سعد سلوم.. كاتب عراقي. .. جريدة المدى
كيف يمكن لعلوم اجتماعية أُنفق عليها نصف قرن في العالم العربي أن تفشل في التنبؤ بزلزال اجتماعي واحد (مثل ثورات الربيع العربي)، أو تعجز عن تفسير صعود الهويات الفرعية عند أول اختبار تاريخي (كما حدث في العراق وسوريا)؟، أو ظهور جماعات مسلحة عابرة للحدود (مثل تنظيم القاعدة ثم داعش)، أو أسباب انهيار الطبقة الوسطى وانفجار العشوائيات الحضرية حول العواصم العربية الكبرى (مثل حزام الفقر حول القاهرة وبغداد).
تكمن الإجابة في تشخيص مسكوت عنه: لقد صُممت أدوات المعرفة الاجتماعية لدينا لتشريح الآخر الغربي أو لتلبية فضوله الاستشراقي، لا لتفهم الذات العربية من الداخل. وحين جاء إدوارد سعيد في مشروعه التفكيكي ليفضح كيف شيدت المركزية الغربية مفاهيم الاستشراق للسيطرة على الشرق واكتشاف الآخر العربي، ظن الأكاديميون العرب أن المهمة اكتملت بالنقد الخارجي. غير أن الأزمة الحقيقية لم تكن فقط في كيفية رؤية الغرب لنا، بل في “الاستشراق الداخلي” الذي مارسته المؤسسات الأكاديمية والنخب العربية على مجتمعاتها نفسها.
فعندما سعت المحاولات الفكرية لبناء معرفة مجتمعاتنا بذاتها، اصطدمت البنية الأكاديمية بإفلاسها المفهومي، إذ ظلت المناهج والكتب الدراسية غريبة تماماً عن مجتمعاتها، تُدرس نظريات قطعت صلتها بالواقع، وتجهل جهلاً تاماً “الآخر الداخلي”، تلك المكونات الإثنية المتنوعة التي تشكل جزء أساسيا من النسيج التعددي للمنطقة. لقد نشأت أجيال من الباحثين لا تعرف عن الكردي أو التركماني أو القبطي أو الأمازيغي المجاور.
وقد تعاملت المنظومات الفكرية والسياسية مع التنوع الثقافي عبر مقاربة أمنية صريحة، فرأت في التعددية تهديداً للهوية الموحدة للدولة، بدلاً من التعاطي معها بوصفها المحرك الأساسي والداينمو الثقافي للبنية الاجتماعية ومصدرا لغناها وثروتها. ولذلك كان شائعاً مطالعة أطاريح جامعية بعناوين مثل: الأكراد والوحدة الوطنية، أو الأقباط والوحدة الوطنية، أو الأمازيغ والوحدة الوطنية، وكأن التنوع هو تهديد لهذه الوحدة. هذا الاختزال القاصر هو ما يفسر تعثر المحاولات العربية وفشلها في إرساء علم اجتماع حقيقي، فلن يُفهم المركز السياسي والثقافي فهما كاملا ما لم يُدرس المجتمع أولا من هوامشه.
انطلاقاً من مأزق “الاستشراق الداخلي” وعجز المناهج المستوردة عن تفكيك الهامش والتنوع المحلي، تجلت أولى المحاولات الاستثنائية لتجاوز هذا القصور في ظاهرة السوسيولوجيا التي سبقت المؤسسة، والتمرد المعرفي الذي قادته شخصيات مثل علي الوردي في العراق، وجمال حمدان في مصر.
أدرك الرجلان مبكرا أن إسقاط النظريات الغربية الجاهزة لن يُنتج سوى معرفة مبتورة عن الواقع، فاندفع كل منهما لتطوير حقل مفهومي مستقل يقرأ مجتمعه من الداخل. فأتخذ علي الوردي من علم الاجتماع مشرطا جراحيا لتشريح السلوك العراقي وتفكيك تناقضاته الهيكلية. طرح الوردي سؤاله المفصلي: من هو العراقي؟، وعبر أطروحاته التأسيسية حول صراع البداوة والحضر، وتناشز القيم، وازدواجية الشخصية، قدم قراءة سوسيولوجية غير مسبوقة. وقد تجلى مشروعه في عمله الموسوعي (لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث) بأجزائها المتعددة، والأعمال الأخرى مثل: شخصية الفرد العراقي، وعاظ السلاطين، ومهزلة العقل البشري الخ. في هذه الأعمال، أزاح الوردي الستار عن الديناميات الدفينة للمجتمع، مبتدئاً من التناقضات الميدانية والصراع بين قيم القبيلة والمدينة، متجاوزاً خطابات التمجيد الرسمي إلى فهم الحراك الاجتماعي في عمقه التاريخي.
