
باحثة وصحفية سورية..جريدة الثورة السورية
في كتاب التربية الإسلامية للصف الرابع، طبعة 2014-2015، صبيّان يلعبان بالكرة على العشب، وبينهما طفلة بضفيرتين تقفز بالحبل. في طبعة هذا العام بقي الصبيّان والكرة والعشب، واختفت الطفلة وحدها. لا تحتاج الصورة إلى تأويل؛ يلتقط طفل في التاسعة رسالتها دون درس: الملعب للصبيان.
نشر الصحفي محمد السلوم مقارنات بين طبعات قديمة وحديثة من الكتب المدرسية، تحقّق منها في الكتب الأصلية. راجعت منصة «تأكد» عيّنة منها وأكّدت الفروق. في 26 تشرين الأول ردّت وزارة التربية ببيان قالت فيه إن التعديل الوحيد منذ التحرير جرى عام 2025، وشمل حذف رموز النظام البائد و«تصحيح الصور والمحتوى المرتبط بها»، «بما يعكس تنوع المجتمع السوري». تحدّث البيان عن «معلومات غير دقيقة» دون أن يحدّد واحدة. بقي أن نعرف ما الذي صُحّح، ولماذا كانت البنت هي الخطأ.
في آب 2025 صدر مرسوم بتشكيل «المجلس الأعلى للتربية والتعليم» برئاسة رئيس الجمهورية. بين أعضائه العشرة وزير الأوقاف ورئيس المكتب الاستشاري للشؤون الدينية، ولا امرأة بين من سُمّوا، أما الخبراء الأربعة فلم تُعلن أسماؤهم. أحالت الوزارة المعايير الوطنية للمناهج إلى هذا المجلس لإقرارها. هيئةٌ لا تضم امرأة ستضع إذن الأساس الذي تُكتب عليه كتب أطفالنا لسنوات. وما نراه اليوم عيّنة مبكرة مما سيأتي.
أكثر التعديلات مباشرةً الحذف. في درس «خُلق التعاون» للصف الثالث كانت بنت تحفر بالمجرفة إلى جانب زملائها وهم يغرسون الشتلات. في الطبعة الجديدة بقي الزملاء، وبقيت كومة التراب في مكانها، وخرجت البنت من الرسم. هذا ما يسمى «الإبادة الرمزية»: ما لا يظهر في التمثيل يتعلّم المتلقي أنه غير موجود، أو غير مهم.
أحياناً يحلّ صبيّ محلّ البنت. البنتان اللتان كانتا تتصافحان عند الباب في درس إكرام الضيف صارتا صبيّين، والشجرة التي كانت تسقيها بنت في درس البيئة يسقيها الآن صبيّ. الكرم والعناية بالأرض باقيان في الكتاب، يؤديهما الصبيان. يُعاد هنا توزيع المكان ومن يملكه: يتعلّم الأطفال أن البيت حين ينفتح على الخارج يصير شأن الذكور، وأن مكان البنت خلف الباب. أضاف كتاب التربية الإسلامية للصف الثاني عشر أن مكانة المرأة «تنمو» من بنت إلى زوجة إلى أم.
ثم يأتي الحجاب. حضور المحجّبات في الكتب طبيعي، فهنّ جزء من مجتمع سوري متنوّع؛ الجديد أن الحجاب صار يُضاف إلى نساء وطفلات كنّ بلا حجاب في طبعة مؤقتة. غُطّي رأس الطبيبة التي تشرح اللقاح لتلاميذ الصف الأول، وحلّت طفلة محجّبة تشرب الماء محلّ طفلة كانت تملأ كوبها من الصنبور، في سنّ لا يُطلب فيها الحجاب. يفترض الكتاب عيناً غريبة تراقب الأنثى أينما كانت، ويعلّم البنت أن تتغطّى قبل أن تعرف لماذا.
كان درس «آداب اللباس في الإسلام» للصف الرابع يعرض بنتاً محجّبة وأخرى بلا حجاب وصبيّين يقفون معاً، وصار يعرض رجلين بثوبين قصيرين وطاقيّتين ولحيتين، وامرأتين منقّبتين، كل اثنين في إطار منفصل. ترتدي هذا اللباس قلّة في سوريا، والمشكلة هنا أن تحتكر الدولة تعريف «المسلمة الصحيحة»، وأن تمحو السوريّة المسلمة غير المحجّبة من كتاب يُفترض أنه لكل التلاميذ.
