في أحد شوارع دمشق، ظهر طفلٌ في تسجيل مصور نائماً على الرصيف، وعند الحديث معه قال إنه بلا أسرة. بدا المشهد للوهلة الأولى وكأنه يروي حكاية طفل مشرّدٍ لا يعرفه أحد، لكن المعلومات المتوافرة لدى «مكتب مكافحة التسوُّل» تكشف جانباً آخر من قصته، فالطفل نفسه أُدخل إلى أحد مراكز الرعاية ثلاث مرات، وفي كل مرة حضرتْ أسرته ووقّعت تعهداً باستلَامه، قبل أن يعود مجدداً إلى الشارع.

تختصر هذه الحالة جانباً أساسياً من المعضلة التي تواجه جهود التعامل مع التسوُّل في سوريا اليوم. فمع تكثيف الحملات الميدانية، وإنشاء مراكز للإيواء والرعاية والتأهيل أو إعادة تجهيزها، تتحدث الجهات الرسمية عن الانتقال مما تُسمِّيه «ضبط المتسوِّلين» إلى معالجة أسباب الظاهرة، وإعادة دمج الأطفال في أسرهم ومدارسهم ومجتمعهم.

في دمشق وحلب، تتكرر الصورة بدرجات متفاوتة: حملات «تضبط» عشرات الأشخاص، ومراكز تستقبل الأطفال والنساء، وأسر توقّع تعهدات بعدم تكرار التسوّل، ومحاولات لإعادة بعض الحالات إلى التعليم أو العمل. لكن سرعان ما يعود كثير من الأطفال إلى التسوّل في الشوارع.

وهكذا، تبدو «مكافحة التسوُّل» بحسب المفردات الحكومية المستخدمة أمام مشكلة تتجاوز التسوّل بمعناه المباشر، لتتشابك مع الفقر والتشرد والنزوح، وغياب الوثائق المدنية، وعمالة الأطفال والتسرب المدرسي، والتفكك الأسري والاستغلال، وصولاً إلى الإدمان والاتجار بالأطفال في بعض الحالات.

من الحملات إلى مراكز التأهيل

تُقدّم وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل «مراكز مكافحة التسوُّل» باعتبارها جزءاً من خطة أوسع لا تقتصر على «ضبط المتسوّلين»، بل تشمل الإيواء والرعاية الصحية والنفسية والاجتماعية، والتعليم والتدريب المهني، ودراسة الحالات ومتابعة الأسر، إلى جانب تقديم الخدمات القانونية للأطفال الذين يفتقدون الوثائق الثبوتية.

في دمشق، أُنشئت ثلاثة مراكز رئيسية: مركزان في باب مصلى، أحدهما للفتيات بين الرابعة والثامنة عشرة، بطاقةٍ استيعابيةٍ تصل إلى نحو 130 فتاةً، والثاني للأمهات وأطفالهنَّ. أمّا المركز الثالث، فيقع في الكسوة بريف دمشق، ويستقبل الفتيان ضمن الفئة العمرية نفسها، بطاقةٍ تقاربُ 200 شخصٍ.

وتقول خزامى النجاد، مديرة مكتب «مكافحة التسوُّل» في مديرية الشؤون الاجتماعية بدمشق، إن الحالات التي تُضبط تُحال إلى النيابة العامة، وتخضع للفحص الطبي والتقييم الاجتماعي والنفسي قبل إدخالها إلى المركز المناسب. كما يُفترض أن تشمل الإجراءات دراسةَ أوضاع الأُسر وتقديم الدعم الاجتماعي والاقتصادي لها عندما تكون الظروف المعيشية أحد أسباب التسوُّل.

وبحسب النجاد، يمكن أن تمتدَّ إقامة بعض الحالات في المراكز من ستة أشهر إلى عامين، بهدف تأهيلها وإكسابها مهاراتٍ مهنيةً تساعدها بعد الخروج، من خلال أنشطة تشملُ الخياطة والحلاقة، إلى جانب خُططٍ لتوسيع برامج التدريب، ومنها الأنشطة الزراعية في مركز الكسوة.

