«الاستقلال الذي نتمتَّع به اليومَ بذلنا وضحينا غالياً في سبيله، وإننا نحن أحقُّ الناس بتسلّم الحكم لحفظ هذا الاستقلال، وسنقاتل كل مَن يريد أن يسلُبنا هذا الحق دون أن يكون له سابقُ بذلٍ في نوال هذا الاستقلال».

عادل العظمة، محافظ منطقة اللاذقية المُعيَّن من قبل الكتلة الوطنية في 1936.

يُجمِعُ المؤرخون على أن مسار الاستقلال في سوريا لم يبدأ بجلاءِ آخرِ جنديٍّ فرنسيٍّ عن سوريا في 17 نيسان (أبريل) عام 1946، فبدايات العهد الوطني يمكن تتبُّعها إلى عام 1936 مع تشكيل حكومة سورية بقيادة الكتلة الوطنية بعد الإضراب الستيني، ثم مفاوضات أعقبتها معاهدة سورية فرنسية تضمنت اعترافاً فرنسياً باستقلال سوريا. وقتها حاولت الكتلة الوطنية تقديم نفسها ممثلاً حصرياً للسوريين ونضالهم من أجل الاستقلال، وقادها ذلك إلى محاولة تبرير استئثارها بالحكم تحت هذه الحجة، وذلك حتى قبل تحقيق الاستقلال الفعلي، وقبل دخول المعاهدة مع فرنسا حيّز التنفيذ.

وقد تكرَّست في مرحلة الكتلة الوطنية ملامح ستلازم الحياة السياسية السورية، مثل ضعف التمثيل، ومحدودية المشاركة الشعبية، والاعتماد على الولاءات في التعيين، فقد استُبعِدت مدنُ الأطراف ونخبُها إلى حدّ كبير، ولم تضمَّ الحكومة الأولى وزراء من خارج المدن الأربع الكبرى (دمشق – حلب – حمص – حماة)، كما غاب تمثيلُ الأقليات، وخصوصاً الأقليات الإسلامية غير السنية. ومن الضروري التذكير بأن الكتلة الوطنية لم تكن تفتقرُ إلى الحلفاء بين الأقليتينِ الدرزية والعلوية مثلاً، بل على العكس تماماً؛ إذ كان لها حلفاء فاعلون في أوساط الأقليات من المنضوين في التيارات الوحدوية، التي كانت تدافعُ عن سوريَّةِ الساحل والسويداء في وجه تيارات تُنادي باستقلالهما.

ورغم أن الصراع بين النخب الدمشقية والحلبية وبدرجة أقلَّ الحمصية والحموية، من جهة، ونُخب باقي المناطق والمدن السورية من جهة أخرى، كان صراعاً على النفوذ والسلطة ولم يكن في جوهره صراعاً طائفياً أو قومياً، إلا أن الخطاب المرافق له، وفي سياق تبريره، منحه أحياناً بُعداً طائفياً في بعض السياقات؛ إذ جرى تصوير احتكار السلطة بوصفه ضرورةً لحماية «وحدة البلاد»، وجرى تبريرُ تهميش الأقليات في الأطراف بوصفه خياراً وطنياً لا بدَّ منه، بذريعة أن هناك تيارات في الأقليات قد تعملُ على تفتيت الدولة السورية الناشئة وتقسيمها إلى أقاليمَ تابعةٍ لدول استعمارية. هذا التبرير، الذي لا يشرح سبب تجاهل الكتلة الوطنية لنخب المدن السورية الطرفية السنية ولا يُنصِف حلفاء الكتلة الوطنية في التيارات الوحدوية في الساحل والسويداء، كان كافياً بالمقابل لتبرير مساعي التفرُّد بالحكم والاستئثار بالسلطة في يد عددٍ قليل جداً من رجالات الكتلة الوطنية.

