ملخص
إذا قرر البيت الأبيض التخلي عن الاتفاقات مع نظام طهران فسيحظى بدعم أطراف كثيرة، إلى جانب جزء من الكونغرس، أما إذا قرر إبرام اتفاق مع المرشد الإيراني بهدف تقليص الهجمات السياسية الداخلية التي يتعرض لها، فسيجد نفسه أمام وضع أكثر صعوبة، إذ سيواصل خصومه معارضة الرئيس، في حين سيجد حلفاؤه صعوبة في تأييد اتفاق جديد مع إيران.
على مدى أكثر من عام، حذرت في وسائل الإعلام الأميركية والعربية من أن النظام الإيراني يلعب لعبة تأجيل الاتفاقات إلى ما بعد انتخابات التجديد النصفي الأميركية، على أمل أن يخسر الجمهوريون السيطرة على الكونغرس.
وكان حساب الحرس الثوري الإيراني، ولا يزال، يقوم على احتمال أن يتمكن الديمقراطيون، ولا سيما “التيار الديمقراطي الاشتراكي” من الحصول على الغالبية في أحد مجلسي الكونغرس، ويفضل أن يكون ذلك في مجلس النواب الأميركي، لضمان وجود “حليف” من داخل الولايات المتحدة يساعد على إبطاء الإجراءات الأميركية ضد نظام الخميني في طهران، إن لم يكن تجميدها بالكامل.
وقد فضلت إدارة الرئيس دونالد ترمب، بناءً على نصائح مبعوثيها وبعض أوساط بيروقراطية الإدارة، عدم تجاوز نقطة اللاعودة في المواجهة مع النظام، على رغم تعدد الفرص المتاحة أمامها على مدى أكثر من ثمانية أشهر لإلحاق الهزيمة بالحرس الثوري الإيراني، المعروف باسم “الباسداران”.
لقد أدركت طهران أن قوة جماعات الضغط، ولا سيما عندما يكون هناك اتفاق بقيمة 300 مليار دولار على المحك، يمكن أن تزيد الضغط على الشركات التي تخطط للمشاركة في المشاريع المالية المقبلة.
وباختصار، استخدم النظام الإيراني “عروضه” لكسب ما يكفي من الوقت، وتأجيل أي ضربات أميركية كبرى إلى حين أن تؤدي التطورات في السياسة الداخلية إلى إبطاء خطط الإدارة الأميركية المتعلقة بالحرب مع إيران.
وبحلول أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، وبعد انتخابات الكنيست الإسرائيلي، ستكون الأسابيع القليلة الأكثر حساسية، التي تسبق انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، ذات تأثير كبير في العامين الأخيرين من ولاية إدارة ترمب، ومن ثم في سياستها تجاه إيران، ما التحديات المطروحة؟
إذا خسر الجمهوريون غالبيتهم في الكونغرس، سواء في مجلس الشيوخ أو مجلس النواب، فستواجه الإدارة ضغوطاً هائلة لتخفيف حدة المواجهة مع إيران، وربما، بحسب حجم الخسائر في الكونغرس ومجلسي التشريع، وقف الحملة والسعي إلى التوصل إلى اتفاق، غير أن مثل هذا التحول الجذري في السياسة لن يبدأ على الأرجح إلا في مطلع العام المقبل، عندما تبدأ الغالبية الجديدة ممارسة مهامها في يناير (كانون الثاني) 2027، فما الذي قد يحدث إذا خسرت الإدارة غالبيتها في الكابيتول هيل، أي في مجلس النواب الأميركي؟
ستتولى القيادة الديمقراطية الجديدة رئاسة مجلس النواب، وستعمل بصورة منهجية على تفكيك القرارات التنفيذية الكثيرة التي اتخذها الرئيس ترمب، سواء على المستوى العام أو في ما يتعلق بالحرب مع النظام الخميني على وجه الخصوص.
ويمكن إجراء مقارنة مع انتصار الديمقراطيين في انتخابات الكونغرس عام 2006 خلال إدارة الرئيس جورج بوش، فإذا تمكنت المعارضة من السيطرة على المجلسين، فستستحوذ على السلطة التشريعية وتستخدمها بصورة منهجية لمواجهة سياسة الرئيس ترمب تجاه إيران.
لكن المعارضة عام 2007، التي كانت تعارض حربَي جورج دبليو بوش في العراق وأفغانستان، اكتفت بالضغط من أجل إلغاء التمويل المخصص للعمليات العسكرية، وقد أدى ذلك في نهاية المطاف إلى الانسحاب الكامل من العراق في عهد باراك أوباما عام 2011، ثم، بعد أعوام، إلى إجلاء القوات من أفغانستان في عهد بايدن عام 2021.
