أنها إجماع على هذا النوع من التعددية هو تصوير أيديولوجي[175]. ووفقًا للتيارات الفكرية (الأيديولوجيات) الناقدة للنظام الرأسمالي، فإن إنتاج الوحدة المفترضة هو من وظائف الأيديولوجيا التي تغطي التناقضات القائمة في عمق النظام.
نتطرق أدناه إلى حجج علماء الاجتماع والسياسة الذين أثاروا هذا الموضوع.
في أيلول/ سبتمبر 1955، عقدت مؤسسة تسمى “المؤتمر لحرية الثقافة” مؤتمرها الخامس في مدينة ميلانو تحت عنوان “مستقبل الحرية”، وذلك في خضم الحرب الباردة والصراع الثقافي مع الشيوعية. وقد تطرّقت بعض الأوراق المقدمة فيه إلى فكرة نهاية الأيديولوجيا، وغالبًا كان المقصود هو نهاية تأثير الأيديولوجيات الشمولية في الدول الغربية الديمقراطية، ونهاية جاذبيتها للمثقفين النقديين في الغرب، ولا سيما بعد النصر على النازية واتضاح حجم جرائم الستالينية، ومع تبني سياسات الرفاه في الغرب، ومشاركة العمال في السياسة، وصعود المقاربات البراغماتية الواقعية في سياسات الحكومات الغربية التي يصعب تصنيفها أيديولوجيا. هكذا بدت الأمور لمفكرين وعلماء اجتماع وسياسة بارزين مشاركين في المؤتمر مثل ريمون آرون وإدوارد شيلز، وسيمور مارتن ليبست، ودانييل بيل، مع الاعتراف بظهور نزعات أيديولوجية جديدة في الدول المستقلة حديثًا في الجنوب العالمي.
وقد وثّق دانييل بيل أن أول من استعمل العبارة بعد الحرب هو ألبير كامو (Albert Camus، 1913-1960) مقتبسًا العبارة من قوله في العام 1946 إن تخلّي الاشتراكيين الفرنسيين عن الماركسية بوصفها فلسفة مطلقة يجسّد كيف تدشّن حقبتنا “نهاية الأيديولوجيات”، أي اليوتوبيات المطلقة التي تدمّر نفسها في التاريخ[176]. قص كامو إذًا بالأيديولوجيا “اليوتوبيات المطلقة”. وكان ريمون آرون (Raymond Aron، 1905-1983) قد عنون الفصل الأخير من كتابه أفيون المثقفين بـ “نهاية العصر الإيديولوجي؟” (مع علامة استفهام). وبعد ذلك بشهور، نشر إدوارد شيلز مقاله المعنون أيضًا مع علامة استفهام “رسالة من ميلانو: نهاية الأيديولوجيا؟”[177]. وفي مقاربة متساهلة مع هؤلاء المفكرين، يمكن القول إن رواج الفكرة حينئذٍ نجم عن سوء استخدام المصطلحات لصياغة عناوين مثيرة، وتعميمات غير حصيفة، يتبين من القراءة الحذرة أنهم لم يقصدوها حرفيًا. وغالبًا ما كانوا يقصدون ما يعدّونه أيديولوجيات شمولية، ولا سيما الشيوعية.
حدّد آرون الأيديولوجيا بأنها صياغة نسقية ظاهرية للوقائع والتأويلات والرغبات والتنبؤات، ورأى أن الأيديولوجيا “الكبرى الأخيرة” (أي الشيوعية) جمعت معًا ثلاثة عناصر، وهي: رؤية مستقبل يُفترَض أنه مطابق للتطلعات الإنسانية عمومًا، وربطه بطبقة بعينها (الطبقة العاملة)، والثقة بأن التخطيط والملكية الجماعية في ظل حكم الطبقة العاملة يحققان القيم التي تتطلّع إليها الإنسانية[178] . وعنون كتابه من استعارة مزدوجة من مقولة ماركس “الدين أفيون الشعب” ومن قلْب سيمون ڤايل (Simone Weil، 1909-1943) تلك المقولة بأن عدَّ الماركسية دينًا علمانيًا، واعتبر آرون أن هذا الدين العلماني “أفيون المثقفين”.
رأى آرون أن أساطير اليسار قد تفكّكت من خلال التطور المعاكس للاستقطاب الطبقي الذي حصل في النظام الرأسمالي (على النقيض من توقعات الماركسية) والديكتاتوريات التي نشأت في الدول التي تتبنى الأيديولوجيا الماركسية، وأن العالم الحر لا يمكنه تطوير أيديولوجيا بديلة ترث الماركسية-اللينينية. “فالشيوعية نسخة منحطّة من الرسالة الغربية، إنها تحتفظ بطموح السيطرة على الطبيعة، وتحسين أوضاع الفقراء، لكنها تضحي بما كان، ويفترض أن يبقى روح المغامرة الإنسانية اللانهائية، وهو حرية البحث، وحرية الاختلاف، وحرية النقد، وحق الاختيار (الاقتراع)”[179]. بأي معيار حدد آرون روح المغامرة البشرية السامية بهذه الغايات؟ لا شك أنه فعل ذلك من منظور ليبرالي، ومن ثم فتحديد هذه الغايات أيديولوجي.
ويفسر آرون انجذاب المثقفين إلى الماركسية بأنها تلبي حاجات لديهم مثل التوق إلى غاية سامية، والشراكة مع الشعب، والحاجة إلى نسق فكري يمنح التاريخ معنى. إنه يقرأ الأيديولوجيا كأنها حاجة نفسية عند المثقفين، ولكنه يرى أن المخاطر أعظم من الفائدة، ويوصي بمقاربة الشك التنويرية. فإذا كان التسامح يولد من الشك، فليتعلم الجميع الارتياب بالنماذج الجاهزة واليوتوبيات وأنبياء الخلاص كافة[180]. هكذا يختم كتابه أفيون المثقفين بالدعوة إلى تبني الشك العقلاني والبراغماتية لحماية المجتمعات من التعصب الأعمى.
وقد راجع آرون نفسه بعد التطورات التي شهدها الغرب ولا سيما بعد انتفاضة الشباب والطلاب في نهاية ستينيات القرن العشرين ونشوء حركات السلام والحركة النسوية وغيرها، وأزمة نظام الرفاه. فكتب أنه لم يخطئ في نقد الأيديولوجيا الشمولية ولا في مديح المشكّكين، واعترف “فقط” بأنه كان “مخطئًا في تسمية أحدهما أيديولوجيا دون الآخر”، وأصبح من الأجدر، في رأيه، الحديث عن “الاستخدام الصحيح للأيديولوجيات”[181]. وهذا صحيح، مع أنه مخرج من المأزق من دون الاعتراف بموقعه الأيديولوجي. فبدلًا من التمسك برفض الأيديولوجيات الشمولية وطرح خياره الأيديولوجي المناهض للشمولية، الذي يعتقد أنه صحيح (الليبرالي مثلًا ما دام ليبراليًا)، أقر بوجود الأيديولوجيات ودعا إلى الحديث عن “استخدامها الصحيح” دون أن يخبر القارئ من يحدد، وكيف يحدد، ما هو الاستخدام الصحيح؟
أما عند شيلز المشارك الثاني البارز في مجاله، فالأيديولوجيا أحد الأشكال المختلفة للأنماط الشاملة من المعتقدات المعرفية والأخلاقية عن الإنسان والمجتمع والكون تتميّز بصراحة الصياغة، والانتظام حول قيمة محورية، والانغلاق، وإلزامية تجليها في السلوك، والشحنة الوجدانية، والإجماع المطلوب، والارتباط بجماعة منظمة[182]. وينطبق هذا التعريف على الأيديولوجيا الشمولية. وكان قد أضاف قبل ذلك بعقد مسألة التقيّد السياسي الصارم بها في السياسة بافتراض وجوب إدارة السياسة من موقع جملة معتقدات شاملة تعلو على كل اعتبار قوامها ثنائية “الصديق-العدو”[183]
لاحظ شيلز أن أوراق ميلانو، على تنوعها، دارت حول نقد الدوغمائية والتعصب الأيديولوجي، وأن المنعطف يمكن وصفه “بنهاية الحماسة الأيديولوجية”. وبالاستناد إلى الورقة التمهيدية التي وضعها آرون للمؤتمر، أشار إلى تصدّع تمييز اليسار عن اليمين بعد ثبوت إمكان تركيبات سياسية واقتصادية (مثل دولة الرفاه في ظل الرأسمالية) زعمت “المذاهب الأيديولوجية المتطرفة” استحالتها، كذلك لاحظ أنه سادت في المؤتمر قناعة بأن الشيوعية خسرت معركة الأفكار، ولكنه لاحظ أيضًا انفجار العاصفة حين توالى متحدثون من آسيا وأفريقيا[184]. ودعا إلى تجنب الانتقال إلى رد الفعل المتطرف، فهذا يؤدي إلى تسلل الأيديولوجيا “من الباب الخلفي، وبالأخص من خلال جيل أصغر متمرد”. والمهمة هي إعادة بناء المعتقدات دون خلق أيديولوجيات جديدة، والتفكير بما يتجاوز أوروبا وأميركا[185]. واضح من تجنب اعتبار المعتقدات السياسية، أنه يفهم الأخيرة على أنها الأفكار الشمولية فحسب. وهي التي يؤصل جذورها في التقاليد الخلاصية الألفية من العصر الوسيط (Millenarianism). والبديل عنده هو السياسة القائمة على “المدنية” (Civility)، أي فضيلة المواطن المشارك المسؤول في حكم نفسه، مع مراعاة الخير العمومي[186].