لم يتغير الوضع كثيراً بعد جلاء الفرنسيين عام 1946، وقد كانت السنواتُ بين عامي 1936 و1963 في سوريا حافلةً بالتقلبات؛ إذ ساد فيها التوتر بين المركز والأطراف، وشهد البلد سلسلةً من الانقلابات العسكرية ووحدةً مع مصر دامت 3 سنوات وانتهت بانقلابٍ عسكريٍّ. وكانت تلك الانقلابات مدعومة من دول إقليمية مختلفة، ورافقها دائماً جدلٌ حول هوية الدولة ومفهوم القومية العربية نفسه، بين قومية شاملة من المحيط إلى الخليج وأخرى إقليمية مشرقية، بل إن النقاش امتد ليصل إلى طبيعة نظام الحكم مع وجود توجُّهات طالبت بإلغاء الجمهورية والعودة إلى النظام المَلَكي.

كانت هذه ملامح أساسية للحياة السياسية في سوريا خلال فترة الانتداب الفرنسي وما بعدها، حتى وصول حزب البعث إلى السلطة، ولم تَسعَ السلطات السورية المتعاقبة في تلك الفترة إلى صياغة «رواية رسمية موحدة» حول تلك الحقبة أو فرضها على المجتمع، أو لعلَّها لم تنجح في إطلاق عملية كهذه، وذلك رغم أهمية ومركزية انتهاء الانتداب الفرنسي رسمياً ودوره في تشكيل الهوية الوطنية والرواية المؤسسة للدولة الحديثة. ونستطيع تفسير ذلك بحالة عدم الاستقرار السياسي، والتغيُّر المستمر في الحكومات والقوى الفاعلة فيها وتحالفاتها، الأمر الذي جعل التفكير في صياغة رواية مؤسسة ترفاً سياسياً ناهيك عن فرضها على الآخرين، الأمر الذي لم تُتَح لأيِّ سلطة فرصةُ القيام به. وتكفي الإشارة هنا إلى أن أطولَ حكم في سوريا قبل انقلاب البعثيين كان لا يتعدى 3 سنوات، (الشيشكلي 1951-1954 وحكومة الوحدة 1958- 1961)، مما يوضح سبب عدم وجود رواية مؤسسة سابقة لاستلام البعثيين الحكم.

استمر هذا الوضع حتى انقلاب حزب البعث عام 1963، الذي لم يكن كغيره من الانقلابات في سوريا، إذ بقي البعثيون في السلطة حتى لحظة سقوط نظام الأسد الابن نهايةَ عام 2024، وإن تراجعت سلطة الحزب لصالح سلطة عائلة الأسد ومحاسيبها لاحقاً.

وباشر حزب البعث بعد استلامه السلطة، العملَ على ضبط الخطاب العام وتقييده، فبعد إعلان حالة الطوارئ وما تلاها من إغلاق للعديد من الصحف والمجلات، أصدر بعد خمس سنوات فقط قرارات تُكرِّسُ مركزية التعليم، تمثّلت في إغلاق العديد من المدارس الخاصة والدينية، والعمل على توحيد المناهج في مختلف مدارس سوريا، وفي سياق هذه العملية صِيغت رواية البعث الرسمية لفترة الانتداب الفرنسي وما بعدها، والتي تحولت إلى ما يمكن اعتباره رواية وطنية مُؤسِّسة بعد أن جرى تعميمها وفرضها عبر المناهج التعليمية وأدوات الدولة المختلفة من مؤسسات ثقافية وإعلامية في محاولة لكتابة التاريخ وتشكيل الذاكرة الجمعية.

هذه الرواية التي لم تختلف عن رواية الكتلة الوطنية من ناحية نظرتها للعروبة بوصفها الهوية السياسية العليا للدولة، قدَّمت صورة تبسيطية مفادُها أن السوريين كانوا في صف واحد ضد الانتداب منذ اللحظة الأولى، وأنهم كانوا مؤيدين لقيام دولة مركزية موحدة منذ البداية، كما أنها استمرت في شيطنة التيارات الاستقلالية أو المُطالِبة بحكم لا مركزي، وكل ذلك في سبيل شرعنة السلطة الجديدة بوصفها امتداداً للمسار العروبي الاستقلالي. وفي هذا الجانب، يتَّضح أن تركيز البعثيين كان منصباً على استخدام الرواية المُؤسِّسة لإعطاء الشرعية لانقلابهم بشكل أساسي، أكثر من استخدامها كأداة في بناء هوية جمعية للدولة الناشئة.