مراكز دمشق وريفها: تجهيز سريع وافتتاح قبل اكتمال الاستعدادات

في 15 تموز (يوليو) 2025، أصدرت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل قراراً بإغلاق «مركز الكسوة لتأهيل وتشغيل المتسوِّلين»، عقبَ جولة ميدانية مفاجئة أجرتها الوزيرة هند قبوات، وجاء القرار بعد تسجيل أوضاع متردية ومخالفات داخل المركز.

وفي 11 أيلول (سبتمبر) 2025، وقّعت الوزارة مذكرة تفاهم مع مجموعة الحبتور الإماراتية، تتضمَّن تقديم مبلغ 2.5 مليون دولار أميركي لتأهيل وتأسيس عددٍ من مراكز الرعاية والتأهيل، من بينها مركز تعليمي لإعادة تأهيل الأطفال المتسوِّلين. وكان المركز المقصود هو نفسه مركز الكسوة الذي سبق إغلاقُه. وبعد شهر واحد، أعلنت الوزارة أن المركز أصبح جاهزاً لاستقبال الأطفال المتسوِّلين.

أمّا في باب مصلى، فقد دخلت أعمال التجهيز مرحلةً أخرى بدعم من فريق ملهم التطوعي. ورغم عدم إشارة الجهات الرسمية إلى مشاركة الفريق في تجهيز المركز، أكد أحد موظفي مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل بدمشق مشاركته، مشيراً إلى أن التنفيذ لم يكن جيداً، إذ ظهرت مشكلةُ تسرّب المياه إلى الطوابق السفلية بعد نحو ثلاثة أشهر.

ويوضِّح الموظف أن المركزَين اللذَين جرى الترويج لهما في باب مصلى ليسا سوى طابقين فوق مبنى مديرية الشؤون الاجتماعية. وبعد أن كسر الأطفال الباب الخشبي، رُكِّبَ بابٌ حديديٌّ، كما أُنشِئ درجٌ خارجي مباشر للوصول إلى المركز، بعيداً عن مبنى المديرية «حرصاً على راحة الموظفين فيها».

ويُضيف أن مركزَي الكسوة وباب مصلى جُهّزا على عجل، وافتُتحا قبل أن يصبحا جاهزين فعلياً لاستقبال الأطفال، داعياً إلى زيارة المركزين والاطلاع على أوضاعهما بعد أشهر قليلة من افتتاحهما، ومشاهدة حجم التخريب الذي لحق بهما.

وتثير هذه المعطيات تساؤلات حول سرعة الانتقال من الإعلان عن المشاريع إلى تشغيلها، ومدى جاهزية البنية المادية والإدارية والبشرية للتعامل مع أطفال يواجهون مشكلات اجتماعية ونفسية وقانونية معقدة.

وتقول خزامى النجاد، مديرة مكتب «مكافحة التسوُّل» للإخبارية السورية إن عدد الحملات بلغ نحو 26 حملةً حتى 19 آب (أغسطس)، وإن حملتين أسبوعياً تُنفّذان في مناطق مختلفة من دمشق، تبعاً لطبيعة كل منطقة وتوقيت وجود المتسوِّلين فيها. كما أوضحت أن عدد الحالات التي ضُبطت وأُودعت «مراكزَ مكافحة التسوُّل» بلغ 545 حالة حتى التاريخ نفسه، بينها 19 امرأة.

لكن هذه الأرقام لا تعكس بالضرورة حجم العمل الفعلي أو مدى نجاح الحملات في الحدِّ من الظاهرة. فبحسب الموظف في المديرية، لم يتجاوز العدد الفعلي للحالات التي ضُبطت خلال الحملة الأولى نحو 100 من الذكور والإناث، رغم أن الأرقام المعلنة كانت أكبر بكثير. أمّا اليوم، وبعد تنفيذ تلك الحملات، فيُقيم داخل المراكز نحو 25 فتاةً و15 فتى، بينهم أطفالٌ يقيمون في المركز منذ كانون الأول (ديسمبر) الماضي.