وفي سياق آخر، وهو المجتمعات الغربية في نهاية ستينيات القرن العشرين مع صعود حركات الأميركيين من أصل أفريقي، والحركات النسوية، وانتفاضة الطلاب، عاد شيلز وأطّر الموضوع بتواضع في سياقه التاريخي، فكتب أن أصحاب فكرة نهاية الأيديولوجيا قصدوا الوضع القائم آنذاك فحسب. “فالقابلية للأيديولوجيا جزء دائم من التكوين الإنساني” ما دامت الأزمات قائمة وكذلك الحاجة إلى تماس مع المقدس، ستعاود الأيديولوجيات الظهور. فلم تكن الفكرة سوى تأكيد أن هذه القابلية لا يلزم أن تتحقق دائمًا، وأنها كانت في الخمسينيات منحسرة في الغرب[187]. وهي، في الحقيقة، لم تكن منحسرة بأي معنى من المعاني، بل كانت فكرة نهاية الأيديولوجيا جزءًا من الدعاية ضد الشيوعية حينئذٍ في إطار صراع أيديولوجي شرس ازدهرت خلاله المكارثية في الولايات المتحدة. ويُذكَر أنه في ختام المؤتمر نفسه، وفقًا لليبست، هاجم فريدريش هايك (Friedrich Hayek، 1899-1992)، الاقتصادي والمفكر اليميني الليبرتاري المعروف، المشاركين لأنهم يهيئون لدفن الحرية لا إنقاذها، إذ أزعجه إجماعهم على تضاؤل القضايا الفاصلة بين يمين ويسار[188]. كان هذا الاقتصادي المعروف غير متنكر لأيديولوجيته الليبرتارية المشدّدة على حرية السوق ورفْض أي حلول وسط في هذا الشأن مع أنه عالم اقتصاد.
ارتبطت الفكرة باسم دانييل بيل بسبب اختيارها عنوانًا لكتابه. وقد استخدم التمييز بين “المفهوم الجزئي” للأيديولوجيا الرابط بين الأفكار ومصالح حامليها، و”المفهوم الكلي” لها، أي النسق الشامل في فهم الواقع والمشبع بالعاطفة الذي يروم تحويل نمط الحياة برمّته، والذي ينطبق عليه وصف “دين علماني”. ووظيفة هذه الأيديولوجيا هي تحويل الأفكار روافعَ اجتماعية من خلال استثمار العاطفة وتصريفها في السياسة، ولذلك فإن مكمن قوتها في العاطفة والانفعالية[189] .تُستخدم في هذا الفصل طبعة عام 2000 لأنها تشمل إضافات مهمة لهذا الموضوع إلى طبعة 1962.
ومبرراته لاستخدام العنوان هي: استنفاد النازية والنظام السوڨياتي جاذبية الأيديولوجيا، وفقدان الإنتلجنسيا الراديكالية قدرتها على الإقناع بسبب افتضاح جرائم الأنظمة الشمولية، وتكوّن إجماع تقريبي غربي على قبول دولة الرفاه، واللامركزية، واقتصاد مختلط يجمع بين اقتصاد السوق ودور الدولة في توجيه الاقتصاد، والتعددية السياسية، “وبهذا المعنى أيضًا انتهى العصر الإيديولوجي”، لكن “نهاية الأيديولوجيا ليست -ولا ينبغي أن تكون- نهاية اليوتوبيا”[190]. وفقًا لبيل، الذي رأى أيضًا أنه في آسيا وأفريقيا تصاغ أيديولوجيات جديدة تقوم على التصنيع والتحديث والقومية. ومن منظوره، كانت أيديولوجيات القرن التاسع عشر كونية إنسانوية صاغها مثقفون، أما الجديدة فمحلية أداتية يصنعها قادة سياسيون، ودوافعها التنمية والمناعة القومية[191]. وفي محاضرة مهداة إلى ذكرى آرون، يصل بيل إلى نتيجة مفادها أن انحلال الأيديولوجيات الرسمية لا يغني عن الحاجة إلى تسويغ أخلاقي، فلا يقوم نظام سياسي خارج سياق التبريرات الأخلاقية. والنظام الأخلاقي المتعالي على المصالح الضيقة هو “هزيمة الأيديولوجيا”. أما المصطلح نفسه، فابتُذل إذا أصبح خارج سياقه التاريخي، “وأضحت الأيديولوجيا كلمة ساقطة سقوطًا لا رجعة فيه”[192]. ربما أصبحت الكلمة مذمومة عند الليبراليين بسبب تعريفهم لها الذي يستثني الليبرالية منها، فلا يشرح لنا بيل كيف ينتصر النظام الأخلاقي المتعالي على المصالح الضيقة على الأيديولوجيا؟ ولا ما هي مؤسساته، وهل هي بريئة من الأيديولوجيا؟ فغالبًا ما تمثل الأيديولوجيات أو على الأقل تدّعي تمثيل قيمٍ أخلاقية بعيدًا عن المصالح، وغالبًا ما تموّه الأخيرة، أو يصيغها مثقفون من فئات اجتماعية غير الفئات التي أُعِدّت لها، وذلك، مثلًا، من منطلق التضامن مع المظلومين. والصراع الأخلاقي بشأن ممارسة القيم التي تدعي تمثيلها دائر في داخلها، وقائم ضدها في الوقت ذاته.
وأخيرًا، شدّد ليبست على تراجع الطابع الأيديولوجي للقضايا التي أشغلت اليمين واليسار في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. فقد اختُزلت في الديمقراطيات في البلدان الصناعية المتطورة إلى مسائل الملكية الحكومية والتخطيط، و”حُلّت المشكلات السياسية الجوهرية للثورة الصناعية”، ونال العمال الحقوق الاجتماعية والسياسية، وقبِل المحافظون بدولة الرفاه، وأدرك الاشتراكيون الديمقراطيون أن تضخم سلطة الدولة أخطر على الحرية من الحلول التي تقدمها، وبذلك انتُزعت ركائز الصراع الأيديولوجي بين المثقفين[193]. غير أن نهاية الأيديولوجيا ليست نهاية الانقسام، إذ سيستمر الصراع الطبقي الديمقراطي “نزالًا بلا أيديولوجيات، بلا رايات حمراء، بلا استعراضات الأول من أيار/ مايو”[194]. قصد ليبست أن الصراع الأيديولوجي داخل الغرب هو وحده الذي ينتهي، أما نزاعات التنمية ومؤسساتها فتمتد إلى ما بعد جيله. وفي موضع آخر، يجلي ليبست الالتباس إذ كتب أن تفضيل نظام منخفض الحدة الأيديولوجية، قاصدًا بذلك الديمقراطية الليبرالية التي تطبق سياسة الرفاه، هو بذاته “خيار أيديولوجي”. فالإجماع الغربي -براغماتية اللعبة السياسية والمساومة الجماعية والتدرج- هو أيضًا أيديولوجيا[195]. وعلى كل حال، فإن غالبية القضايا التي عدّها حينئذٍ موضع إجماع ما زالت قضايا صراع.
كان ليبست مدركًا أن مسألة تخفيف حدة الأيديولوجيات في الديمقراطية ليست جديدة وأن ڤيبر سبق أن توقع ذبول الاشتراكية الديمقراطية (بصيغتها الماركسية التي كانت قائمة في عصره) مع تطبيق حق الاقتراع العام[196]، وتحول الاشتراكية إلى مطالب وإنجازات عينية في إطار النظام الديمقراطي. وتطرق بيرغر ولوكمان إلى تأثير التعددية أيضًا، إذ تقوّض “الوضعية التعددية” رسوخ التعريفات المحتكرة، وتسرّع التغير الاجتماعي. وتتقاسم عوالم جزئية متعايشة كونًا مشتركًا، فيحل التنافس بدرجات مختلفة من التسامح محل الصدام الأيديولوجي الصريح[197]. وعمومًا لم يكن ثمة تجديد فكري في هذه الضجة العابرة التي أثارها مثقفون عقلانيون ليبراليون، بدلًا من الاعتراف بأيديولوجيتهم الليبرالية وخوض صراعاتهم في تصحيحها من جهة، وإنفاذها ضد الأيديولوجيات المناهضة من جهة أخرى.