لم يكن الاختلاف جوهرياً بين رواية الكتلة الوطنية ورواية البعث في الإطار العام، بقدر ما كان في تحديد الجهة التي تقود هذا المشروع، فبينما عبَّرَت الكتلة الوطنية عن مصالح طبقة برجوازية مدينية، كانت قد شاركت في الحكم بشكل متزايد خلال الخمسين سنة الأخيرة من العهد العثماني ثم تولت موقعاً مركزياً في السلطة بعد الاستقلال، قدَّمَ حزب البعث نفسه ممثلاً لصعود قوى جديدة وُصِفَت بـ«التقدمية»، ورَفعَت شعارات الدفاع عن العمال والفلاحين وصغار الكسبة في مواجهة ما أسمته «الرجعية العربية»، في إشارة إلى الطبقة السياسية التقليدية. وبفعل هذا التحوُّل، لم يكن انقلاب عام 1963 مجرد تغيير في السلطة، بل مثَّلَ أيضاً نهاية الدور السياسي الفاعل لتلك الطبقة، التي تراجعت بشكل كبير عن المشهد في العقود اللاحقة.

ورغم أن رواية البعث هذه لم تشكل قطيعة مع المرحلة السابقة تماماً كما أسلفنا، إلا أنها كانت مؤدلجة بشدة، مُثقلة بالثغرات، صِيغَت لتخدم الرؤية البعثية والتصورات الوحدوية التوحيدية، وأعفت حزب البعث من أي مسؤولية عن المأزق السياسي الذي وصلت إليه البلاد حينها، وكذلك من مسؤوليته عن الانقلاب الذي أدى إلى الانفصال عن مصر.

هذه الرواية المُختزَلة التبسيطية، التي تلقاها السوريون جيلاً بعد جيل، ورغم أنها تجاهلت كل ما لا يصبُّ في التوجهات العروبية الوحدوية، إلا أنها لم تنجح في طمس سرديات الجماعات والتيارات المختلفة، وهي السرديات التي ظلّت حيّةً في الذاكرة الجمعية، نتناقلها سراً غالباً، وتَطفو على السطح أو تَخرجُ إلى العلن في لحظات معينةً، وهي سرديات يقوم كثيرٌ منها على «مظلومية الجماعة» مقابل شيطنة «الآخر».

فلا القصص عن سوريين خدموا في جيش المشرق الفرنسي اندثرت بخروج الفرنسيين، ولا القصص التي تُركِّز على الاضطهاد الديني والتهميش الاقتصادي والاجتماعي اختفت، وذلك رغم تناقض هذه الروايات وبساطتها ورؤيتها «الاختزالية» للواقع بدورها، وأيضاً رغم وجود رواية رسمية مضادة لها عُمِّمَت عبر مؤسسات الدولة وأجهزتها، بل كان يُعاد استحضار هذه الروايات كلما دعت الحاجة لذلك.

هكذا برزت هشاشة الرواية الوطنية المُوحَّدة نتيجةَ فشل بناء دولة وطنية حقيقية في سوريا، وصولاً إلى «الانفجار الوطني» الذي بدأ مع العام 2011.

لكن هل من الضروري أن نتّفق على رواية واحدة لما حدث بين 2011 و 2024؟

يعود سؤال «الرواية المُؤسِّسة الواحدة» إلى الواجهة في سوريا بعد سقوط نظام الأسد، أو بعد ما اصطُلح على تسميته بـ«التحرير»، الذي ترافق مع تولّي هيئة تحرير الشام وحلفائها للسلطة في البلد، والذي يذهبُ البعض إلى وصفه بـ«التحرير الثاني» في إشارة إلى «التحرير الأول» من الانتداب الفرنسي.

وقد يوحي الكلامُ في الفقرات السابقة عن حقبة الاستقلال وما تلاها بأن الإشكالية تكمن في غياب الرواية الموحدة أو في ضعفها وثغراتها، وبأن الحل بالتالي يكمنُ في السعي إلى إنتاج رواية متماسكة وفرضها، أو في البحث عن «رواية صحيحة» يمكن الإجماع عليها، لكن المقصود في الحقيقة هو العكس تماماً.