ويقول الموظف إن بعض الأطفال باتوا يعرفون العاملين في مكتب مكافحة التسوُّل، ولذلك يحاولون الهرب عندما يرونهم في الشارع. ويشير إلى أن عدداً منهم أُدخل إلى المركز أكثر من مرة، ومن بينهم الطفل الذي ظهر في التسجيل المصور مدعياً أنه بلا أسرة.

وفي حالة أخرى، وصلت أمٌّ برفقة أطفالها الثلاثة، أصغرهم في عامه الأول، من دون معلومات واضحة عن مصير الأب أو وثائق كافية. وأقامت الأم مع أطفالها داخل المركز، قبل أن تعمل فيه مقدمةً للرعاية وتتقاضى أجراً لقاء عملها.

وبحسب الموظف، لا يخلو التعامل مع النساء والفتيات خلال الحملات من الصعوبات، إذ يرفض عناصر الشرطة التدخل بحجة أن الحالات نسائية، ويتركون المهمة لرئيسة المكتب والموظفة الوحيدة معها، ما يعرّضهما، وفق قوله، للشتائم والاعتداء الجسدي أحياناً.

وتكشف المعلومات الواردة من دمشق أيضاً عن نقص في الموارد البشرية. فبحسب الموظف، كانت خزامى النجاد ترأس مكتب مكافحة التسوُّل عندما كان تابعاً للوزارة، قبل انتقاله إلى مديرية دمشق عام 2022. وخلال نحو ثلاث سنوات، لم يكن المكتب يتلقى سوى حالة أو حالتين أسبوعياً، بإجمالي يقلُّ عن 200 حالة، وكانت النجاد تعمل بمفردها تقريباً.

ولم ينضمُّ موظف إضافي إلى المكتب إلا في تشرين الثاني (نوفمبر) 2025، بالتزامن مع بدء تكثيف الحملات. وتتولى النجاد رئاسة مكتب مكافحة التسوُّل، إلى جانب إدارة مركز باب مصلى. أمّا العاملون في المركز، فتتفاوتُ خلفياتهم التعليمية بين الاقتصاد والعلوم السياسية والصيدلة، إلى جانب بعض الطلبة الجامعيين. في المقابل، تتطلب طبيعة العمل مع الأطفال والأسر الأكثر هشاشةً وجود اختصاصيين في علم الاجتماع وعلم النفس، نظراً إلى حاجة هذه الحالات إلى تقييم اجتماعي ونفسي مُتخصِّص، لا إلى إجراءات الضبط والإيواء المؤقت فحسب.

في حديقةٍ قريبةٍ من مشفى المواساة، تعيش أُسر بأكملها، تضمُّ آباءً وأمهاتٍ وأطفالاً، من دون هويات شخصية أو عقود زواج أو دفاتر عائلة. ولا يملكُ الأبُ في بعض هذه الحالات سوى إخراجَ قيدٍ يحمل عبارة «عشائر النوَر». وتَمتَهِنُ هذه الأُسر التسوُّل بجميع أفرادها، إذ يخرجون صباحاً للانتشار في شوارع دمشق، قبل العودة مساءً للنوم في الحديقة.

ومن الحالات التي تكشف تداخل التسوُّل مع مشكلات قانونية واجتماعية مُعقَّدة، حالة امرأة كانت تعيش مع أطفالها الثلاثة في بناء مهجور بمخيم اليرموك، ووردت «شكاوى» بشأن تسوّلها. وبحسب المعلومات المتوافرة، تبيّن أن الأطفال لا يملكون قيوداً مدنيةً واضحةً، وأن الأب لا يعترف بهم، رغم وجوده في دمشق وزواجه من امرأة أخرى وإنجابه منها طفلين.