لقد قامت الأطروحة على تعريف ضيّق للأيديولوجيا، ثم جرى تداولها كأنها حكم على الاعتقاد السياسي عامة. وقد أقرّ أصحابها بالمأزق من الداخل، فوصف ليبست الإجماع الجديد ذاته بأنه أيديولوجي، وأن تفضيله هو خيار أيديولوجي، وأعلن آرون خطأ التسمية الأحادية، وحدد شيلز الدعوة بمرحلة خمسينيات القرن العشرين. لقد كانت هذه مجرد محطة من محطات الحوارات بين المثقفين حول الموضوع.
ووفقًا لجورج طرابيشي (1939-2016)، فإن أطروحة نهاية الأيديولوجيا كانت هي ذاتها موقفًا أيديولوجيًا مضادًا[198]، وقد قلب حجة التعايش السلمي التي كانت تقدم بوصفها أحد تبريرات نهاية الأيديولوجية، فعصر التعايش هو بالتحديد عصر احتداد الصراع الأيديولوجي[199].
أحيانًا تبدو هيمنة أيديولوجيا واحدة في مجتمع ما، مثل البراغماتية في الولايات المتحدة، بأنها نهاية الأيديولوجيا. وهي التي يصفها روبرت دال بالبراغماتية اللا-أيديولوجية قبل أن يقرّ بوجود “أيديولوجيا واحدة” مهيمنة يقبلها الناخبون[200]. والحقيقة، أن البراغماتية هي إما أيديولوجيا وإما هي في خدمة أيديولوجيا ما.
في مواصلة معدّلة لنهج مدرسة فرانكفورت النقدية في اعتبار أداتية العقل من أهم ارتدادات المجتمع الصناعي السلبية على المجتمع الحديث، حدّد هبرماس ما أسماه الوعي التكنوقراطي (البراغماتي بغير لغة هبرماس) بوصفه أيديولوجيا المجتمعات الصناعية المتقدمة، أو ما يبدو وكأنه يحل محل الأيديولوجيا. يرد هذا الوعي البعد السياسي إلى التقني، فيبدو أقل أيديولوجية من سابقاته لأنه ليس وهمًا مثاليًا، ولكنه أشد أيديولوجية لأنه أعم انتشارًا وأعسر مقاومة، إذ يقصر النقاش على الوسائل[201]، ولكن الوسائل تخدم غايات، والغايات التي يسلم بها الوعي التكنوقراطي هي موضوع الصراعات الأيديولوجية.
نماذج في فهم الأيديولوجيا عربيًا
انشغل بعض الباحثين العرب بمفهوم الأيديولوجيا، من منطلق علاقة مسألة العلم والأيديولوجيا بمسألة الأصالة والمعاصرة، والموقف من استيراد الأفكار جاهزة، أو فرض الماضي على الحاضر، وإمكانية أيديولوجيا عربية معاصرة لا تعاني من هذه العيوب، كذلك انشغلوا بمسؤولية الأيديولوجيا عن الواقع المتردي العربي. ويلمح المرء عند مراجعة بعض الأدبيات التي اهتمت بالموضوع نزوعًا للاعتقاد باحتمال تصحيح الأيديولوجيا قبل تغيير الواقع العربي ذاته. وقلما تُشهد معالجة لعوامل نشوء الأيديولوجيات العربية وكيفية اشتغالها وتوظيفها. وقلما طرحت فكرة ضرورة وجود أيديولوجيات عربية، لا أيديولوجيا عربية واحدة، مع طرح خيارات واضحة في صراع جارٍ سياسي وأخلاقي لا يحتاج وجوده إلى برهان.
كتاب الماركسية والأيديولوجيا لجورج طرابيشي
وقد تساءل طرابيشي في كتابه الماركسية والأيديولوجيا (1971) هل الماركسية نفسها أيديولوجيا كما يعلن بعض الماركسيين، أم نفي لكل الأيديولوجيات كما يعلن بعضهم الآخر؟ وعدّ طرابيشي الإجابتين خاطئتين، فمن ينفون عن الماركسية صفة الأيديولوجيا يتوقفون عند المعنى السلبي الأولي الذي صاغه ماركس وإنغلز في الأيديولوجيا الألمانية، ومن يجعلونها أيديولوجيا يتجاهلون نقد ماركس وإنغلز لها ومعارضتهما إياها بالنظرية العلمية[202]. وفي رأيه، تتضمن الماركسية مكونًا علميًا وآخر أيديولوجيًا، ولا يجوز فصلهما ولا الخلط بينهما[203].
ووفقًا لماركس، لا تزول الأيديولوجيا إلا إذا تحرّر العالم من الملكية الخاصة وهي أساس اغتراب العمل. وانتقد طرابيشي لينين في خروجه على تقليد ماركس وإنغلز حين جعل الأيديولوجيا هي الوعي الطبقي، وفسّر الموقف بوصفه تعويضًا بالوعي الطبقي الذي تجسده طليعة عمالية، أو حزب، عن ضعف الطبقة العاملة وعدم توفر الشروط المادية في بلد متخلف مثل روسيا[204]. وجرى في ظل الستالينية تحويل الماركسية إلى أيديولوجيا بالمعنى السلبي بوصفها وعيًا زائفًا وتبريرًا للنظام القائم[205]. هذا مع أنه لا يجوز الاستغناء عن المكون العلمي في الماركسية، وإنتاج ماركس في مجال علم الاقتصاد السياسي، وعلم التاريخ. وقد شبّهه إنغلز بداروين هذه العلوم، وذلك في خطابه عند تشييع ماركس في 17 آذار/مارس عام 1883[206]
ما فعله طرابيشي هو محاولة تطبيق المادية التاريخية على الماركسية نفسها، مُرجعًا تضخم المكون الأيديولوجي في الماركسية السوڨياتية إلى ظروف روسيا. فقد فسّر الموقف اللينيني بالظروف التاريخية التي تعوِّض فيها الأيديولوجيا بوصفها وعيًا طبقيًا عن ضعف الطبقة العاملة، والستالينية بتحولها إلى أداة تبرير. وفسّر التضخم الأيديولوجي العربي بالتخلف. ولكن للأيديولوجيا في ظروف التخلف وظيفة تاريخية هائلة، وهي: التعبئة لضرورة التصنيع، وللوحدة القومية التي لا تحتّمها الوقائع الموضوعية إذا لم تُؤخذ الإرادة في الحسبان[207]. وتوصل إلى استنتاج وحدة المكونين العلمي والأيديولوجي وتمايزهما في الوقت ذاته، بحيث تستند الأيديولوجيا إلى العلم، لا العلم إلى الأيديولوجيا[208].
صحيح أن ثمة مركّبًا معرفيًا في الأيديولوجيا، وحتى علميًا في حالة العقلانية منها، غير أنّه يفترض أن تستمد أي أيديولوجيا شرعيتها من القيم والأخلاق والغايات التي تسعى إلى تحقيقها، وما تحرّمه أيضًا، بما في ذلك في اختيار وسائل تحقيقها. وهو المطلوب عربيًا، فقد يكون العلم (إذا عُزل عن القيم) أداةً في تبرير أسوأ الأهداف الأيديولوجية وتنجيع وسائل تحقيقها. وقد سبق أن بيّن هبرماس كيف تجري في بعض المجتمعات المتقدمة محاولة في تحويل العلم والتقنية إلى بديل من الأيديولوجيا لتوجيه النقاش نحو الوسائل بدلًا من الغايات.
وإذا انتقلنا إلى مثقف وسياسي قومي هو ياسين الحافظ (1930-1978) نجد أنه على الرغم من عنوان كتابه الهزيمة والأيديولوجيا المهزومة، وهو مجموعة مقالات في الحقيقة، لم يقدِّم فيه معالجة نظرية للأيديولوجيا. ولكن من الواضح أنه يحمّلها مسؤولية عن الهزيمة في الصراع مع إسرائيل والفشل في مشروعي الوحدة العربية والتحديث. ولكن هذا على الأقل دليل على أنها تؤدي دورًا حاسمًا في نظره. ويضع تقديم الكتاب الأيديولوجيا ضمن “الأسباب العميقة” الأربعة للهزيمة قبل السياسي والعسكري (الذي عده تعبيرًا عن المكونات الأخرى، الاقتصادية والسياسية، والاجتماعية، والأيديولوجية)[209]. والأيديولوجيا عند الحافظ وعي مشروط ببنية. وقد رتب عوامل الهزيمة ترتيبًا صريحًا مع رفض للاقتصادوية. وأساس المشكلة عنده ليس التخلف التكنولوجي، بل أيديولوجي-سياسي، أما البنية العسكرية فهي “خلاصة التطور العام للمجتمع ومرآة تلاحمه”[210]، وهزيمتها تكثيف لهزيمة البنى التي تقوم عليها.