وللنظرِ على نحو أعمق في هذه الفكرة، يمكن الحديث عن تجربة الحرب الأهلية اللبنانية بوصفها نموذجاً مختلفاً في التعامل مع ذاكرة الحرب الأهلية. في لبنان لا توجد رواية رسمية حول سنوات الحرب الأهلية؛ فقد فشلت الحكومات اللبنانية المتعاقبة منذ عام 1990 في التوصّل إلى صيغة توافقية تروي تاريخ تلك المرحلة، فيما كانت عبارة «حرب الآخرين على أرض لبنان» محاولةً رمزيةً لملء هذا الفراغ.

يبقى النظر إلى المثال اللبناني مفيداً رغم فارق أساسي عن الحالة السورية، يتمثّل في أنه لا يوجد «طرف منتصر» في الحرب الأهلية اللبنانية يستطيع فرض روايته على الآخرين، وهذا ما عزَّزهُ اتفاق الطائف وطبيعة النظام السياسي القائم على تقاسم السلطة، ما سمح باستمرار سرديات متعدّدة تعكسُ وجهات النظر الطائفية والسياسية للأطراف المختلفة.

في هذا السياق، يقول شارل الحايك، المؤرخ والباحث اللبناني، إن وجود روايات متعددة، حتى المتناقضة منها، لا يمثل خللاً أو مشكلة في حدِّ ذاته، ويعتبر أن الإشكال الحقيقي يكمن في محاولات إلغاء تجارب جماعات كاملة أو مصادرة حقها في رواية الأحداث من منظورها الخاص، حتى عندما يجري تبريرُ ذلك باسم بناء هوية وطنية موحدة. خصوصاً أن الروايات البديلة لن تختفي بسهولة، وإنما تتغيّر حسب السياقات وتُستخدَم غالباً لتفسير أو تبرير مواقف سياسية لاحقة.

يقترح الحايك التعامل مع الروايات المختلفة على قدم المساواة قدر الإمكان، بحيث يُترَك للأفراد مجال أوسع للاختيار والتحقّق والنقد، لكن هذا المسار يحتاج إلى هامش حرية وأمان، وإلى مؤسسات أكاديمية ومدنية ترعى هذا النقاش وتحدُّ من هيمنة الدولة على إنتاج الذاكرة الجمعية.

رغم الفارق المشار إليه عن الحالة السورية، ورغم ما قد يترتَّب على غياب رواية رسمية موحدة من تحدياتٍ تتعلقُ بالذاكرة الجمعية والعلاقات بين الجماعات الوطنية، فإن هذا النموذج بات يُنظَر إليه من قبل بعض الباحثين على أنه أشمل وأكثر تعدديةً وقابليةً للاستقرار من محاولات فرض سردية واحدة عبر مؤسسات الدولة، لا سيما في الدول التي خرجت حديثاً من صراعات داخلية هزَّت فكرة العيش المشترك نفسها، أو انتهت إلى انتصار طرفٍ على آخرَ بما يسمح له بفرض روايته على الآخرين.

بعد 80 عاماً، «من يُحرّر يُقرّر» مجدداً

رغم أنه ليس منطقياً أن يكرر التاريخ نفسه، وذلك لاختلاف الظروف واختلاف خبرات البشر، فإنَّ ما يتكرر هو سلوكياتُ الناس في ظروف معينة، وهو ما يحدث حالياً في سوريا، بالنظر إلى تصريحات أشخاص في الكتلة الوطنية في زمن الاستقلال وخطاب السلطة في اللحظة الراهنة، الذي يشي برغبة في الاستحواذ على السلطة، وأيضاً في صياغة «الرواية المؤسِّسة الواحدة».

كذلك لا يبدو صعباً اليوم إيجادُ نمط يتكرر بين سلوك البعثيين بُعيدَ انقلابهم العسكري وسلوك سلطة هيئة تحرير الشام حالياً، بعد ما يُقارب السنتين من سقوط نظام الأسد، لناحية محاولة ترسيخ رواية مُختزَلة للتاريخ بما يخدم مصالح الجهات الحاكمة وجهودها لشرعنة احتكار السلطة.