أما في ظل إدارة ترمب وفي حال انتخاب كونغرس يخضع، بصورة غير مباشرة، لتأثير أوباما، فستكون المعركة حول السياسة الخارجية شديدة الصعوبة.
لقد أتيح للإدارة عام ونصف العام لإنهاء آلة الحرب التابعة للنظام الخميني، وكانت تعلم أن النظام يناور ويماطل، ومع ذلك ركزت على إبرام اتفاقات مع طهران، وهي اتفاقات لم تكن تتحقق.
لقد كسب النظام الإيراني، حتى الآن، معركة الوقت، لكن لا يزال أمام الإدارة عامان لتحقيق الهدف الذي أعلنت أنها تسعى إليه.
ولن يكون الأمر سهلاً إذا تحول أحد مجلسي الكونغرس إلى صف المعارضة، وسيكون أصعب بكثير إذا خسر الجمهوريون المجلسين كليهما، كما حدث مع جورج بوش في عامي 2007 و2008، أو مع دونالد ترمب في عامي 2019 و2020.
ومع ذلك، ثمة احتمال آخر، وإن كان أقل ترجيحاً، لكنه يظل قائماً من الناحية النظرية، وهو أن يحتفظ الجمهوريون بالسيطرة على الكونغرس، ولو بغالبية ضئيلة.
في هذه الحال ستستأنف الإدارة خططها وإستراتيجياتها المتعلقة بإيران، غير أن ذلك قد يفتح الباب أمام نقاشات أكثر حدة داخل الإدارة في شأن الإستراتيجيات الجديدة.
فهل سيعكس البيت الأبيض أهدافه بالكامل، منتقلاً من السعي إلى إبرام الاتفاقات إلى ممارسة ضغوط قوية لإجبار النظام على تقديم تنازلات؟ أم أن الرئيس سينتقل إلى مستوى آخر من المواجهة بهدف إسقاط النظام؟
وما المزاج العام السائد في أميركا؟ وما النصائح التي ستقدمها الدول العربية؟ والأهم من ذلك، كيف ستتموضع الحكومة الإسرائيلية الجديدة إزاء إيران؟
يبدو أن إسرائيل، بصرف النظر عن الجهة التي ستشكل الحكومة فيها، ستضغط باتجاه تغيير النظام الإيراني، لكن من المنطقي أيضاً أن إدارة ترمب، إذا تمتعت بحرية أكبر في التحرك، قد ترغب في استغلال المعادلة الجديدة للتوصل إلى اتفاق، وفي المقابل، قد يتجه الرئيس، إذا تعرض لضغوط سياسية، إما إلى تعاون كامل مع إسرائيل، أو إلى تعاون كامل مع إيران.
واستناداً إلى ما أراه، فإن القاعدة الشعبية المؤيدة لدونالد ترمب، ولا سيما بعد الأحداث في أوروبا، ومع استمرار تأثير أحداث السابع من أكتوبر 2023 فيها، لن تؤيد رؤية تقوم على إبرام اتفاق مع الحرس الثوري الإيراني.
يضاف إلى ذلك الضغط الذي تمارسه الجاليات الإيرانية وغيرها من جاليات الشرق الأوسط، إلى جانب شركاء التحالف العربي، الذين يمتلكون جميعاً أسباباً كافية لعدم الثقة برجال الدين الحاكمين في إيران.
إذا قرر البيت الأبيض التخلي عن الاتفاقات مع النظام، فسيحظى بدعم جميع هذه الأطراف، إلى جانب جزء من الكونغرس، أما إذا قرر إبرام اتفاق مع المرشد الإيراني بهدف تقليص الهجمات السياسية الداخلية التي يتعرض لها، فسيجد نفسه أمام وضع أكثر صعوبة، إذ سيواصل خصومه معارضة الرئيس، في حين سيجد حلفاؤه صعوبة في تأييد اتفاق جديد مع إيران.
وقد تكون إسرائيل والمعارضة الإيرانية الطرفين اللذين يمكنهما المبادرة إلى تحرك، سواء كان عملاً عسكرياً أم ثورة، من شأنه أن يتيح للرئيس الانضمام إلى صراع محتمل في المستقبل والمضي فيه حتى النهاية.
وفي نهاية لائحة الأسئلة تبقى الأسئلة الإستراتيجية الأكثر ضغطاً ولا سيما أن الفترة الأكثر خطورة هي الأسابيع ما بين انتهاء الانتخابات النصفية في الأسبوع الثاني من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل والأسبوع الأول من يناير 2027 حين يدخل الكونغرس الجديد مكاتبه الجديدة.