يمكن استنتاج بعض سمات الأيديولوجيا عنده من السياق، فمثلًا تُستنتج وظيفة التمويه التي قد تؤديها الأيديولوجيا من سياق مثل: “التحديث الكولونيالي الذي هز […] المجتمع التقليدي الذي كانت الصوفية غطاءه الأيديولوجي لقرون طويلة”[211]، أو من استنتاجه التضليل أو الخداع في الأيديولوجيا السائدة لدى الأنظمة العربية: “ولكي تخفي أو تموّه مسؤوليتها عن هذا العجز، تزعم أن الدعم الأميركي لإسرائيل يحكم ميزان القوى العربي-الإسرائيلي ويجعله لصالح إسرائيل، وبالتالي لا يمكن العرب مواجهة إسرائيل ما دامت أميركا وراءها”[212]
واعتبر أن تيارين أيديولوجيين يسيطران “منذ مطلع النهضة العربية الحديثة حتى هزيمة العام 1967”: تيار “إسلامي، تراثي، سلفي”، وتيار “قومي في أهدافه، شبه عصري في نياته وشبه تقليدي في واقعه، وتلفيقي (Éclectique) في منهجه”. وما دام التراث هو القرآن والسنة بالأساس، أصبحت مهمة “العقل” أن يحاكي ويقيس كل مسألة جديدة بالمسائل القديمة: “مهمتنا هي أن نكرر أسلافنا، والويل لنا إذا أخطأنا التكرار”، وبهذا رُبط العقل “بحبل موصول بالماضي السحيق”. لم يستوعب التيار السلفي فكر السلف “بل على العكس فإن فكر الأسلاف هو الذي استوعبه”، وقد ثُلم حدّه بعد أن أنجز مهمته التاريخية في بدايات النهضة على يدي جمال الدين الأفغاني (1839-1897) ومحمد عبده (1849-1905)[213. وهو يعُد شرط النهضة ومواجهة تحديات العصر، ومنها المواجهة مع إسرائيل، الانتقال “من الوعي الامتثالي إلى الوعي النقدي، ومن الوعي الأيديولوجي إلى الوعي المطابق”. والمقصود هو الوعي الذي ينطبق على الواقع المادي والاجتماعي المعاش دون تزييف أو إسقاطات أيديولوجية مسبقة، وهو شرط العقلانية التي تحتاجها المجتمعات لفهم أزماتها الحقيقية وتجاوز التخلف. ويريده الحافظ أساسًا للأيديولوجيا الراديكالية التي يتبناها[214]..
محمد عابد الجابري
أما المفكر المغربي محمد عابد الجابري (1935-2010)، فشدّد في كتاب الخطاب العربي المعاصر على أنه يتعامل مع أشكال الخطاب العربي المختلفة ضمن أيديولوجيا عربية ما زالت تحتفظ بسمات مميزة لها منذ عصر النهضة (أي خطابات عربية مختلفة ضمن أيديولوجيا واحدة)، إلا أنه لم يتجنب معالجة موضوع الأيديولوجيا نفسه. وقد شدد على أنه في كل أيديولوجيا جانب معرفي “موضوعي” هو نتاج تحليل للواقع الاجتماعي السياسي الثقافي بدرجة ما من الموضوعية والروح العلمية، وجانب أيديولوجي “ذاتي” يعبر عن المصالح والرغبات والتطلعات. والمقصود بالذاتي هو المنسوب لحامل المصالح والرغبات والتطلعات.
وعلى كل حال، لا يوجد عنده موقف سلبي من الأيديولوجيا، بل يتعامل معها بوصفها جزءًا من الواقع الاجتماعي. ويصبح الموقف منها سلبيًا حين يكون المكوّن المعرفي العلمي فيها ضعيفًا، ومرجعياته في الحالة العربية الواقع الأوروبي من جهة، والواقع الإسلامي في العصر الوسيط من جهة أخرى، (وللدقة يجب أن يُقال الواقعان المتخيّلان) ويضيف:
“إذا نحن تواضعنا على إطلاق اسم ’أيديولوجيا مطابقة’ على المنظومات الفكرية التي يشكل فيها الجانبان معًا، أي المعرفي الموضوعي والأيديولوجي الذاتي، كتلةً واحدة وينتميان إلى نفس الخصوصية الاجتماعية-التاريخية، فإننا سنكون ملزمين بوصف الأيديولوجيا العربية المعاصرة بكونها ’أيديولوجيا غير مطابقة’ […] لأن الجانب المعرفي عن الواقع العربي الراهن […] هو عبارة عن مفاهيم غير محددة وقوالب أيديولوجية مضببة تجد إطارها المرجعي، الاجتماعي التاريخي، في واقع غير الواقع العربي الراهن (الواقع العربي في القرون الوسطى أو الواقع الأوروبي في العصر الحاضر) […]، وبعبارة أخرى إن الخطاب العربي الحديث والمعاصر يخفي، أو هو يحاول أن يخفي، ضعفه المعرفي وثغراته المنطقية بواسطة مضامين أيديولوجية ينقلها من هذه الجهة أو تلك. ومن هنا الطابع الدغماتي المهيمن في هذا الخطاب […]”[215. ولذلك أيضًا، لا يجري صراع أيديولوجي فعلًا، فلا توجد قاعدة مكانية-زمانية مشتركة، لوجود سلطتين مرجعيتين من زمانين ثقافيين ومجالين معرفيين-أيديولوجيين لا رابط بينهما. فالسلفي يفكر داخل المجال العربي الإسلامي القديم وضمن إشكاليته، والليبرالي والماركسي داخل إشكاليات أوروبية. وبخلاف ما جرى ويجري في أوروبا من صراع أيديولوجي على قاعدة معرفية مشتركة من العقلانية والنظرة العلمية، بحيث تحصر هذه القاعدة المشتركة الخلاف في التأويلات والمواقف والمصالح والتطلعات، ليس في الحالة العربية الحد الأدنى من “الوحدة المعرفية” (ونضيف: أو القيمية) الذي يجعل الصراع النظري صراعًا أيديولوجيًا فعلًا لا مجرد سجال بين أيديولوجيات ذات مرجعيات غريبة عن الواقع[216].
يلامس تشخيص الجابري الموجز هذا واقع الأيديولوجيات العربية المعاصرة، ولكنه لا يبرر تسميتها جميعًا “الأيديولوجيا العربية” وكأنها واحدة بسبب بنية الخطاب المتراوح بين التأكيد على الأصالة أو المعاصرة والتوفيق بينهما، في حين أن الأصالة المقصودة هي الماضي، والمعاصرة هي الحاضر، ولكنه حاضر الغرب.
وسار عبد الله العروي (1933- ) باتجاه معاكس، فتعريفه الإجرائي الأول في كتابه الأيديولوجيا العربية المعاصرة للأيديولوجيا تعريف تبسيطي، فهي عنده “الفكر المغرض الهادف”[217]. وهو توطئة لتعريف أوسع: “أسمي أيديولوجيا (أدلوجة) أشياء ثلاثة: أولًا ما ينعكس في الذهن من أحوال الواقع انعكاسًا محرفًا بتأثير لا واعٍ من المفاهيم المستعملة. ثانيًا نسق فكري يستهدف حجب واقع يصعب، وأحيانًا يمتنع، تحليله. ثالثًا نظرية مستعارة لم تتجسد بعد كليًا في المجتمع الذي استعارها لكنها تتغلغل فيه كل يوم أكثر فأكثر”[218]. لا نجد هنا مركبًا معرفيًا، وآخر قيميًا، ولا نزعة إلى الهيمنة، ولا توجيهًا للفعل، ولا ارتباطًا بفئة اجتماعية. وبالمناسبة يستخدم العروي أدلوجة بدلًا من أيديولوجيا لغرض الالتزام بتفعيلة عربية.
عقب التعريف الثلاثي مباشرة، يتبنى العروي الدلالة الثالثة منهجيًا. الأيديولوجيا عنده “أنموذج ذهني” يسبق الواقع، وهكذا يغادر تفسيرات مثل الوعي الزائف، وقناع المصالح، وإخفاء التناقضات، وإسباغ المعنى على العالم، والتمثيلات الرمزية للواقع، إلى نموذج يمكنه تسميته الاستباق التحديثي. الأيديولوجيا في هذه الحالة داعية تحديث موجهة نحو المستقبل. يعني هذا الأمر “أن المستقبل فاعل في الحاضر، فيصبغ كل قول يتفوه به الأفراد بصبغة أيديولوجية، أي بصبغة الرغبة والتمني؟”[219]. فالمجتمع المجتاز “مرحلة طفرة” يُحكَم فيه على كل شيء بمؤشرات المستقبل”[220].
وقد خصص العروي لمفهوم الأيديولوجيا كتابًا استعرض فيه تاريخ التنظير الفلسفي للازدواجية وعدم المطابقة بين الفكر الإنساني والواقع. والمفهوم عنده “دائمًا مزدوج، وصفي ونقدي في نفس الوقت”، والبعد النقدي هو ما يميزه عن الفكر والذهنية والعقيدة والدين والفلسفة، وإلا غدا لفظًا فارغًا[221]. وصنفها في أربعة استعمالات: فهي قناع في ميدان المناظرة السياسية حيث يرى المتكلم أيديولوجيته عقيدة وفاء ويرى أيديولوجيات الخصوم أقنعة؛ وهي رؤية كونية تحدد “الأفق الذهني” لمجتمع في دور من أدواره التاريخية؛ وهي نظرة للعالم أو الكون مختلفة عن العلم الموضوعي؛ وهي تاريخانية تُستخدم نقديًا في تفكيك أنماط الوعي السائدة[222]. ليست الطبقية، ولا علاقات السيطرة ولا الهيمنة من أسس التعريف.