وأُحيل الأطفال الثلاثة، وهم ولد وبنتان تتراوح أعمارهم بين الرابعة والسابعة، إلى جمعية «لحن الحياة» المُختصة بالأطفال مجهولي النسب. وتوضِّح هذه الحالة كيف يمكن أن يصل بعض الأطفال إلى الشارع بعد تراكُم مشكلات تبدأ داخل الأسرة، وتتَّصل بوضعهم القانوني، لتنتهي بالتشرُّد والتسوُّل.

التسوُّل الذي لا يبدو تسوُّلاً

لا يظهر جميع الأطفال في الشوارع وهم يمدُّون أيديهم طلباً للمال، لأن بعضهم يبيع الخبز والبسكويت والورود والمناديل، فيما يَمسحُ آخرون زجاج السيارات مقابل المال. ووفقاً لشهادات من مديرية الشؤون الاجتماعية، لا يتعامل عناصر الشرطة مع هذه الحالات باعتبارها تسوُّلاً، انطلاقاً من اعتبار الطفل «يعمل». لكن وجود طفل في سن المدرسة لساعات طويلة في الشارع يطرح مشكلةً أخرى تتعلَّق بعمالة الأطفال والتسرُّب المدرسي واحتمالات الاستغلال.

وبالتالي، فإن الحدَّ الفاصل بين التسوُّل والعمل في الشارع ليس واضحاً بالضرورة من الناحية الاجتماعية، فكلاهما قد يقود إلى النتيجة نفسها: طفلٌ خارج المدرسة، معرّضٌ للاستغلال، ويقضي جزءاً كبيراً من طفولته في الشارع.

وفي هذا السياق، يتناولُ المحامي محمد الخليفة الظاهرة في صحيفة «الثورة»، في مقال بعنوان «شوارع الشام تحت حصار التسوُّل المنظَّم»، قائلاً إن الظاهرة باتت من أخطر الأزمات الاجتماعية والأمنية التي تفاقمت بصورة مُقلقةٍ، وإن المشهد لم يَعُد يقتصر على حالات فردية تدفعها الحاجة والفقر إلى استجداء المارة، بل تحوّل، بحسب وصفه، إلى «ظاهرة منظّمة وشبكات معقَّدة تديرها عقول خفية». ويُضيف أن التسوُّل شهد تحوُّلاً من إطار «العوز الإنساني» إلى دائرة ما أسمَاه «التهديد الأمني والاجتماعي المباشر».

حلب: «الحملات» تتكرَّر دون أثرٍ فعلي

بعد عام على تشكيل «لجنة مكافحة التسوُّل في حلب»، لا تزال الظاهرة حاضرة في شوارع المدينة، ولا سيما عند التقاطعات والإشارات المرورية المزدحمة، مثل منطقتي السريان والقصر البلدي، وفي الموكامبو والجميلية وسط المدينة، الأمر الذي يُسبّب مضايقات للأهالي وسائقي السيارات.

وعقبَ الحملة الأولى للجنة، لاحظَ أهالٍ وأصحابُ متاجر في المناطق المستهدفة تراجعاً في أعداد المتسولين. لكن الأعداد عادت إلى الارتفاع تدريجياً، ليُعاود المتسوِّلون الانتشار على الأرصفة وفي الشوارع.

وفي وقت لاحق، أجرت محافظة حلب تعديلاً إدارياً على اللجنة، وأسندت مسؤوليتها إلى عبد الرحمن تركي، الذي سبق أن عمل في مكتب المتابعة والعلاقات العامة بالمحافظة. وبحسب مراقبين، شهدت الأشهر الماضية ارتفاعاً ملحوظاً في أعداد المتسوِّلين في شوارع حلب، رغم استمرار حملات اللجنة.

وخلال زيارة إلى مركز مكافحة التسوّل في حلب، رصدنا أسلوباً جديداً في تنفيذ الحملات يعتمد على عنصر المفاجأة، إذ تنطلق اللجنة برفقة عناصر من الشرطة ومديرية الشؤون الاجتماعية لتنفيذ «عمليات ضبط» تستهدف أعداداً كبيرة من المتسوِّلين، تتجاوز 50 شخصاً في بعض الحملات.

