ملخص
حرائق الغابات هذا العام اجتاحت مساحات هائلة في عشرات الدول، فيما جعلتها موجات الحر والجفاف المرتبطان بتغير المناخ أسرع انتشاراً وأكثر شدة، ورفعت كلفتها البشرية والاقتصادية والبيئية إلى مستويات غير مسبوقة. واتساع رقعة الحرائق من أوروبا وكندا إلى أفريقيا وآسيا كشف ضعف استعداد بعض الدول لمواجهتها، بينما يدعو الخبراء إلى تحسين إدارة الأراضي وتعزيز قدرات الإطفاء والوقاية قبل تفاقم الخطر مستقبلاً.
كان صيفاً يمكن اختزاله في مشهد واحد: حريق هائج يجتاح الغابات، مطلقاً أعمدة كثيفة من الدخان الأسود في سماء مغبرة.
في جميع أنحاء العالم، أتت حرائق الغابات على أكثر من 370 مليون فدان من الأراضي في 80 دولة حتى الآن هذا العام، وهي مساحة أكبر من فرنسا وإسبانيا وألمانيا مجتمعة.
لم تسلم أي منطقة من النيران. فقد اجتاحت الحرائق سافانا أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، والغابات المطيرة الخصبة في أميركا الجنوبية، والمنتجعات الفرنسية الفاخرة على ساحل المحيط الأطلسي، وفاقمتها موجات الحرارة التي حطمت الأرقام القياسية والجفاف المنتشر على نطاق واسع.
في المملكة المتحدة، تسببت عدة موجات حر في اندلاع حرائق غابات ضخمة في نيو فورست وويست ميدلاندز، حيث وُصف المشهد بأنه “أشبه بنهاية العالم”. وقد اندلع أكثر من 1017 حريقاً حتى الآن هذا الصيف – وهو رقم يفوق الرقم القياسي المسجل العام الماضي – وقع ما يقرب من نصفها في يوليو (تموز) وحده. واحترق أكثر من 1400 فدان – وهي مساحة تعادل 900 ملعب كرة قدم – في حريق غابات في تينتويسل مور، في منطقة بيك ديستريكت في وقت سابق من الشهر الجاري.
الأحد، قال مكتب الأرصاد الجوية البريطاني إن موجة حر أخرى قد تلوح في الأفق في سبتمبر (أيلول)، على رغم دخول المملكة المتحدة فصل الخريف وفقاً لتقويم الأرصاد الجوية.
وقد قال علماء لـ”اندبندنت” إن هذه الحرائق والحرارة الشديدة غير مسبوقتين في التاريخ البشري الحديث، سواء من ناحية نطاقها العالمي أو الانبعاثات الناجمة عنها. وأضافوا أن تغير المناخ يزيد من سرعة انتشار الحرائق ومن شدتها ويجعلها أقل قابلية للتنبؤ.
الحرائق تبلغ مستويات “غير مسبوقة”
هذا العام، دُمر أكثر من 550 ألف هكتار من الأراضي في أوروبا وحدها. فيما تشير الأرقام الأولية الواردة من كندا، التي شهدت أكبر موسم لحرائق الغابات في تاريخها، إلى أن المساحة المتضررة في جميع أنحاء البلاد تتراوح ما بين 4 و6 ملايين هكتار.
كذلك فإن الخسائر البشرية والاقتصادية آخذة في الارتفاع. إذ تشير التقديرات الأولية إلى أن الحرائق كلّفت أوروبا ما بين 15.6 و19.1 مليار يورو (13 – 16.4 مليار جنيه استرليني)، بينما يُتوقع أن تكون الكلفة البشرية أفدح. وقد أُجلي أكثر من 300 ألف شخص في إسبانيا وفرنسا من منازلهم، بينما نزح قرابة 10 آلاف من السكان الأصليين المنتمين إلى “الأمم الأولى” والمقيمين في محميات بكندا.
ولم تظهر بعد الحصيلة الحقيقية للوفيات الناجمة عن الحرائق، في حين سجلت دراسة نشرتها مجلة “لانسيت” في عام 2024 أكثر من 1.5 مليون حالة وفاة سنوياً جراء استنشاق دخان حرائق الغطاء الطبيعي وغازاتها السامة. ولا يبدو أن هذا العام سيكون استثناءً.
يقول المتخصص في حرائق الغابات في مجموعة “إسناد الطقس العالمي” التابعة لإمبريال كوليدج لندن، الدكتور ثيودور كيبينغ، “نشهد حالات حرائق متطرفة لم يسبق لها مثيل. إن أشد الحرائق اليوم هي أسوأ مما كانت عليه حتى قبل فترة وجيزة نسبياً”.