وقد راجع في كتابه هذا محاولات تفسير التشويهات التي تلحق بالوعي من منظور من يدعي امتلاك الوعي السليم الفلسفي أو الديني، من خلال الإرث الأفلاطوني الذي يردّ الخطأ إلى عطب في الحواس أو خلل في العقل أو غواية قوة قاهرة، والتجربة الإسلامية إذ استند إلى تحليل أبي حامد الغزالي (ت. 505هـ) في فضائح الباطنية وفضائل المستظهرية لأسباب اعتناق الدعوات الباطلة الذي يظل أسير غواية الشيطان وتضليله. وهي فرضية تغني عن المفهوم، لأنها تنسب ما تعده ضلالًا لقوى فوق طبيعية[223].
والمحصلة النقدية لاستعراض تاريخ تعامل الأعمال الفكرية مع المجالات التي يغطيها المفهوم في العصر الحالي هي أن الظاهرة تسمى بأسماء شتى: روح العصر، وأفق الذهن، وأرضية إبستيمولوجية، وتصور الكون[224]. وقد توصل إلى نتيجة مفادها أنه في كل بحث لواقع اجتماعي يلزم استخدام ثلاثة مفاهيم متميزة للأيديولوجيا، وهي: مفهوم ضيق يُطلَق على مجمل المنظومات الفكرية التبريرية في مجتمع ما، ومفهوم واسع يطلَق على “الذهنية” المتحكمة في كل حركات ومنظمات هذا المجتمع، و”مفهوم أوسع يشير إلى’العلم’ في عرف ذلك المجتمع”[225]. ولا يعني هذا الاستنتاج في الحقيقة إلا عدم الحاجة إلى المفهوم، وأن لا فائدة ترجى من تحديده. ومن الواضح، أن في كتابه هذا توترًا داخليًا بين تكريس كتاب للمفهوم والدعوة الختامية إلى “استعماله بحذر” بل الاستغناء عنه في أكثر الحالات بوصفه مفهومًا “مشكلًا” و”غير بريء”[226]
لا وجود لمجتمع حديث من دون أيديولوجيات، وبسبب فشل أنظمة سلطوية عربية حكمت باسم أيديولوجيات لم تطبقها أو فشلت في تطبيقها، وانهيار المعسكر الاشتراكي والانطباعات غير المريحة التي خلفتها تجارب حكم باسم الدين مثل النظام في السودان، ونظام الجمهورية الإسلامية في إيران، والنماذج السلبية التي قدمتها الأحزاب الأيديولوجية بالدوغمائية والتعصب والانشقاقات التي لا تنتهي، وبسبب العجز عن التطور وعن مواكبة العصر، انتشر في الواقع العربي وهم الاستغناء عن الأيديولوجيا، وظهر وكأن البراغماتية والتكنوقراطية وغيرها مما يُلجأ إليه هربًا من مواجهة النظام القائم، هو حداثة نقية من الأيديولوجيا، مع أنها في الحقيقة أيديولوجيا تهمش البعد الأخلاقي، وتعد أداتية العقل والمعرفة سقف الفعل الممكن في ظل الأنظمة السلطوية.
وتبدو الأنظمة السلطوية الحاكمة بخليط تلفيقي من أيديولوجيات مختلفة وكأنها تحكم من دون أيديولوجيا، وهي في الحقيقة تستخدم عناصر من الأيديولوجية الدينية، ومن الأيديولوجية الاجتماعية المحافظة والقومية والفاشية وفقًا للظرف والحاجة. وفي ظروف ضعف مكونات المواطنة الموجبة (أي الحقوق والواجبات)، تعمل الدولة السلطوية على تعويضها بأدلجة الهويات، والتعريف السالب للمواطنة، أي بالتشديد على تميّز المواطن عن غير المواطن من خلال أدلجة الهوية الوطنية.
ولا يصح تناول الموضوع عربيًا من دون التطرق إلى طبيعة المكونين المعرفي والأخلاقي للأيديولوجيات القائمة (المأزومة للأسباب التي ذكرها الجابري وأسباب أخرى كثيرة) وعلاقتها ببيئتها الاجتماعية. صحيح أن المعرفة العلمية ليست هي المهيمنة، ولكن التوجه العلموي الذي يعتبر أن محاربة الجهل هي الحل لجميع القضايا، يتجاهل دور الأخلاق، وغياب القاعدة القيمية المشتركة، ولا سيما في المجال العمومي، باعتباره أن مأزق المجتمعات المتخلفة هو ضعف المعرفة العلمية. وثمة أيديولوجيات قومية وطائفية ودينية تشدّد على المكون السياسي وترفع التحزّب لها فوق الأخلاق، وأخرى تفصل بين فكرها وسلوكها السياسي إلى حدٍ يفقد معه البعدان المصداقية. وهذا من شأنه أن يهمش النقاش بشأن المعارف والقيم التي تمثلها فعلًا، والعلاقة بين فكرها وسلوكها، والمجتمع الأفضل الذي تتصوّره، وكيفية الوصول إليه، والقيم المشتركة في إطار الوطن الواحد، التي تتيح التنافس بين التيارات السياسية المختلفة على أساس قاعدة متفق عليها، حين يصبح التنافس الحر ممكنًا.
الهوامش
[1] David McLellan, Ideology (Minneapolis: University of Minnesota Press, 1986), pp. 1-2; Jürgen Habermas, Towards a Rational Society: Student Protest, Science, and Politics, Jeremy J. Shapiro (trans.) (Boston: Beacon Press, 1970 [1968]), p. 99.
[2] Jürgen Habermas, Strukturwandel der Öffentlichkeit. Untersuchungen zu einer Kategorie der bürgerlichen Gesellschaft (Fankurt am Main: Suhrkamp, 1962), p. 215.
[3] Ibid., p. 216
[4] Peter L. Berger & Thomas Luckmann, The Social Construction of Reality: A Treatise in the Sociology of Knowledge (London: Penguin Books, 1966), pp. 140-141.
[5] John B. Thompson, Studies in the Theory of Ideology (Berkeley/ Los Angeles: University of California Press, 1984), pp. 5-6.
[6] Ibid., pp. 3-4.
[7] John B. Thompson, Ideology and Modern Culture: Critical Social Theory in the Era of Mass Communication (Cambridge: Polity Press; Blackwell Publishers, 1990), p. 56.
[8] Daniel Bell, The End of Ideology: On the Exhaustion of Political Ideas in the Fifties, rev. ed. (New York: The Free Press; London: Collier-Macmillan Limited, 1966 [1960]).
[9] Terry Eagleton, Ideology: An Introduction (London/ New York: Verso, 1991), pp. 3-5.
[10] Michael Freeden, Ideology: A Very Short Introduction (Oxford: Oxford University Press, 2003), p. 2.
[11] Stuart Hall, “The Problem of Ideology: Marxism without Guarantees,” in: David Morley & Kuan-Hsing Chen (eds.), Stuart Hall: Critical Dialogues in Cultural Studies (London: Routledge, 1996), p. 26.
[12] Teun A. van Dijk, Ideology: A Multidisciplinary Approach (London/ Thousand Oaks/ New Delhi: Sage Publications, 1998), p. 8.
[13] W. B. Gallie, “Essentially Contested Concepts,” Proceedings of the Aristotelian Society, vol. 56 (1955-1956), pp. 171-172.
[14] Ibid., pp. 179-180.
[15] Ibid., pp. 196-198.
[16] Siniša Malešević, Identity as Ideology: Understanding Ethnicity and Nationalism (New York: Palgrave Macmillan, 2006), pp. 2-3.
[17] Ibid., p. 4.
[18] Freeden, Ideology: A Very Short Introduction, p. 32.
[19] Martin Seliger, Ideology and Politics (London: George Allen & Unwin, 1976), p. 14.
[20] Ibid., p. 120.
[21] Ibid., p. 102.
[22] Eagleton, op. cit.
[23] van Dijk, pp. 28-29.
[24] Ibid., p. 32.
[25] Michael Freeden, Ideologies and Political Theory: A Conceptual Approach (Oxford: Clarendon Press, 1996), pp. 76-78.
[26] Antonio Gramsci, Prison Notebooks, Joseph A. Buttigieg (ed.), Joseph A. Buttigieg & Antonio Callari (trans.), vol. 1 (New York: Columbia University Press, 1992), pp. 223-224.
[27] يُنظر:
Karl Mannheim, Ideology and Utopia: An Introduction to the Sociology of Knowledge, Louis Wirth & Edward Shils (trans.) (New York: Harcourt, Brace & World, 1936), p. 37.
توجد ترجمة عربية للكتاب:
كارل مانهايم، الأيدلوجيا واليوتوبيا، مقدمة في سوسيولوجيا المعرفة، ترجمة محمد رجا الديريني (الكويت: شركة المكتبات الكويتية، 1980)، ص 112.