فمن جهة، تحاول السلطة توظيف مفهوم العدالة الانتقالية لإنتاج رواية مُؤسِّسة عن طريق إعادة تعريف مَن هم الضحايا ومَن هم المذنبون، فتستخدم هيئة العدالة الانتقالية، التي يُفترض أن تكون مستقلة، للتحقيق فقط في انتهاكات نظام الأسد والعمل على إنصاف ضحاياه، واستبعاد أي أشكال أخرى من الانتهاك قامت بها أطراف أخرى في سوريا، مثل التنظيمات الإسلامية المحسوبة على المعارضة. يعكس هذا انتقائيةً في السعي إلى العدالة، إلا أنه يشير أيضاً إلى أنَّ أحد أهداف تشكيل هذه الهيئة هو شرعنةُ «هزيمة الآخر».

يمكنُ تفسير ذلك بأن السلطة الحاكمة اليوم ليست طرفاً محايداً في هذه الحرب السورية، كما أنها، كغيرها من التنظيمات والفصائل، شاركت في العنف وممارسة الانتهاكات خارج القانون وبدرجات مختلفة، وبالتالي لا يُمكن غضُّ النظر عن كونها مستفيدةً من «هكذا عدالة»، عدالة تحميها من المساءلة، ممّا يعقِّد إمكانية تصوُّر قدرتها على تقديم عدالة انتقالية حقيقية حتى لضحايا نظام الأسد، أو حتى قدرتها على إنتاج رواية مُؤسِّسة تدَّعي حدّاً أدنى من الحياد أو من القدرة على تمثيل عموم السوريين.

تستمر سلطة الشرع، كما السلطة التي سبقتها، في استخدام خطاب «نحن» و«هم» عند الحديث عن كل من يُعَدُّ خصماً سياسياً، لكن الفارق أن هذا الخطاب أصبح وبشكل متزايد يُطابق بين الهوية السياسية والدينية دون حرج، وذلك حتى في الإعلام الرسمي أحياناً، خلافاً لسلطة الأسدين التي، وإنْ كانت تستعمل الخطاب الإقصائي العدواني ضدَّ الخصوم السياسيين بكثرة، فإنها كانت تترفَّع عن الدخول في بُعده الطائفي الصريح لأسباب عدة، قد يكون أهمها أن استخدام مثل هذا الخطاب سيؤدي إلى انفضاض كتلة وازنة من مؤيدي الأسد، من المنحدرين من الطائفة السنية، وابتعادهم.

إن استخدام هذا الخطاب حالياً من قبل سلطة الشرع وأنصاره يختزل تعقيدات المشهد في سوريا، ويُحيل الخلافات السياسية إلى خلافات ذات طبيعة «أخلاقية» إذا صحَّ الوصف، كما أنه يُشكِّل الحجر الأساس في التعبئة السياسية، كما في بناء «الرواية المؤسِّسة».

لكن الخطاب الديني الطائفي محكوم عليه بالفشل إذا حاول تقديم روايته كسردية مُؤسِّسة جديدة في سوريا، ولعلَّ السلطةَ لذلك تسعى إلى تصدير «خطاب وطني» في دوائر السلطة ومؤسساتها وعند قادتها أحياناً، مثل استعادة شعار «ثورة لكل السوريين»، أو نفي وجود أقليات وأكثريات كما صرَّح وزير الخارجية السوري والقيادي في هيئة تحرير الشام، غير أن مثل هذا الخطاب سيبقى قاصراً عن تفسير تعقيدات الواقع السوري. الصراع الذي استمرّ 14 عاماً لم يكن مجرد «سوريين» في مواجهة نظام الأسد، ولم يكن بالمقابل «سُنَّة سوريا في مواجهة أقلياتها أو جزءٍ منهم».

إن محاولةَ استسهال اختزال تجربة الحرب بإحدى هاتين المقاربتين التبسيطيتينِ محاولةٌ مشابهةٌ لما قام به البعثيون، حين صوَّروا الاستقلال كنضال جماعي موحَّد من السوريين ضد الآخر الأجنبي ومن أجل وحدة سوريا وعروبتها، وهي المقاربة التي لا تكفي للإجابة عن الأسئلة المرتبطة بالضحايا وبخيارات السوريين خلال تلك الحقبة، ما يجعل هذه الرواية عرضةً لنتيجةٍ مشابهة لرواية البعثيين المؤسِّسة، أي سقوطها عند أول اختبار صعب للهوية الوطنية.