وعلى الجانب الآخر، سار جمال حمدان في الاتجاه المكمل، حيث نقل السؤال من شخصية الإنسان إلى شخصية المجال، متسائلاً: ما الذي صنع مصر؟ لم تكن جغرافيا حمدان وصفا تضاريسيا باردا، بل كانت سوسيولوجيا جغرافية وتركيبا كليا يعيد قراءة المكان عبر التاريخ والديموغرافيا والسياسة والعمران. وتوج هذا الفكر بعمله الموسوعي (شخصية مصر: دراسة في عبقرية المكان) الذي فكك فيه إيكولوجيا النيل، والمركزية السلطوية، والعلاقة بين الريف والمدينة، معتبراً أن الجغرافيا ليست مجرد مسرح للأحداث، بل هي فاعل اجتماعي وسياسي يُشكل الشخصية الوطنية والبناء الاجتماعي.
وعلى الرغم من أن الوردي في العراق وحمدان في مصر نجحا في التحرر من عقدة التبعية للغربي وقدمَا نموذجاً لكيفية دراسة الواقع محلياً وتركيبياً، إلا أن العراق ومصر كلاهما فشلا في تحويل هذين المشروعين الفرديين إلى مدارس ومؤسسات علمية مستدامة. لم تُبنَ حولهما معاهد بحثية تُورث مناهجهما وتطور مفاهيمها للجيل التالي من الباحثين، وبقيت أفكارهما إشراقات فردية ساطعة خارج الأسوار الأكاديمية التلقينية، مما أفسح المجال لعودة الأطر المستوردة والمقاربات الأمنية للسيطرة على المشهد.
إذا كان العراق قد شهد حالة السوسيولوجيا التي سبقت المؤسسة عبر فرادة علي الوردي، ومصر عبر التركيب الجغرافي المعرفي لجمال حمدان، فإن المغرب قدم تجربة معاكسة ومكملة: محاولة التأسيس لبناء مؤسسة سوسيولوجية نقدية مبكرة.
تأسس معهد السوسيولوجيا بالرباط عام 1960 بمرسوم رسمي وفي سياق بناء دولة الاستقلال، وتجلى أوج نشاطه التحولي تحت قيادة السوسيولوجي والمفكر عبد الكبير الخطيبي الذي تولى إدارته عام 1966. وتشكل كمختبر فكري جاد لطرح سؤال إلغاء استعمار المعرفة، وعبر مجلته المرجعية (الحوليات المغربية لعلم الاجتماع) التي صدرت بثلاث لغات عام 1968، خاض الخطيبي وجيله حواراً نقدياً مع المركز الأوروبي، واستضاف المعهد فلاسفة مثل رولان بارت، باحثاً عن تفكيك الهيمنة الاستعمارية وبناء مفاهيم تنبع من صلب الواقع المغاربي والعربي.
غير أن هذه التجربة المؤسسية الفريدة اصطدمت سريعاً بالجدار السياسي، فالسلطة السياسية قد تستوعب الإحصائي أو المخطط الاجتماعي الذي يزودها بالبيانات الإدارية، لكنها تتحسس وتتوجس من المعرفة السوسيولوجية النقدية التي تفكك بنى السلطة والطبقات والهيمنة وتجعل المجتمع قابلاً للمساءلة والمكاشفة. وفي 8 تشرين الأول/أكتوبر1970، صدر مرسوم رسمي بإلغاء المعهد وإغلاقه نهائيا، مع توزيع تدريس التخصص داخل كليات الآداب والعلوم الإنسانية لتدجينه وضبط إيقاعه الفكري.
تتجلى هنا مفارقة في تاريخ العلوم الاجتماعية العربية، فبينما نجح المغرب في تأسيس حاضنة أكاديمية نقدية أجهضتها السلطة لاحقاً، أنجب العراق ومصر قمتين فكريتين فذتين (علي الوردي وجمال حمدان) تركتهما المؤسسة والرسمية وحيدين دون مدارس تورث مناهجهما وتستمر بروحها. وبين قمع المؤسسة في المغرب وغيابها في العراق ومصر، ظل سؤال “من يدرس المجتمع العربي؟” معلقاً بين رعب السلطة وعجز الأكاديمية.