تُعتمد النسخة الإنكليزية من الآن فصاعدًا ويُرجع إلى هذه الترجمة عند إيراد اقتباسات مباشرة.
[28] Siniša Malešević, Nation-States and Nationalism: Organization, Ideology and Solidarity (Cambridge, UK: Polity Press, 2013), pp. 170-171.
[29] Eagleton, p. 28.
[30] Seliger, p. 16.
[31] van Dijk, p. 74.
[32] Eagleton, p. 205.
[33] Michel Foucault, Power/Knowledge: Selected Interviews and Other Writings 1972-1977, Colin Gordon (ed.), Colin Gordon et al. (trans.) (New York: Pantheon Books, 1980), p. 118.
[34] Michel Foucault, The Archaeology of Knowledge, A. M. Sheridan Smith (trans.) (London: Tavistock Publications/ Routledge, 1972 [1969]), pp. 48-49.
[35] Foucault, Power/Knowledge, p. 131.
[36] Pierre Bourdieu, Language and Symbolic Power, John B. Thompson (ed.), Gino Raymond & Matthew Adamson (trans.) (Cambridge: Polity Press, 1991), pp. 163-170.
الفصل السابع بعنوان “On Symbolic Power” مخصص لهذا المفهوم.
[37] Pierre Bourdieu, Outline of a Theory of Practice, Richard Nice (trans.) (Cambridge: Cambridge University Press, 1977), pp. 164-167.
[38] Ibid., p. 72.
[39] عبد الله العروي، مفهوم الإيديولوجيا، ط 8 (الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي، 2012 [1980])، ص 5.
[40] لكي لا نبالغ مثل جورج ليشتهايم فنقول إن تاريخ المفهوم هو الدليل إلى تفسيره.
George Lichtheim, “The Concept of Ideology,” History and Theory, vol. 4, no. 2 (1965), p. 164.
[41] McLellan, p. 5.
[42] Antoine Destutt de Tracy, “Mémoire sur la faculté de penser,” quoted in: Emmet Kennedy, A ‘Philosophe’ in the Age of Revolution: Destutt de Tracy and the Origins of ‘Ideology’ (Philadelphia: The American Philosophical Society, 1978), p. 47; Thompson, Ideology and Modern Culture, p. 30.
[43] Lichtheim, pp. 167-168.
[44] Bell, The End of Ideology, p. 395.
[45] Michael Rosen, On Voluntary Servitude: False Consciousness and the Theory of Ideology (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1996), pp. 170-171.
[46] J. Christopher Herold, Mistress to an Age: A Life of Madame de Staël (New York: Grove Press, 1958), pp. 216-255.
[47] Thompson, Ideology and Modern Culture, p. 34.
[48] Karl Marx & Friedrich Engels, Die Deutsche Ideologie [The German Ideology], in: MEW, vol. 3 (Berlin: Dietz, 1978), p. 26.
[49] Ibid., pp. 26-27.
[50] Karl Marx, Das Kapital [Capital], vol. 1, in: MEW, vol. 23 (Berlin: Dietz, 1962), p. 16.
[51] Friedrich Engels, “Brief an Franz Mehring vom 14. Juli 1893,” in: MEW, vol. 39 (Berlin: Dietz, 1968), p. 97.
رسالة إنغلز إلى فرانس ميرنغ من العام 1893.
[52] Friedrich Engels, “Brief an Conrad Schmidt vom 27. Oktober 1890,” in: MEW, vol. 37 (Berlin: Dietz, 1967), pp. 491-492.
رسالة إلى كونراد شميت من العام 1890.
[53] Eagleton, pp. 58-59.
[54] Karl Marx, Der Achtzehnte Brumaire des Louis Bonaparte [The Eighteenth Brumaire of Louis Bonaparte], in: MEW, vol. 8 (Berlin: Dietz, 1960), p. 141.
[55] Marx & Engels, Die Deutsche Ideologie, p. 46.
[56] van Dijk, pp. 96-97
[57] Karl Marx, Zur Kritik der Politischen Ökonomie [A Contribution to the Critique of Political Economy], in: MEW, vol. 13 (Berlin: Dietz, 1961), p. 9.
[58] Antonio Gramsci, Prison Notebooks, Joseph A. Buttigieg (ed. & trans.), vol. 2 (New York: Columbia University Press, 1996), p. 157.
[59] Thompson, Ideology and Modern Culture, p. 38.
[60] Rosen, p. 176.
[61] Ibid., p. 181.
[62] Ibid., pp. 184, 200.
[63] Ibid.
[64] V. I. Lenin, What the ‘Friends of the People’ Are and How They Fight the Social Democrats, in: Lenin Collected Works, vol. 1 (Moscow: Progress Publishers, 1977), p. 151.
[65] V. I. Lenin, What Is to Be Done? Burning Questions of Our Movement, in: Lenin Collected Works, vol. 5 (Moscow: Progress Publishers, 1977), p. 384.
[66] V. I. Lenin, The Three Sources and Three Components of Marxism, in: Lenin Collected Works, vol. 19 (Moscow: Progress Publishers, 1977), p. 23; Pateman, p. 67.
[67] V. I. Lenin, Materialism and Empirio-Criticism, in: Lenin Collected Works, vol. 14 (Moscow: Progress Publishers, 1977), p. 136.
[68] McLellan, p. 21.
[69] Ibid., pp. 23-24.
[70] Ibid., pp. 30-31.
[71] Freeden, Ideology: A Very Short Introduction, p. 27.
[72] Joseph A. Buttigieg, “Introduction,” in: Gramsci, Prison Notebooks, vol. 1, p. 18.
[73] Gramsci, Prison Notebooks, vol. 2, p. 158.
[74] Thompson, Ideology and Modern Culture, p. 41.
[75] Eagleton, p. 110.
[76] Gramsci, Prison Notebooks, vol. 1, p. 229.
[77] Gramsci, Prison Notebooks, vol. 2, pp. 199.
[78] Gramsci, Prison Notebooks, vol. 1, p. 137.
[79] Ibid., p. 138.
[80] Ibid., p. 158.
[81] Ibid., p. 159.
[82] Gramsci, Prison Notebooks, vol. 2, p. 175.
[83] Ibid., p. 157.
[84] Ibid., pp. 52-53.
[85] Ibid., p. 150.
[86] Ibid., p. 155.
[87] Ibid., p. 195.
[88] Gramsci, Prison Notebooks, vol. 1, p. 195.
[89] Gramsci, Prison Notebooks, vol. 2, p. 180.
[90] Antonio Gramsci, Prison Notebooks, Joseph A. Buttigieg (ed. & trans.), vol. 3 (New York: Columbia University Press, 2007), pp. 170-171.
[91] Ibid., p. 253.
[92] Louis Althusser, Lenin and Philosophy and Other Essays, Ben Brewster (trans.) (New York/ London: Monthly Review Press, 1971), pp. 159-161.
[93] Ibid., p. 158.
[94] Ibid., p. 170.
[95] Ibid., p. 143.
[96] Louis Althusser, For Marx, Ben Brewster (trans.) (London/ New York: Verso, 2005 [1965]), pp. 159, 224.
[97] Ibid., pp. 32-33.
[98] Althusser, Lenin and Philosophy, pp. 7-8.
[99] Ibid., p. 162.
[100] Ibid., p. 165.
[101] Ibid., pp. 130-133.
[102] Ibid., p. 135.
[103] Althusser, For Marx, pp. 231, 234-235.
[104] Althusser, Lenin and Philosophy, pp. 142-145.
[105] Ibid., p. 147.
[106] Paul Hirst, On Law and Ideology, Language, Discourse, Society Series (London/ Basingstoke: The Macmillan Press Ltd, 1979), p. 40.
[107] نيكولاس بولانتزاس، نظرية الدولة، ترجمة ميشيل كيلو، ط 2 (بيروت: التنوير للطباعة والنشر والتوزيع، 2010)، ص 27، 29، 131.
[108] بيار بورديو، عن الدولة: دروس في الكوليج دو فرانس (1989-1992)، ترجمة نصير مروة (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2016 [2012])، ص 164، 169.
[109] Althusser, Lenin and Philosophy, pp. 152-155.
[110] Ibid., p. 157.
[111] Althusser, For Marx, p. 231.
[112] Jorge Larrain, The Concept of Ideology (London: Hutchinson, 1979), p. 156.
[113] مانهايم، ص 226؛
Mannheim, p. 171.
[114] Mannheim, pp. 55-57.
[115] Ibid., p. 77.
[116] Ibid., p. 205.
[117] Ibid., p. 192;
مانهايم، ص 247.
[118] Ibid., pp. 262-263.
[119] Ibid., p. 160;
مانهايم، ص 217.
[120] Seliger, pp. 80-81.
[121] Paul Kecskemeti, “Introduction,” in: Karl Mannheim, Essays on the Sociology of Knowledge, Paul Kecskemeti (ed. & trans.), (London: Routledge & Kegan Paul; New York: Oxford University Press, 1952), p. 22.