كذلك لا يبدو أنَّ مشروع هيئة تحرير الشام في إعادة تشكيل وقراءة التاريخ يقتصرُ على المرحلة بين عامي 2011 و2024 فقط، بل يمتدُّ إلى ولادة الكيان السوري نفسه، إذ إن إلغاء عيد الشهداء في 6 أيار (مايو)، وتغييرَ أسماءِ بعض المدارس، كتلك التي تحمل اسم عبد السلام العجيلي مثلاً، أو عالم الآثار السوري خالد الأسعد الذي أعدمه تنظيم داعش في تدمر، إلى أسماء ذات دلالات دينية واضحة، أمورٌ تشير بوضوح إلى أن هذا التوجه يمتد إلى محاولة إعادة تعريف أوسع للذاكرة الوطنية الجمعية ورموزها. بل إنَّ شكلَ الدولة السورية نفسه، بوصفها دولةً جمهوريةً، وهو الأمر الذي يُعدُّ من الثوابت الوطنية القليلة، أصبح بدوره موضعاً للتجاذبات السياسية، كما يوضح حسام جزماتي في مقالته «المَلَكية».

إن الاستئثار بالحكم من قبل سلطة هيئة تحرير الشام، ومحاولتها فرض رواية واحدة «صحيحة» ومُبسَّطة عن صراع بالغ التعقيد وعن تاريخ البلد كله، بالإضافة إلى المجازر التي ارتكبتها فصائل محسوبة على السلطة بعد سقوط النظام، أمورٌ تؤدي إلى فقدان ثقة الأطراف بالمركز، وصعود وتصليب روايات الفئات الاجتماعية التي يُمثّلها خطاب السلطة، وإلى عودة بعض الخطابات ذات النزعة المحلية أو الاستقلالية في مناطق مثل الساحل والسويداء بوصفها تعبيراً عن فقدان الثقة بالمركز، وإلى إعادة طرح الأسئلة القديمة حول سوريا وحدودها ومعنى الانتماء إليها، كما أنها تؤدي إلى تعزيز حضور ذاكرة الحرب واستمراره لدى كل طرف، والاعتماد على هذه الذاكرة في إنتاج سرديات ومظلوميات لا يمكن أن تنتهي بانتصار طرف أو هزيمة آخر.

لا تبدو فكرةُ صياغة «رواية صحيحة» واحدة لما حدث في سوريا بين عامي 2011 و2024 قابلةً للتطبيق؛ فالتجربةُ كانت أكثر تعقيداً ودموية من أن تُختزَل في سردية واحدة. وبالمقابل، لا تبدو السلطة الحالية قادرة على فرض روايتها، وذلك بعد أن تختار أصلاً أيَّ رواية ستعتمد: رواية الصراع الديني والطائفي، أم رواية الوطنية الواحدة المُوحَّدة التي ليس فيها أقليات أو أكثرية؟

وبصرف النظر عن السلطة والحكاية التي ستختارها، فإنَّ صياغة رواية وطنية سورية تُعبِّر عن ذاكرة جميع السوريين أمرٌ مستحيل، ولذا فإنَّ الخيار الأسلم هو إبقاء هذا الملف مفتوحاً على نحو يقترب من النموذج اللبناني، وذلك في ظلِّ غياب الشروط اللازمة لنقاشٍ واسعٍ وحرٍّ للروايات المختلفة ضمن مؤسسات مستقلة تحدُّ من هيمنة السلطة على الذاكرة.

في يوم سقوط النظام كانت غالبية صفحات مدينتي طرطوس على فيسبوك مُغلقة، ولم يكن من السهل الحصول على معلومات في صباح 8 كانون الأول (ديسمبر) 2024. وعندما عادت إحدى الصفحات للعمل نشرت اعتذاراً عن إغلاق الصفحة، يُبرِّرُ ذلك بأنهم كانوا مضطرين إلى إغلاقها: «لنشيل صور شهداءنا، لأن ما بدنا تفوت الناس وتسبّ عالبوستات ونقهر أمهاتنا مرة تانية عاللّي ماتوا».