لم يكن هذا المصير المشترك وليد الصدفة، بل عكس صدام العقل الحر مع بنى الاستبداد والجمود، فقد دفع علي الوردي في العراق ثمن استقلاليته الفكرية وعدم انضوائه تحت أي يافطة أيديولوجية جاهزة، إذ تجاهله اليسار لرفضه قالب الماركسية الكلاسيكية متجاوزاً أدوات التحليل الطبقي الأرثوذكسي ككتابات حنا بطاطو، وصدم القوميين والبعثيين بتدمير أطروحاتهم الشمولية عن النسيج الموحد، ناهيك عن غضب المؤسسة الدينية التقليدية لتفكيكه تاريخ “وعاظ السلاطين”. وفي مصر، فرضت عزلة جمال حمدان بيئة سياسية لا تحتمل العقول الموسوعية، فواجه تهميشاً متعمداً من دوائر النخبة الرسمية والمؤسسة الأكاديمية التي فضلت الشعارات البراقة على التحليل الجغرافي والسياسي الرصين لشخصية المكان، فعاش ومات في صومعته مكرساً وقته للعلم. أما في المغرب، فكان غلق معهد السوسيولوجيا بالرباط عام 1970 استجابة لتوتر السلطة من تحول المعهد إلى مختبر شعبي يفكك آليات الهيمنة الاستعمارية والمحلية، فتم إغلاقه بمرسوم رسمي وتدجين تخصصاته داخل كليات الآداب وتفريغ علم الاجتماع من حمولته النقدية. وبين أطلال هذه التجارب المتفرقة، يظل تأسيس علم اجتماع عربي حقيقي مؤجلاً لحين تحرر المعرفة من مقصلة السلطة واستعراضية الأكاديمية التلقينية.
وإذا كان هذا المسار بين فردانية الرواد (الوردي، حمدان) ومأسسة معهد الرباط المجهضة يعكس عجز الأكاديمية عن حفر جذورها الخاصة، فإن حلقة الوصل المفقودة تكمن في المرجعية التأسيسية لابن خلدون، فهو الجذر الأبستمولوجي الحيّ الذي أثبت مبكراً أن تفكيك بنية المجتمع يبدأ من عين الواقع والظاهرة لا من النماذج المعلبة. وهي ذات الروح الميدانية الأصيلة التي حاول الوردي، وحمدان، والخطيبي استعادتها في القرن العشرين لترميم ما أفسدته التبعية الأكاديمية.
إن ما تكشفه تحولات تاريخنا المعرفي هو أن الأزمة العربية لم تكن يوماً عقماً في إنجاب المفكرين والنوابغ، بل تجسدت في العجز الهيكلي عن مأسسة المنجز الفكري وتحويله إلى تقاليد بحثية مستدامة، فقد أنتجنا ابن خلدون فتركناه أثراً تاريخياً، وأنجبنا الوردي وحمدان فتركناهما إشراقتين فرديتين دون مدارس تحمي إرثهما، وبنينا معهد الرباط فحلّته الحسابات السياسية. ولكي لا تظل المعرفة العربية بمجتمعاتها حائرة بين فردانية المفكر وتوجس السلطة، فإن العبور الناجز نحو علم اجتماع عربي يستوجب التحرر الإبستمولوجي بروح خلدونية تعيد التأسيس النظري من داخل الظاهرة، ودمج المعرفة التركيبية للجغرافيا والمجال على طريقة جمال حمدان، مع اعتماد المنهج الميداني لعلي الوردي في تشريح التناقضات وقراءة المجتمع من هوامشه وأقلياته بدلاً من التلقين الرسمي، وصولاً إلى بناء مؤسسات وشبكات بحثية إقليمية حرة تستلهم درس معهد الرباط لتضمن تراكم المعرفة وتواصل الأجيال.
ومن هذه القناعة الحاكمة تحديدا، انطلق مشروعي السوسيولوجي: قراءة المجتمع من أطرافه المتنوعة، لا من رواية السلطة والمركز، حيث خصصت عدداً من المؤلفات لدراسة هوامش المجتمع العراقي، كما في كتابي الأقليات في العراق 2013، والمسيحيون في العراق 2014، والوحدة في التنوع 2015، والإيزيديون في العراق 2016، وموسوعة الأقليات 2017، وديناميات الهوية 2022.
وبرأيي، فإن العراق اليوم يقدم المادة الأكثر غنى وكثافة لهذا المشروع المعرفي، بوصفه الفضاء الذي تتكثف فيه قضايا الدين والدولة، الطائفة والإثنية، والتحولات الجسيمة بين الريف والمدينة والأطراف والمركز. وما يحتاجه الواقع المعاصر ليس مجرد افتتاح أقسام جامعية تكرر المناهج المستوردة، بل إطلاق مشروع سوسيولوجي يجعل من التنوع والهامش مدخلاً لفهم الكليات.
لقد حان الوقت كي نكف عن طرح السؤال الكلاسيكي المحافظ: ماذا قال الوردي عن العراق، أو حمدان عن مصر؟، لنرتقي معاً نحو سؤال المستقبل الأكثر شجاعة وطموحاً: “ماذا يمكن للواقع الاجتماعي العربي والمغربي والعراقي اليوم، ومن صلب تنوعه وتجاربه الميدانية الباهظة، أن يقوله لعلم الاجتماع الإنساني والعالمي؟.