[122] خلدون النقيب، تمهيد، مانهايم، الأيديولوجيا واليوتوبيا، ص 22.
[123] المرجع نفسه، ص 18-19.
[124] Mannheim, pp. 55-59.
[125] Ibid., p. 57.
[126] Ibid., p. 75.
[127] Ibid., pp. 265-266
[128] Ibid., pp. 61-62.
[129] Mannheim, p. 63; Friedrich Meinecke, Die Idee der Staatsräson (Munich/ Berlin: Druck und Verlag von R. Oldenbourg, 1925), p. 40.
[130] Mannheim, pp. 77-78.
[131] كما وردت في الترجمة العربية: مانهايم، ص 212؛
Mannheim, p. 155.
[132] Mannheim, pp. 154-155.
[133] Ibid., p. 158.
[134] Ibid., pp. 85-86.
[135] Ibid., p. 118.
[136] Ibid., p. 195.
[137] Mannheim, Essays on the Sociology of Knowledge, pp. 140-141.
[138] Clifford Geertz, “Ideology as a Cultural System,” in: David E. Apter (ed.), Ideology and Discontent, International Yearbook of Political Behavior Research, vol. 5 (New York: The Free Press of Glencoe; Collier-Macmillan, 1964), p. 64.
[139] Ibid., pp. 49, 61-64, 71.
[140] Eagleton, p. 151.
[141] Geertz, p. 56.
[142] Ibid., p. 63.
[143] Ibid., p. 64.
[144] Ibid., p. 71.
[145] Ibid., p. 48.
[146] Ibid., pp. 49-51.
[147] Ibid., p. 53.
[148] Francis X. Sutton et al., The American Business Creed (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1956); Geertz, p. 54.
[149] Geertz, pp. 63-64.
[150] Ibid., p. 71.
[151] Ibid., pp. 49-50.
[152] Ibid., pp. 50-52.
[153] Ibid., p. 71.
[154] Ibid., pp. 58-59.
[155] Ibid., pp. 62-63.
[156] Ibid., pp. 64-65.
[157] Ibid., p. 65.
[158] Ibid., pp. 70-71.
[159] Thompson, Ideology and Modern Culture, p. 58.
[160] Thompson, Studies in the Theory of Ideology, p. 131.
[161] Thompson, Ideology and Modern Culture, p. 68.
[162] Ibid., pp. 60-65.
[163] Thompson, Ideology and Modern Culture, p. 135.
[164] Ibid., pp. 57-58.
[165] Eagleton, pp. 5-6.
[166] Thompson, Studies in the Theory of Ideology, pp. 32-35.
[167] Ibid., p. 83.
[168] Thompson, Ideology and Modern Culture, p. 68.
[169] Ibid., pp. 265-270.
[170] Ibid., p. 269.
[171] Ibid., pp. 269-270.
[172] McLellan, p. 52.
[173] Hannah Arendt, The Origins of Totalitarianism (New York: Harcourt Brace Jovanovich, 1973), p. 469; McLellan, p. 54.
[174] McLellan, pp. 56-58.
[175] Ibid., pp. 61-62.
[176] Daniel Bell, “The End of Ideology Revisited (Part I),” Government and Opposition, vol. 23, no. 2 (Spring 1988), p. 133.
[177] Edward Shils, “Letter from Milan: The End of Ideology?,” Encounter, vol. 5, no. 5 (November 1955), pp. 52-58.
[178] Raymond Aron, The Opium of the Intellectuals, Terence Kilmartin (trans.) (New York: W. W. Norton & Company, 1962 [1955]), pp. 307-309.
[179] Ibid., p. 319.
[180] Ibid., p. 324.
[181] Raymond Aron, “On the Proper Use of Ideologies,” Priscilla P. Clark (trans.), in: Joseph Ben-David & Terry Nichols Clark (eds.), Culture and Its Creators: Essays in Honor of Edward Shils (Chicago: The University of Chicago Press, 1977), p. 14.
[182] Edward Shils, “The Concept and Function of Ideology,” in: David L. Sills (ed.), International Encyclopedia of the Social Sciences, vol. 7 (New York: The Macmillan Company & The Free Press, 1968), p. 66.
[183] Edward Shils, “Ideology and Civility: On the Politics of the Intellectual,” The Sewanee Review, vol. 66, no. 3 (Summer 1958), pp. 450-452.
[184] Shils, “Letter from Milan,” pp. 52-55.
[185] Ibid., p. 57.
[186] Shils, “Ideology and Civility,” pp. 457, 470.
[187] Shils, “The Concept and Function of Ideology,” p. 75.
[188] Seymour Martin Lipset, Political Man: The Social Bases of Politics, expanded ed. (Baltimore: The Johns Hopkins University Press, 1981 [1960]), pp. 440-441.
[189] Daniel Bell, The End of Ideology: On the Exhaustion of Political Ideas in the Fifties, with “The Resumption of History in the New Century” (Cambridge, MA/ London: Harvard University Press, 2000 [1960]), pp. 399-400.
تُستخدم في هذا الفصل طبعة عام 2000 لأنها تشمل إضافات مهمة لهذا الموضوع إلى طبعة 1962.
[190] Ibid., p. 405.
[191] Ibid., pp. 402-403.
[192] Daniel Bell, “The End of Ideology Revisited (Part II),” Government and Opposition, vol. 23, no. 3 (Summer 1988), p. 331.
[193] Bell, The End of Ideology, pp. 442-443.
[194] Ibid., p. 445.
[195] Seymour Martin Lipset, “Some Further Comments on ‘The End of Ideology’,” The American Political Science Review, vol. 60, no. 1 (March 1966), p. 17.
[196] Seymour Martin Lipset, “The End of Ideology and the Ideology of the Intellectuals,” in: Joseph Ben-David & Terry Nichols Clark (eds.), Culture and Its Creators (Chicago: University of Chicago Press, 1977), p. 17.
[197] Berger & Luckmann, p. 143.
[198] جورج طرابيشي، الماركسيّة والأيديولوجيا (بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر، 1971)، ص 195.
[199] المرجع نفسه، ص 207.
[200] Seliger, pp. 54-55.
[201] McLellan, pp. 75-76.
[202] طرابيشي، ص 9-10.
[203] المرجع نفسه، ص 173، 181.
[204] المرجع نفسه، ص 117، 120.
[205] المرجع نفسه، ص 148-149.
[206] Engels, “Das Begräbnis von Karl Marx,” MEW, vol. 19, p. 335.
[207] طرابيشي، ص 215-217.
[208] المرجع نفسه، ص 181-182.
[209] ياسين الحافظ، “الهزيمة والأيديولوجيا المهزومة” [1979]، في: الأعمال الكاملة لياسين الحافظ (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2005)، ص 677.
[210] المرجع نفسه، ص 869.
[211] المرجع نفسه، ص 681.
[212] المرجع نفسه، ص 787.
[213] المرجع نفسه، ص 829.
[214] المرجع نفسه، ص 855.
[215] محمد عابد الجابري، الخطاب العربي المعاصر: دراسة تحليلية نقدية، ط 5 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1994 [1982])، ص 200.
[216] المرجع نفسه، ص 201.
[217] عبد الله العروي، الأيديولوجيا العربية المعاصرة، صياغة جديدة (الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي، 1995)، ص 19.
[218] المرجع نفسه، ص 29.
[219] المرجع نفسه، ص 227.
[220] المرجع نفسه.
[221] العروي، مفهوم الإيديولوجيا، ص 12.
[222] المرجع نفسه، ص 9-14.
[223] يُنظر: الفصل الثاني من الكتاب، ص 19-30.
[224] يُنظر: الفصل الرابع، ص 64-94.
[225] المرجع نفسه، ص 143.
[226] المرجع نفسه، ص 160-162.
المراجع
بورديو، بيار. عن الدولة: دروس في الكوليج دو فرانس (1989-1992). ترجمة نصير مروة. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2016 [2012].
بولانتزاس، نيكولاس. نظرية الدولة. ترجمة ميشيل كيلو. ط 2. بيروت: التنوير للطباعة والنشر والتوزيع، 2010.
الجابري، محمد عابد. الخطاب العربي المعاصر: دراسة تحليلية نقدية. ط 5. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1994 [1982].
الحافظ، ياسين. “الهزيمة والأيديولوجيا المهزومة” [1979]. في: الأعمال الكاملة لياسين الحافظ. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2005.
طرابيشي، جورج. الماركسيّة والأيديولوجيا. بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر، 1971.
العروي، عبد الله. الأيديولوجيا العربية المعاصرة. صياغة جديدة. الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي، 1995.
________. مفهوم الإيديولوجيا. ط 8. الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي، 2012 [1980].
مانهايم، كارل. الأيدلوجيا واليوتوبيا، مقدمة في سوسيولوجيا المعرفة. ترجمة محمد رجا الديريني. الكويت: شركة المكتبات الكويتية، 1980.
الأجنبية
Althusser, Louis. For Marx. Ben Brewster (trans.). London/ New York: Verso, 2005 [1965].