ولا ينتمي لباس الرجال إلى اللباس السوري المعروف: الثوب المرفوع فوق الكاحل والطاقية لا يشبهان شروال الريف ولا قمباز المدن ولا دشداشة الجزيرة. يقدّم الكتاب لأطفال سوريين زيّ تيار ديني بعينه على أنه لباس المسلم، ويغيّر غاية اللباس من «حبّاً للتجمّل» إلى «طلباً للستر والتجمّل».
لم يجرِ ذلك باتساق. الطبيبة نفسها بقيت بلا حجاب في الصفحة السابقة، والتلميذات حولها في صورة اللقاح بقين بضفائرهن. من عدّل الصور صحّح ما وقعت عليه عينه، وفاته الباقي.
طال التعديل نساء التاريخ أيضاً. كانت الأميرة أليسار في الدراسات الاجتماعية للصف السادس تمتطي جوادها إلى المعركة وفي يدها قوس؛ صارت رأساً مغطّى في لوحة ساكنة. في تاريخ الصف الثاني عشر بقي النص الذي يمدح لالّا فاطمة نسومر وجميلة بوحيرد في مقاومة الاستعمار الفرنسي، وحُذفت صورتاهما. لو كان السبب صلة بوحيرد بنظام الأسد لبقيت صورة لالّا فاطمة. يقبل الكتاب بطولة المرأة حكايةً، ويحذفها وجهاً يمكن لبنت أن تتعرّف إليه وتقلّده..
لا يعني هذا أن مناهج الأسد تستحق الحنين. اشترط كتاب التربية الإسلامية للصف التاسع، في طبعة 2017-2018، ألّا «تسبّب» المرأة العاملة «بطالة الرجال»، وأن توازن بين عملها و«عملها الأساسي» أمّاً. علّم كتاب الصف الثاني عشر طاعة الزوجة، وأسقط نفقتها إن عُدّت ناشزاً. انتقلت هذه الدروس إلى الطبعة الجديدة كما هي.
عرضت الدولة البعثية المرأة غير المحجّبة في الصور دليلاً على حداثتها، وتعرض السلطة الحالية المرأة المغطّاة دليلاً على أصالتها. تبدّلت العلامة وبقي المنطق: جسد المرأة شاشة تعرض عليها السلطة هويتها، والنساء، بتعبير نيرا يوفال-ديفيس، «حارسات رمزيات لحدود» الجماعة، بهن يُرسم من ينتمي ومن لا ينتمي.
في صورة الغرس، طبعة 2014، كان الأطفال يرتدون مناديل «الطلائع». حُذفت المناديل، وتغيّر لون المريول، وحُذفت البنت. بضربة واحدة صار اجتثاث البعث غطاءً لاجتثاث البنت.
يقول البيان إن المناهج تهدف إلى «ترسيخ قيم المواطنة». حُذف من كتاب اللغة العربية للصف السابع درس يقول إن الدستور كفل المساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات، وإن للسوريات حق التصويت منذ 1949. انضمّت سوريا إلى اتفاقية «سيداو» عام 2003 دون تحفّظ على مادتها العاشرة، التي تُلزم الدول بتنقيح الكتب المدرسية لإزالة المفاهيم النمطية عن دورَي الرجل والمرأة. الالتزام على الدولة، ولا يسقط حين يتغيّر من يحكم.
يقول البيان إن تطبيق المناهج الجديدة سيبدأ تباعاً. قبل ذلك يلزم نشر الإطار الوطني والمعايير للنقاش العام، وإخضاعها لمراجعة مستقلة تفحص ما تقدّمه عن النساء والرجال وأدوارهم، ومطابقة قائمة التعديلات المعلنة بما تغيّر فعلاً في الكتب. يلزم أيضاً إعلان أسماء الخبراء الأربعة، وإدخال نساء مختصّات إلى المجلس الأعلى ولجان التأليف، واستشارة المعلمات والمعلمين والأهالي.
بعد سنوات ستقف بنت في باحة مدرسة، والحبل في يدها، تنظر إلى صبيان يركلون الكرة. لن تتذكّر درس الصف الرابع، ولن يقول لها أحد إن الملعب ليس لها. ستعرف ذلك وحدها، كأنها وُلدت تعرفه، وتلفّ الحبل وتبتعد.