وخلال الزيارة، صادفنا امرأة مسنّةً تبلغ 75 عاماً، سبقَ أن أُوقفت بسبب التسوُّل، ثم أُفرج عنها بعد توقيعها وابنها تعهداً بعدم العودة إليه. لكنها ضُبطت مجدداً أثناء وجودنا في المركز، وفي هذه الحالة تُحال إلى القضاء وفق الإجراءات المتبعة.

ويخضع المتسوِّلون بعد ضبطهم لفحوص أمنية وصحية ونفسية، فيما يتولى مشفى ابن خلدون متابعة الحالات التي تحتاج إلى رعاية مُتخصِّصة.

ويُشير محمود الأبرش، رئيس فريق الشؤون الاجتماعية في «لجنة مكافحة التسوُّل»، إلى أن عمل اللجنة يواجه تحديات عدةً، أبرزها قلة الجمعيات ودور الأيتام وضعفُ الموارد، إضافة إلى استغلال بعض الأهالي أطفالهم في التسوّل. ويؤكد أن الحدَّ من الظاهرة يتطلَّب التوعية وحماية الأطفال وإعادتهم إلى التعليم.

وخلال عملها، ضبطت اللجنة حالات استُخدم فيها التسوُّل غطاءً لأنشطة غير قانونية، بينها «الترويج للمخدرات والدعارة»، وفقاً للجنة، التي أوضحت أن المتورطين أُحيلوا إلى الجهات القضائية المختصة. كما رصدت حالات اعتداء على أطفال من قبل مشغّليهم، بينها حالة كان المعتدي فيها والد الطفل، حيث جرى تحويله إلى الأمن الجنائي.

من جهته، يقول علاء شوبك، مدير مكتب حلب في الجمعية السورية للإغاثة والتنمية، إن الإدارة الجديدة للمركز أَحدَثت «تحسناً واضحاً»، مشيراً إلى أن «تيسيرَ الأمور أصبح أكبر، والمتابعة الاجتماعية أفضل». ويرى أن الحدَّ من التسوُّل يتطلّب دعماً أكبر من محافظة حلب وتوسيع فريق اللجنة، نظراً إلى الكثافة السكانية في المدينة.

عملية أمنية تكشفُ وجهاً أكثر خطورة

في 24 حزيران (يونيو) 2026، أعلنت وزارة الداخلية أن فرع مكافحة الاتجار بالبشر في حلب ألقى القبض على عصابةٍ قال إنها «تمتَهِن استغلال الأطفال في التسوُّل والسرقة».

وبحسب الإعلان، امتد نشاط المجموعة من ساحة سعد الله الجابري إلى منطقة سوق الهال القديم، وحُدِّدت هوية المتورطين والأطفال الذين جرى استغلالهم. كما قالت الوزارة إن أفراد المجموعة «استغلوا الضحايا جنسياً لفترات طويلة».

ولا تُثبِت هذه القضية أن التسوُّل في حلب تُديره شبكات منظَّمة في جميع الحالات، لكنها تُقدِّم مثالاً واضحاً على أن بعض الأطفال الموجودين في الشوارع، قد يكونون ضحايا جرائم واستغلال تتجاوز استخدامهم في التسوّل.

«الشُّعلة».. مشكلة داخل مشكلة

إلى جانب التسوّل، يواجه العاملون في دمشق وحلب مشكلة استنشاق مادة تُعرف محلياً باسم «الشّعلة» بين بعض أطفال الشوارع. وتعني هذه الحالات أن بعضَ الأطفال لا يدخلون المراكز وهم يعانون من التسوّل وحده، بل يحملون أيضاً آثار أشهرٍ أو سنوات من العيش في الشارع، بما في ذلك الإدمان والمشكلات السلوكية والنفسية.