________. Lenin and Philosophy and Other Essays. Ben Brewster (trans.). New York/ London: Monthly Review Press, 1971.
Apter, David E. (ed.). Ideology and Discontent. International Yearbook of Political Behavior Research. vol. 5. New York: The Free Press of Glencoe; Collier-Macmillan, 1964.
Arendt, Hannah. The Origins of Totalitarianism. New York: Harcourt Brace Jovanovich, 1973.
Aron, Raymond. The Opium of the Intellectuals. Terence Kilmartin (trans.). New York: W. W. Norton & Company, 1962 [1955].
Bell, Daniel. The End of Ideology: On the Exhaustion of Political Ideas in the Fifties, rev. ed. New York: The Free Press; London: Collier-Macmillan Limited, 1966 [1960].
________. The End of Ideology: On the Exhaustion of Political Ideas in the Fifties, with “The Resumption of History in the New Century”. Cambridge, MA/ London: Harvard University Press, 2000 [1960].
________. “The End of Ideology Revisited (Part I).” Government and Opposition. vol. 23, no. 2 (Spring 1988).
________. “The End of Ideology Revisited (Part II).” Government and Opposition. vol. 23, no. 3 (Summer 1988).
Ben-David, Joseph & Terry Nichols Clark (eds.). Culture and Its Creators: Essays in Honor of Edward Shils. Chicago: The University of Chicago Press, 1977.
________. Culture and Its Creators. Chicago: University of Chicago Press, 1977.
Berger, Peter L. & Thomas Luckmann. The Social Construction of Reality: A Treatise in the Sociology of Knowledge. London: Penguin Books, 1966.
Bourdieu, Pierre. Outline of a Theory of Practice, Richard Nice (trans.). Cambridge: Cambridge University Press, 1977.
________. Language and Symbolic Power. John B. Thompson (ed.). Gino Raymond & Matthew Adamson (trans.). Cambridge: Polity Press, 1991.
Eagleton, Terry. Ideology: An Introduction. London/ New York: Verso, 1991.
Engels, Friedrich. “Brief an Conrad Schmidt vom 27. Oktober 1890.” in: MEW. vol. 37. Berlin: Dietz, 1967.
________. “Brief an Franz Mehring vom 14. Juli 1893.” in: MEW. vol. 39. Berlin: Dietz, 1968.
Foucault, Michel. The Archaeology of Knowledge. A. M. Sheridan Smith (trans.). London: Tavistock Publications/ Routledge, 1972 [1969].
________. Power/Knowledge: Selected Interviews and Other Writings 1972-1977. Colin Gordon (ed.). Colin Gordon et al. (trans.). New York: Pantheon Books, 1980.
Freeden, Michael. Ideologies and Political Theory: A Conceptual Approach. Oxford: Clarendon Press, 1996.
________. Ideology: A Very Short Introduction. Oxford: Oxford University Press, 2003.
Gallie, W. B. “Essentially Contested Concepts.” Proceedings of the Aristotelian Society. vol. 56 (1955-1956).
Gramsci, Antonio. Prison Notebooks. Joseph A. Buttigieg (ed.). Joseph A. Buttigieg & Antonio Callari (trans.). vol. 1. New York: Columbia University Press, 1992.
________. Prison Notebooks. Joseph A. Buttigieg (ed. & trans.). vol. 2. New York: Columbia University Press, 1996.
________. Prison Notebooks. Joseph A. Buttigieg (ed. & trans.). vol. 1. New York: Columbia University Press, 2007.
________. Prison Notebooks. Joseph A. Buttigieg (ed. & trans.). vol. 3. New York: Columbia University Press, 2007.
Habermas, Jürgen. Strukturwandel der Öffentlichkeit. Untersuchungen zu einer Kategorie der bürgerlichen Gesellschaft. Fankurt am Main: Suhrkamp, 1962.
________. Towards a Rational Society: Student Protest, Science, and Politics. Jeremy J. Shapiro (trans.). Boston: Beacon Press, 1970 [1968].
Herold, J. Christopher. Mistress to an Age: A Life of Madame de Staël. New York: Grove Press, 1958.
Hirst, Paul. On Law and Ideology. Language, Discourse, Society Series. London/ Basingstoke: The Macmillan Press Ltd, 1979.
Kennedy, Emmet. A ‘Philosophe’ in the Age of Revolution: Destutt de Tracy and the Origins of ‘Ideology’. Philadelphia: The American Philosophical Society, 1978.
Larrain, Jorge. The Concept of Ideology. London: Hutchinson, 1979.
Lenin, V. I. Materialism and Empirio-Criticism. in: Lenin Collected Works. vol. 14. Moscow: Progress Publishers, 1977.
________. The Three Sources and Three Components of Marxism. in: Lenin Collected Works. vol. 19. Moscow: Progress Publishers, 1977.
________. What Is to Be Done? Burning Questions of Our Movement. in: Lenin Collected Works. vol. 5. Moscow: Progress Publishers, 1977.
________. What the ‘Friends of the People’ Are and How They Fight the Social Democrats. in: Lenin Collected Works. vol. 1. Moscow: Progress Publishers, 1977.
Lichtheim, George. “The Concept of Ideology.” History and Theory. vol. 4, no. 2 (1965).
Lipset, Seymour Martin. Political Man: The Social Bases of Politics. expanded ed. Baltimore: The Johns Hopkins University Press, 1981 [1960].
_________. “Some Further Comments on ‘The End of Ideology’.” The American Political Science Review. vol. 60, no. 1 (March 1966).
Malešević, Siniša. Identity as Ideology: Understanding Ethnicity and Nationalism. New York: Palgrave Macmillan, 2006.
________. Nation-States and Nationalism: Organization, Ideology and Solidarity. Cambridge, UK: Polity Press, 2013.
Mannheim, Karl. Ideology and Utopia: An Introduction to the Sociology of Knowledge. Louis Wirth & Edward Shils (trans.). New York: Harcourt, Brace & World, 1936.
________. Ideology and Utopia: An Introduction to the Sociology of Knowledge. Louis Wirth & Edward Shils (trans.). New York: Harcourt, Brace & World, 1936.
________. Essays on the Sociology of Knowledge. Paul Kecskemeti (ed. & trans.). London: Routledge & Kegan Paul; New York: Oxford University Press, 1952.
Marx, Karl & Friedrich Engels. Die Deutsche Ideologie [The German Ideology]. in: MEW. vol. 3. Berlin: Dietz, 1978.
Marx, Karl. Der Achtzehnte Brumaire des Louis Bonaparte [The Eighteenth Brumaire of Louis Bonaparte]. in: MEW. vol. 8. Berlin: Dietz, 1960.
________. Zur Kritik der Politischen Ökonomie [A Contribution to the Critique of Political Economy]. in: MEW. vol. 13. Berlin: Dietz, 1961.
________. Das Kapital [Capital]. vol. 1. in: MEW. vol. 23. Berlin: Dietz, 1962.
McLellan, David. Ideology. Minneapolis: University of Minnesota Press, 1986.
Meinecke, Friedrich. Die Idee der Staatsräson. Munich/ Berlin: Druck und Verlag von R. Oldenbourg, 1925.
Morley, David & Kuan-Hsing Chen (eds.). Stuart Hall: Critical Dialogues in Cultural Studies. London: Routledge, 1996.
Rosen, Michael. On Voluntary Servitude: False Consciousness and the Theory of Ideology. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1996.
Seliger, Martin. Ideology and Politics. London: George Allen & Unwin, 1976.
Shils, Edward. “Letter from Milan: The End of Ideology?.” Encounter. vol. 5, no. 5 (November 1955). pp. 52-58.
________. “Ideology and Civility: On the Politics of the Intellectual.” The Sewanee Review. vol. 66, no. 3 (Summer 1958).
Sills, David L. (ed.). International Encyclopedia of the Social Sciences. New York: The Macmillan Company & The Free Press, 1968.
Sutton, Francis X. et al. The American Business Creed. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1956.
Thompson, John B. Studies in the Theory of Ideology. Berkeley/ Los Angeles: University of California Press, 1984.
________. Ideology and Modern Culture: Critical Social Theory in the Era of Mass Communication. Cambridge: Polity Press; Blackwell Publishers, 1990.
van Dijk, Teun A. Ideology: A Multidisciplinary Approach. London/ Thousand Oaks/ New Delhi: Sage Publications, 1998.
المزيد للكاتب
عزمي بشارة
عزمي بشارة
ترامب
لا-أخلاقية السياسة في ظل إدارة ترمب وأثرها
مممت.jpg
قراءة في فكر الفيلسوف كارل ماركس
Image-1769286006
القومية… مختارات من أرابيكا
عزمي بشارة
نحو إعلان “اكتمال” معجم الدوحة التاريخيّ للغة العربيّة
الأكثر قراءة
1
أنطوان أبو زيد: من الزراعة إلى الرهبنة والشعر
2
لماذا العودة إلى “اليسار الجديد”؟
3
عباس بيضون: من ملحمة البطولة إلى شِعرية الحقيقة في زمن الحرب
4
فرنسا تتعرّف على “جيل نائل”