مع ازدياد الضغوط على إيران، وتلاشي أذرعها في المنطقة، تحوم التكهّنات حول احتمال قيام وكلاء إيران أو عملائها بعمليّات إرهابيّة، مثل محاولة اغتيال دونالد ترامب أو أحد أبنائه، أو محاولة استهداف قاعدة “RAF Fairford” الأميركيّة في بريطانيا، كما حصل يوم الأحد الماضي بشاحنات مفخّخة، وهي القاعدة الرئيسيّة التي تستعملها القاذفات الاستراتيجيّة في قصف إيران.
في خضمّ ذلك كلّه، ظهر تنظيم القاعدة بفيديو جديد أراد لفت الأنظار بشكل مفبرك إلى تجدّد الخطر الإرهابيّ السنّيّ، وذلك بهدف استعادة المسار التوافقيّ السابق بين واشنطن وطهران. ولم يلبث الفيديو كثيراً حتّى حاول طيّار عُمانيّ إسقاط طائرة إماراتيّة وعلى متنها مسافرون إسرائيليّون في سيناريو شبيه بما جرى قبل ربع قرن في أميركا. فهل هو استخدام “الراية المزيّفة” مجدّداً؟
في الذكرى الخامسة والعشرين لهجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001 على الولايات المتّحدة، أصدرت مؤسّسة سحاب التابعة لتنظيم “القاعدة” الجزء الأوّل من إصدار بعنوان: “ربع قرن من غزوات الحادي عشر من سبتمبر”، يظهر فيه حمزة بن أسامة بن لادن، في بداية الفيديو الدعائيّ الذي يبلغ طوله 52 دقيقة، وفي منتصفه، وأيضاً في آخره. وهو المفترض أن يكون قد قُتل بعمليّة أميركيّة بين باكستان وأفغانستان خلال السنتين الأوليَين من الولاية الأولى للرئيس دونالد ترامب، أي بين 2017 و2019.
يظهر هذا الإصدار الذي يستعمل صوراً خاصّة قديمة، وصوراً من الأرشيف الإخباريّ الدوليّ، وشهادات خبراء أميركيّين خاصّة بشأن آثار تلك الهجمات، وكأنّه محاولة مجازيّة لإحياء العظام وهي رميم. فالتنظيم نفسه، وبعد الانسحاب الأميركيّ المُخزي من أفغانستان، عام 2021، طبقاً لاتّفاق عقده الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب مع حركة طالبان بوساطة قطريّة، امتنع عن نعي قائده الأخير، وهو أيمن الظواهري، وقد اغتيل بمسيّرة أميركيّة في كابل عام 2022، بل امتنع عن إعلان هويّة قائده الجديد، أهو سيف العدل أم قياديّ آخر؟
هذا أمر نادر حصوله في الجماعات الجهاديّة مهما بلغ بها الوهن، بدليل احتفاظ تنظيم “الدولة الإسلاميّة”، وهو تنظيم منشقّ عن “القاعدة”، ما يزال ينشط إعلاميّاً أكثر من “القاعدة”، وينشر بيانات عن العمليّات التي يخوضها في قارّات مختلفة، وينعى قادته تباعاً، على الرغم من أنّ فروع “القاعدة” أقوى من فروع “داعش”.
هذا ما قد يدلّ على خلل بنيويّ أو فراغ قاتل في القيادة المركزيّة لـ”القاعدة”، وقد فقدت مؤسّسيها التاريخيّين. ولا دليل على حياة التنظيم، سوى بعض البيانات المتباعدة باسم القيادة المركزيّة بلغات مختلفة.
سيف العدل الأمير الجديد للقاعدة؟
من هنا، يحمل الفيديو الأخير لتنظيم القاعدة أسئلة رئيسيّة، وهو الذي لم يبقَ منه سوى الأرشيف والصور المتلاشية مع الزمن، والأصوات الصادرة من عمق التاريخ؛ وأبرز تلك الأسئلة:
- ما سرّ الغياب المفاجئ، طوال تلك السنوات، على الرغم من وقوع أحداث كبيرة ومن دون أيّ تفاعل لـ”القاعدة” معها، ولو إعلاميّاً، ما قد يدلّ على انطفاء ذاتيّ لمحرّكات التنظيم أو قيادته المركزيّة من دون الفروع النشطة جدّاً حاليّاً في شرق إفريقيا (حركة الشباب في الصومال) وغربها (جماعة نصرة الإسلام والمسلمين في مالي وما حولها)؟
هذا الانطفاء أو الانكفاء هو إمّا بقرار أو انحسار. والأرجح أنّ الاختفاء المقصود تنفيذٌ حرفيّ لالتزام حركة طالبان في اتّفاق الدوحة مع واشنطن عام 2020، ما منع “القاعدة” أو أيّ جماعة جهاديّة من تعريض أمن الولايات المتّحدة وحلفائها للخطر. لذلك رفضت الحركة الكلام مطلقاً عن نبأ اغتيال الظواهري في كابل، وكأنّه لم يقع أصلاً لأنّه يُحرجها ويعرّضها للخطر.