لذلك، فإن نقلَ الطفل إلى مركز إيواءٍ لا يكفي بحدِّ ذاته، ما لم يترافق مع تقييمٍ نفسي وصحي، وعلاجٍ للإدمان عند الحاجة، إلى جانب التعليم والتأهيل وإعادة الدمج في المجتمع.

بين المركز والشارع.. ماذا يحدث بعد الخروج؟

تقول الرواية الرسمية إن إقامة الأطفال في مراكز دمشق يُمكن أن تمتدَّ من ستة أشهر إلى عامين، وإن الهدف منها توفير التعليم والتأهيل المهني. لكن الوقائعَ التي تكشفُها الحالاتُ داخل المراكز وفي الشوارع تطرح سؤالاً مختلفاً حول ما يحدث فعلياً بعد خروج الأطفال.

في لقاء إذاعي، أجابت خزامى النجاد عن هذا السؤال وغيره من الأسئلة المتعلِّقة بعمل المراكز، موضحةً أن استقبالها يقتصر على الأطفال دون سن الثامنة عشرة، وعلى النساء اللواتي يرافقهنَّ طفل دون الثالثة من العمر. أمّا بقية النساء والرجال، فيُحوّلون إلى إدارة مكافحة الاتجار بالبشر ومراكز الشرطة.

وبحسب النجاد، لا يمكثُ الأطفال في المراكز سوى عشرة أو خمسة عشر يوماً، وربما أقل من ذلك، قبل أن يحضرَ الأبُ أو الأم ومعه ورقةٌ موقّعةٌ من المحامي العام تسمحُ له باصطحاب الطفل.

وتشير إلى أن افتقار كثيرٍ من الأطفال إلى قيودٍ مدنيةٍ يُمثّل إحدى أبرز المشكلات التي تواجه العاملين، وأن معظم الأطفال يعودون إلى الشارع، مستدلةً على ذلك بتكرار دخول بعضهم إلى المراكز، حتى إن حالات عادت إليها نحو أربع مرات.

وتؤكد النجاد أن الأهل هم المشغّلون في 80 إلى 90 بالمئة من الحالات، وأن المردود اليومي للطفل الواحد يتراوح بين 100 و200 ألفِ ليرة سورية قديمة.

أمّا على مستوى انتشار المراكز، فتوضِّح أن دمشق وريفها يضمان ثلاثة مراكز أُنشئت أو جرى تجهيزها حديثاً، إلى جانب مركزين قديمين يتبعان جهةً خاصةً. ويوجد أيضاً مركز قديم في حلب، فيما افتُتح مؤخراً مركزٌ في طرطوس، في حين لا تتوافَر مراكزُ مماثلةٌ في بقية المحافظات حتى اليوم.

وخلال البحث، لم نعثُر على إحصائية توضِّح عددَ المتسولين الذين أُحيلوا إلى مراكز الشرطة أو إلى إدارة مكافحة الاتجار بالبشر. كما لم نعثُر على حسابات أو معرّفات مستقلة للإدارة، باستثناء ما تنشره وزارة الداخلية عبر مواقع التواصل الاجتماعي، إذ لا تمتلك الوزارة بدورها موقعاً رسمياً، شأنها في ذلك شأن كثير من الوزارات والجهات الرسمية.

وتكشفُ هذه الصورة عن فجوة بين الأرقام والتصريحات الرسمية من جهة، والواقع الذي تصفُه الحالات الموجودة داخل المراكز من جهة أخرى. الحملات المُتكرِّرة لا تكفي لمعالجةِ ظاهرةٍ ترتبط في جوهرها بالفقر والتشرُّد وعمالة الأطفال والتفكُّك الأسري وغيابِ الوثائق، ما لم تترافق مع تدخُّل اجتماعي وقانوني ونفسي متكاملٍ يحمي الطفل ويُعالِج ظروف أسرته، بدلاً من إعادة إنتاج الحلقة نفسها بين الشارع والمخفر والمركز، ثم الشارع مجدَّداً.