ويضيف أن هذه الحرائق أشد تطرفاً مما كانت عليه تاريخياً من ناحية التواتر والشدة، كذلك فإن الحالات الفردية نفسها أصبحت أكثر حدة، على رغم أن المساحة الإجمالية للمناطق المحترقة آخذة في التقلص بسبب التغيرات في طرق استغلال الأراضي. وقد احترق ما يقرب من 150 مليون فدان في جميع أنحاء العالم، وفقاً لشركة “تكنوسيلفا” المتخصصة في رصد حرائق الغابات وتحليل بياناتها.
أوروبا تحترق
واجهت أوروبا “امتداداً لنشاط حرائق واسع إلى مناطق لم تشهد تاريخياً سوى قدر أقل بكثير من حرائق الغابات”، وفقاً لما ذكره جو ماكنورتون من المركز الأوروبي للتنبؤات الجوية المتوسطة المدى.
ويقول “يُعدّ عام 2026 بالفعل عاماً استثنائياً لحرائق الغابات في فرنسا، في حين شهدت الدول الأبعد شمالاً، بما في ذلك المملكة المتحدة وألمانيا وهولندا وبولندا والنرويج، حرائق وانبعاثات تفوق بكثير معدلاتها المعتادة، ويُحتمل أن تسجل أرقاماً قياسية”.
في وقت سابق من هذا الشهر، أخليت مناطق شاسعة من الساحل الفرنسي، حيث امتدت النيران نحو مدينة بوردو في ما وصفه الرئيس إيمانويل ماكرون بـ”أشد الأزمات” منذ الحرب العالمية الثانية.
حتى دول مثل اليونان، المعتادة على حرائق الغابات، وجدت نفسها عاجزة عن مواجهة الوضع هذا العام. يقول كبير العلماء في هيئة مراقبة الغلاف الجوي التابعة لبرنامج “كوبرنيكوس”، مارك بارينغتون، “لا يتعلق الأمر فقط بأماكن اندلاع الحرائق، بل أيضاً بمدى زيادة حدتها”.
وشهدت بلدة لوس غاياردوس في إسبانيا اندلاع حريق التهم ما يقدر بنحو 20 مبنى في غضون 24 ساعة، وفقاً لمايك بينيت، رئيس قسم الحلول الحكومية في شركة “آيس آي” ICEYE، التي توفر صوراً ملتقطة بالأقمار الاصطناعية باستخدام أكبر كوكبة أقمار صناعية في العالم تعمل بتقنية رادار الفتحة الاصطناعية SAR.
ويقول إن منطقة فوزيلا-أغيدا في البرتغال شهدت أكبر حريق غابات من جهة المساحة، إذ احترق أكثر من 13 ألف هكتار، بما في ذلك 8744 مبنى.
وأربك الانتشار الواسع للحرائق خدمات الطوارئ، فيما سارعت فرنسا إلى تأمين طائرات لإلقاء المياه على النيران. وفي إحدى المراحل، كانت شركة “ICEYE” تتابع 11 حريقاً كبيراً بالتزامن في أنحاء أوروبا.
يقول بينيت: “لا تجد الوكالات نفسها مضطرة إلى الاختيار بين مكافحة حريق واحد ومواصلة عملياتها العادية، بل تضطر إلى الاختيار بين حرائق عدة في آن واحد، وغالباً ما تعمل من دون رؤية واضحة بسبب الدخان والحرائق التي تشتعل ليلاً”.
أميركا الشمالية
أفاد برنامج “كوبرنيكوس” بأن كندا سجلت في أونتاريو، خلال خمسة أيام فقط، أعلى مستوى للانبعاثات منذ عام 2003، مما يفسر انتشار التقارير حول تدني جودة الهواء وتأثير الدخان.
وأضاف بارينغتون بأن الأمر نفسه سُجل في نونافوت، وهي إقليم كندي لا يشهد حرائق غابات كل عام.
واجتاحت حرائق الغابات في كاليفورنيا نحو ربع مليون فدان من الأراضي، فيما أفيد عن وقوع أكثر من 4 آلاف حريق في جميع أنحاء الولاية بحلول مايو (أيار). أفريقيا
شهدت القارة الأفريقية بدورها موسم حرائق غابات كارثي.
وأوضح سيباستيان فلودبيج، الرئيس التنفيذي لشركة “ديبفاير”، التي توفر بيانات وتحليلات عن حرائق الغابات باستخدام الأقمار الاصطناعية، أن الحرائق في أفريقيا شكلت نحو نصف (46 في المئة) إجمالي الحرائق العالمية منذ مايو من هذا العام.
لكن هذه الحرائق كانت أقل شدة من تلك التي اندلعت في كندا. فقد بلغ متوسط شدة الحرائق في جمهورية الكونغو الديمقراطية 12.1 ميغاواط، مقارنة بـ17.2 ميغاواط في كندا.