- ما سبب الظهور المباغت الآن، بفيديو لا يجيب عن الأسئلة المركزيّة، بل يثير الاستفهامات فقط؟
تضمّن الفيديو مشاهد غير منشورة من قبل لأيمن الظواهري، من دون إعلان وفاته رسميّاً. وظهر نجل أسامة بن لادن، حمزة، كأنّه إعلان رسميّ لبقائه حيّاً. ووردت اقتباسات متكرّرة من كتاب لسيف العدل، واسمه محمّد صلاح زيدان، وهو قياديّ عسكريّ مشهور في التنظيم، ومسؤول عن عدد من كبريات العمليّات والتفجيرات التي خطّط لها التنظيم في بداياته، على مدى عقد أو أكثر، بين تسعينيّات القرن الفائت، ومنتصف العقد الأوّل من القرن الحاليّ. وكأنّ المراد القول إنّ سيف العدل، القائد العسكريّ لـ”القاعدة”، بات الآن أميرها غير المعلن، بوجود حمزة المفترض!
- هل إحياء العلامة التجاريّة لتنظيم القاعدة إعلاميّاً وبشكل مصطنع يهدف إلى تحقيق مصالح دوليّة معيّنة، في لحظة انهيار محور الممانعة بقيادة إيران، وسقوط التفاهم الإيرانيّ الأميركيّ المعقود منذ ربع قرن؟
إنّ “الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة” كانت المستفيد الحصريّ من زلزال 11 أيلول 2001، وهي التي استقبلت منذ سقوط حكم طالبان عدداً كبيراً من أفراد التنظيم وقادته الكبار وأُسرهم، ومن بينهم بعض أفراد أسرة أسامة بن لادن، وبعض أبنائه لا سيما سعد وحمزة. ومن أبرز القادة سيف العدل، أبو الخير المصريّ، عبدالله عبدالرحمن (قُتل في سوريا عام 2017 بغارة أميركيّة)، أبو محمّد المصريّ، وعبدالله أحمد عبدالله (قُتل في طهران عام 2020 على يد عملاء إسرائيليّين، ومعه ابنته الأرملة المفترضة لحمزة بن لادن).
تقاطع مصالح بين “القاعدة” وإيران؟
تقلّبت أحوال لاجئي “القاعدة” بعد سقوط طالبان وفرارهم إلى إيران بين الاعتقال المؤقّت والسجن والإقامة الجبريّة في بيوت محروسة. تساهلت السلطات الإيرانيّة في البداية، وقد اختار مقاتلو “القاعدة” الإقامة أوّلاً في المناطق البلوشيّة السنّيّة، وذلك عام 2002 مقابل الامتناع عن أيّ نشاطات أو تجمّعات أو استعمال هواتف حتّى لا يلفتوا انتباه الأميركيّين. ثمّ بدأت مرحلة الاعتقال والترحيل بسبب انتهاك هذه الإجراءات.
مع غزو واشنطن للعراق عام 2003، سهّلت إيران خروج بعض أفراد التنظيم إلى العراق، وكان من بينهم أبو مصعب الزرقاوي (قُتل عام 2006 في غارة أميركيّة). ثمّ وضعت إيران أفراد “القاعدة” وعائلاتهم ومعظم قادتها البارزين في سجون سرّيّة وبظروف سيّئة، بين عامَي 2005 و2010، ثمّ مُنح من بقي من القادة حرّيّة محدودة في التحرّك تحت أعين الحرس الثوريّ الإيرانيّ، بعد صفقة تبادل مع “القاعدة”: إطلاق سراح دبلوماسيّين إيرانيّين مخطوفين مقابل الإفراج عن أفراد من التنظيم وقياداته، وبعض أسرة بن لادن.
