ساطع نورالدين..كاتب. لبناني.
الديموقراطية الأميركية في أبهى صورها، التي رسمها مرشدها الأول المفكر السياسي الخالد ألكسيس دو توكفيل، قبل مئتي عام.
نفذ الناخبون الاميركيون ما يبدو أنه إنقلاب أبيض أطاح بالطغمة الحاكمة وأسقط الاوليغارشيا الأشد فساداً وتطرفاً وجنوناً في التاريخ الأميركي..ووضع الرئيس دونالد ترامب أمام واحد من ثلاثة خيارات لا رابع لهم: إما ان يجبر على الاستقالة من منصبه بحجة سوء استخدام السلطة، أو أن يُعزل رسمياً بدليل الإصابة بالخرف أو العجز عن القيام بمهامه، أو أن يدخل الى السجن، بعد إنتهاء ولايته الحالية بعد عامين، بفضيحة مالية او جنسية ما..
قال الرئيس ترامب أنه سيقاوم الانقلاب حتى اللحظة الأخيرة، باستخدام حق النقض ضد جميع القرارات المناهضة له التي سيتخذها الكونغرس المنتخب باللون الأزرق وبقية ألوان الطيف الأميركي الواسع، التي قدمت نموذجاً فذاً من الاندماج بقواعد العمل السياسي التي أرساها توكفيل، وبهرت العالم كله، بأسماء أبرزها السناتور المسلم عبدول(عبد الرحمن) السيد، الذي بات مرشحاً شرعياً لكي يتولى الرئاسة الأميركية في وقت ما من المستقبل.
الانقلاب جرى بشكل سلس وهادىء ومن دون شوائب تذكر. كانت عمليات التصويت والفرز والاحصاء التي امتدت طوال يوم أمس، أشبه بجراحة سهلة مسحت سنوات العار عن أميركا، ووضعت ترامب وفريقه وحلفاءه من أصحاب الثروات الخيالية في قفص الاتهام تمهيداً لمحاكمتهم واحداً تلو الآخر، بعد تجريدهم من آخر أسلحتهم الفتاكة، سلاح الذكاء الاصطناعي الذي يعصي القوانين والقيم الإنسانية والأخلاقية، وينذر البشرية بما يعادل الإبادة الجماعية.. بسلاح نووي يلوّح به الصديق الأوحد والاقرب للرئيس ترامب، الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، على نحو ما جرى الاثنين الماضي قبل ان تفتح مراكز الاقتراع الأميركية بيوم واحد!
ومثلما يبدو ان الانقلاب الأبيض، يمحو من الذاكرة الأميركية فصلاً مروعاً من تاريخها، كتبه فريق من شذاذ الآفاق غير المؤهلين للسلطة، الذين حيّدوا طوال عقد من الزمن، نخبها السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتميزة، يجوز القول ان معظم بلدان العالم نجت من الكارثة، وعادت الى سيرتها الأولى بإدارة شؤونها من دون حروب غير ضرورية، ومن دون بلطجة تجارية أو عمليات نصب او إحتيال.. لم تقتصر على إفراغ المحافظ المالية لدول الخليج العربي.
الانقلاب هو بلا أدنى شك خبرٌ سارٌ لمختلف جيران أميركا ولجميع شركائها التجاريين، ولإيران التي تنفست الصعداء، بعدما رأت، من غير وجه حق، أنها هي التي ساهمت في هذا الانعطاف الأميركي، من قرع طبول الحرب الى فتح صفحة جديدة من الانعزال الأميركي والتخلي عن دور شرطي العالم ومحرك حروبه بأسلحة فائقة التطور والذكاء.. مع أن الادلة ثابتة على أن فلسطين وقضيتها كانت ولا تزال هي المحفز الأخلاقي الأقوى للجمهور الأميركي، وعلى ان إسرائيل وجماعاتها الأميركية ( وعلى رأسها إيباك) هي العقدة الأكبر للسياسة الأميركية، سواء في الداخل او الخارج.. حيث سقطت في صناديق الاقتراع الأميركية سطوة المال اليهودي شر سقوط، ولن تتكرر عمليات شراء الأصوات الأميركية بعد اليوم، ولن تخرج إسرائيل سالمة من ذلك الانقلاب.
وكذا الامر بالنسبة الى الكثيرين من العرب الخليجيين الذين راهنوا طويلاً على الحصان الأميركي الخطأ، قبل ان يصيبهم خبر الانقلاب الأبيض بصدمة لا تُخفى، وتركهم وحيدين في مواجهة عدو إيراني لا يرحم ولا يغفر، ولا يقبل الحوار ولا الوساطة، من أي خليجي مهما كان قريباً، بل يفضل الانتظار حتى تتبلور صورة العزلة الأميركية.. عن مضيق هرمز وما يحيط به من دول ومصالح وصفقات.
العالم الذي إستفاق بالأمس على خبر الانقلاب الأبيض الأميركي، محطمٌ، أو متفجرٌ، أو محبط. وهو سيحتاج الى الكثير من الوقت لكي يتأقلم مع الاتجاه المعاكس الذي إختاره الناخبون الاميركيون بوعي وغريزة سياسية لا تخطىء.
بيروت في 5 / 11 / 2026