وتتضح شدة هذه الحرائق عند مقارنتها بمصادر طاقة مألوفة: فتوربين الرياح البحري يعمل بقدرة 15 ميغاواط، بينما تصل قدرة محركات الطائرة عند الإقلاع إلى 30 ميغاواط.
وأفيد عن وقوع أكثر من 191 ألف حريق غابات في جميع أنحاء أفريقيا، وفقاً لبيانات “النظام العالمي لمعلومات حرائق الغابات” التي حللها موقع “Our World in Data”، وهو أعلى عدد مسجل في أي قارة.
أستراليا وآسيا وأميركا الجنوبية
في يناير (كانون الثاني)، اندلعت حرائق غابات كبيرة في جميع أنحاء أستراليا، حيث أُبلغ عن وقوع نحو 21 ألف حريق بحلول أغسطس (آب). وأفادت التقارير بمقتل خمسة أشخاص في الأقل خلال موسم حرائق الغابات.
وأفيد عن اشتعال حرائق غابات في كل من اليابان وتركيا وإندونيسيا. وكان حريق أوتسوتشي في إيواتي باليابان ثاني أكبر حريق خلال 40 عاماً. احترق نحو ثمانية في المئة من مساحة البلدة، وظلت خدمات الطوارئ تعمل أسابيع عدة لإخماد النيران، بينما أُجلي ثلث سكان البلدة.
وفي الوقت نفسه، بلغت درجات الحرارة في كوريا الجنوبية 42 درجة مئوية هذا الصيف، حتى إن البطاطس سُلقت تحت الأرض بفعل الحرارة.
وشهدت تشيلي حرائق غابات ضخمة أودت بحياة 21 شخصاً في يناير من هذا العام، فيما التهمت ألسنة اللهب 45 ألف هكتار من الأراضي. ودُمرت مئات المنازل.
المملكة المتحدة “غير مستعدة” لمواجهة حرائق غابات مثل تلك التي تشهدها فرنسا
تأججت الحرائق بفعل موجات حر قياسية، إذ وصلت درجات الحرارة إلى 45 درجة مئوية في أوروبا.
لكن المتخصصين يحذرون من أن هذه ليست سوى البداية. فحرائق الغابات قد تندلع طبيعياً أو بفعل الإنسان، سواء عمداً أو عن طريق الخطأ، لكن ارتفاع درجات الحرارة بسبب تغير المناخ وزيادة فترات الجفاف جعلا الظروف أكثر ملاءمة لاشتعال الحرائق وانتشارها.
تقول الدكتورة أدريانا فورد، التي ترأس مركز “ليفرهولم” لحرائق الغابات والبيئة والمجتمع: “تشير الاتجاهات والتوقعات إلى أن الظروف الجوية المواتية لاندلاع الحرائق ستزداد. فكلما اشتدت الحرارة والجفاف، زاد احتمال اندلاع حرائق الغابات. وهذا هو الاتجاه الذي نسير نحوه”.
وتقول الدكتورة فورد إن دولاً مثل المملكة المتحدة قد لا تكون مستعدة لمواجهة حرائق كالتي شهدتها إسبانيا وفرنسا. وتضيف: “مجتمعات مثل بريطانيا لم تتكيف بعد مع خطر الحرائق، على رغم تعرضها الكبير لها. فالمناطق السكنية لدينا متداخلة بشكل كبير مع الغطاء النباتي، ولا توجد إدارة مناسبة للمناطق الفاصلة بينهما”.
وقد سلطت موجات الحر الضوء على رئيس الوزراء الجديد آندي بيرنهام، الذي واجه انتقادات من جماعات حماية المناخ لعقده اجتماعاً للجنة “كوبرا” حول الحرارة الشديدة، في الوقت الذي وافق فيه على مشاريع حقول النفط “جاكداو” و”روزبانك”.
ترى الدكتورة فورد أن تحسين التخطيط سيساعد على تجنب وقوع كارثة مستقبلية، ويشمل ذلك إدارة الأراضي بصورة أفضل والاستفادة من الخبرات المتخصصة في حرائق الغابات.
وتقول: “أمامنا الآن فرصة لمحاولة التخفيف من حدة حرائق الغابات ومنع حدوثها بدلاً من الاكتفاء بالاستجابة لها”.
وختمت: “علينا ألا نغلق مراكز الإطفاء، وأن نضمن توافر المعدات والتنسيق والسياسات اللازمة. كذلك يجب أن نهتم أكثر بإدارة الأراضي وإنشاء مناطق عازلة تحد من انتشار الحرائق. لن نتمكن من منع كل حرائق الغابات الشديدة، لكن هناك ما يمكننا فعله”.
© The Independent