ثلاثة قادة
لكنّ ثلاثة قادة من التنظيم حظوا بمعاملة خاصّة:
أوّلهم مصطفى حامد، أبو الوليد المصريّ (توفّي عام 2025). كان موجوداً في أفغانستان منذ الأيّام الأولى للغزو السوفيتيّ أواخر سبعينيّات القرن الماضي. وعلى الرغم من قربه من قيادات “الجهاد”، ومنهم أسامة بن لادن، إلّا أنّه في مقامه الإيرانيّ كتب سيرة المجاهدين العرب ومعاركهم في عدّة مؤلّفات وانتقدهم فيها بشدّة. وكذلك انتقد تنظيم القاعدة بشكل خاصّ في مقالاته اللاذعة، وكأنّه كان يحطّم الأسطورة، ويدمّر السرديّة. حامد لم يكن معتقلاً كالباقين، وعاد إلى مصر عام 2011، وما لبث أن عاد إلى إيران عام 2016.
الثاني هو سيف العدل، وهو صهر مصطفى حامد. وقد بقي في إيران، مع خروج كثير من الأفراد والقادة بصفقتَي التبادل المشار إليهما. وبحسب التقارير الاستخباريّة الأميركيّة، هو الذي سافر إلى وزيرستان على الحدود الباكستانيّة مع أفغانستان، بهدف جمع البيعات من أعضاء مجلس الشورى لانتخاب الظواهري بعد مقتل أسامة بن لادن في باكستان عام 2011، وذلك وفق دراسة علي صوفان في مجلّة “Sentinel” الصادرة عن مركز مكافحة الإرهاب في ويست بوينت، عدد شباط 2021.
الثالث هو أبو محمّد المصريّ، المرشّح لخلافة الظواهري، وصهره هو حمزة بن أسامة بن لادن. وبقي أيضاً في إيران إلى أن قُتل.
المصالح أو المخاوف المتبادلة
عن العلاقة المفترضة بين إيران و”القاعدة”، تقول الباحثة الأميركيّة اللبنانيّة الأصل نيلّي لحّود إنّ الضرورة هي التي حكمت هذه العلاقة، وربّما جمعتهما المصالح أو المخاوف المتبادلة مع التناقض الحادّ في الأيديولوجيات بين الطرفين. لحّود درست ستّة آلاف من الوثائق المُصادَرة من المقرّ الأخير لأسامة بن لادن في أبوت أباد بباكستان، وأصدرت الدراسة عام 2022 في كتاب بعنوان: The Bin Laden Papers، ومنها 300 وثيقة هي عبارة عن رسائل متبادلة بين بن لادن ومعاونيه، وذات ارتباط خاصّ بالعلاقة المعقّدة بين التنظيم وإيران.
أسامة بن لادن لم يكن يثق بالإيرانيّين، لا سيما بعد فرار ابنه سعد من السجن الإيرانيّ، عام 2008، ووصوله إلى باكستان، حيث أخبر والده بظروف الاعتقال. بل رصد التنظيم محاولات الحرس الثوريّ تجنيد بعض أفراده المعتقلين. وربّما أرادت الجمهوريّة الإسلاميّة في البداية التعامل مع الجهاديّين اللاجئين مع أفراد أُسرهم كرهائن عمليّاً لمنع “القاعدة” من تنفيذ عمليّات إرهابيّة فيها.
ورقة للمساومة
قد تكون إيران وجدت في مرحلة تالية أنّ لديها ورقة ثمينة للمساومة عليها مع الولايات المتّحدة والغرب، أثناء التفاوض على المشروع النوويّ. وبدلاً من تسليم قادة التنظيم إلى بلدانهم الأصليّة قسراً، أو إلى الدول المتضرّرة من عمليّاتهم، جعلتهم تحت الرقابة في أوضاع مُزرية لسنوات، قبل أن تُحسّن تدريجيّاً من ظروف الاعتقال، نتيجة اعتراضات المعتقلين واحتجاجاتهم، كما تكشف وثائق “القاعدة”.
مع اضطرار طهران إلى الإفراج عن عدد منهم، عامَي 2010 و2015، عقب اختطاف دبلوماسيَّيْن إيرانيَّين، واحد في باكستان عام 2008، وآخر في اليمن عام 2013، عمدت إلى استمالة بعض قادتها ونجحت في ذلك جزئيّاً.
الآن، وبعد كلّ هذا الغياب، يحاول سيف العدل، وهو آخر القادة التاريخيّين للتنظيم، إحياء الأيديولوجية كما استراتيجية “القاعدة” وأولويّاتها، التي تركّز على العدوّ البعيد، أي الولايات المتّحدة، في وقتٍ تعاني المنطقة العربيّة من اعتداءات إيران القريبة وأذرعها المجاورة. وهو ما تحتاج إليه طهران بشدّة، إلّا أنّ الرموز المُستدعاة في الفيديو المذكور لم يعودوا في الذاكرة الفوريّة. أمّا الأحداث الجسيمة فقد تجاوزت التنظيم بمسافات ضوئيّة.
