قادنا شايلوك في مقال سابق إلى سؤال المظلومية وما يبقى منها حين ينتقل صاحبها من رواية ما وقع عليه إلى تفسير ما يفعله. ويأخذنا السؤال نفسه هذه المرّة إلى ثلاثية “الأوريستيا” لإسخيلوس، حيث يصعب العثور على بداية للعنف. كلّ جريمة تصل إلى المسرح محمولةٌ على جريمة سبقتها، وكلّ قاتل يستطيع أن يعود خطوةً إلى الوراء ليجد واقعة تمنح فعله سبباً. القاتل في فصل من الحكاية هو صاحب الدم المطلوب في فصل آخر. تضع المسرحية أمامنا مشكلةً في الطريقة التي يحفظ بها البشر تاريخ الأذى. فالوقائع تمتدّ في الزمن، فيما تحتاج الرواية دائماً إلى نقطة تبدأ منها. واختيار هذه النقطة ليس تفصيلاً محايداً. وهنا يأخذ سؤال المظلومية الذي بدأناه مع شايلوك وجهاً آخر: ماذا يحدث حين تتعدّد البدايات، ويصبح لكلّ طرف ماضٍ حقيقي يستطيع أن يروي من خلاله قصّته بوصفه ضحيةً؟
تزداد المسألة تعقيداً عندما ننتقل من الأفراد إلى الجماعات. فالمعاناة التي تتحوّل إلى جزء من الذاكرة الجمعية تحتاج دائماً إلى رواية تحفظها وتصوغ معناها. ومع مرور الزمن قد تصبح نقطة البداية نفسها موضع صراع. وحين تتجاور هذه الذاكرات داخل مجتمع واحد، ينشأ سؤال آخر يتجاوز صدق المظلومية نفسها: أيّ موقع سيكون لألم كلّ جماعة في الرواية المشتركة؟ من هنا تظهر منافسة غريبة حول موقع الضحية. الاعتراف بمعاناة جماعة أخرى يُفهم أحياناً على أنّه إعادة توزيع للمكانة الأخلاقية التي منحها الماضي للضحايا السابقين. وقد يثير هذا الاعتراف خوفاً من أن تزدحم الرواية بتجربة أخرى تنافس التجربة التي سبقتها. عند هذه النقطة لا يعود الخلاف نزاعاً حول ما حدث وحده، بل يمتدّ إلى حقّ الجماعات في تحديد اللحظة التي يبدأ منها التاريخ.
هذا ما يحصل حالياً في سورية، حيث يصعب العثور على جماعة لم تتّصل تجربتها خلال العقود الماضية بالخوف أو الفقد أو العنف. غير أنّ وجود تجارب متعدّدة للمظلومية داخل المجتمع نفسه لا يؤدّي بالضرورة إلى اندماجها في ذاكرة واحدة. هناك من يبدأ من عام 2011 ويراه لحظةً مؤسّسة لكلّ شيء ويثبّته على هذا النحو، وهناك من يعود إلى الثمانينيّات ليجد جذور الحكاية في مجزرة حماة أو في مجزرة مدرسة المدفعية. ومع سقوط نظام الأسد ودخول البلاد مرحلة جديدة، ظهرت تجارب أخرى من الخوف والقتل والتهجير، كما حصل في مجازر الساحل والسويداء، وأصبح السؤال عن بداية الحكاية جزءاً من الخلاف على معناها. فكلّ نقطة بداية تستدعي ضحاياها وتحدّد المسافة التي تفصلهم عمَّن أوقع بهم الأذى، وقد تمنح من يتبنّاها تصوّراً مختلفاً عن آثار الكارثة ومضاعفاتها التي خلفتها عقود الديكتاتورية في المجتمع السوري منذ بداية حكم “البعث”. وهي كارثة مشابهة لطاعون ألبير كامو من هذه الزاوية أيضاً؛ فالوباء الذي ضرب وهران وضع سكّان المدينة أمام تجربة واسعة للموت والخوف والعزلة، من دون أن يجعل اشتراكهم في المعاناة كافياً لإنتاج معنى واحد لها. فيما يبقى معنى ما عاشوه مرتبطاً بما يفعلونه خلال الكارثة وبعدها. لهذا لا تبدو المعاناة عند كامو معرفةً يكتسبها تلقائياً من اختبرها. إنّها تجربة يمكن أن تجعل صاحبها أكثر انفتاحاً على آلام الآخرين، وقد تبقى محصورةً في حدود ما أصاب صاحبها، وقد يصبح الاعتراف بألم الآخرين صعباً حين يشعر الإنسان بأنّ هذا الاعتراف سيغيّر معنى تجربته الخاصّة أو موقعها في التاريخ. عندئذ تبدأ المقارنة بين الضحايا، ويصبح مقدار المعاناة معياراً لمقدار الاعتراف المستحَقّ. ويمكن للألم الذي كان يحتاج في الأصل إلى مَن يسمعه أن يتحوّل إلى معيار تُقاس به آلام الآخرين.
ربّما تكون سورية القاسية أمام هذا الامتحان الآن. فالمشكلة التي يتركها تاريخ طويل من العنف لا تتعلّق بكثرة الضحايا وحدها. إنّها تتعلّق أيضاً بقدرة السوريين على الاعتراف بتجارب لا تبدأ من النقطة نفسها التي تبدأ منها تجاربهم. ولا يشترط هذا الاعتراف ترتيب المآسي بحسب حجمها أو أسبقيتها. فالاعتراف بمظلومية الآخرين لا ينتزع شيئاً من حقيقة مظلوميتنا. وإذا بقيت المظلومية بحاجة إلى نفي مظلومية أخرى كي تحافظ على معناها، فسوف يستمرّ البحث عن اللحظة التي تثبّت أسبقية الضحية. وعندها لن يكون الخلاف على الماضي وحده، لأنّ اختيار الضحية التي تستحقّ الاعتراف سيظلّ يحدّد الطريقة التي يرى بها السوريون بعضهم بعضاً في الحاضر.
سمر يزبك.. كاتبة سورية .. العربي الجديد