دمشق- تحاول سوريا طي صفحة طويلة من حكم بشار الأسد، والدخول في مرحلة جديدة يسعى الرئيس أحمد الشرع إلى تقديمها باعتبارها بداية لإعادة بناء الدولة والمجتمع، لا مجرد تغيير في رأس السلطة. إلا أن إزالة رموز النظام السابق من الشوارع وتغيير الصورة العامة للعاصمة تبدو أسهل بكثير من معالجة إرث أربعة عشر عاماً من الحرب والانهيار الاقتصادي والانقسامات الأمنية والاجتماعية.
وتكشف التحولات التي طرأت على دمشق عن رغبة واضحة لدى القيادة الجديدة في تقديم صورة مختلفة لسوريا. فبعد سنوات كانت خلالها صور الأسد تملأ الأماكن العامة، غابت تلك الرموز من الشوارع، وحلت محلها جداريات تستعيد رموزاً للهوية السورية، مثل سيف دمشق والورد الدمشقي، في محاولة لبناء هوية وطنية لا تتمحور حول شخص الحاكم.
ويبرز الشرع في قلب هذه المرحلة الانتقالية، لكنه يتجنب، إعادة إنتاج نموذج الزعيم الذي يحتكر المجال العام. فصور الرئيس الجديد لا تملأ الشوارع كما كانت صور الأسد تفعل، في إشارة إلى محاولة تقديم السلطة الجديدة باعتبارها جزءاً من مشروع لبناء دولة، وليس إقامة نظام شخصاني جديد.
لكن نجاح هذه المقاربة لن يتحدد في شوارع دمشق أو من خلال الرموز الجديدة، وإنما بقدرة الشرع على معالجة المشكلات التي تواجه السوريين في حياتهم اليومية. فالاقتصاد لا يزال هشاً، ومؤسسات الدولة ضعيفة، والفساد واسع الانتشار، بينما تشكل أزمة الطاقة أحد أبرز مظاهر الاختلال في الخدمات العامة.
وتشير المؤشرات الاقتصادية إلى حجم التحدي. فالبطالة الرسمية تدور حول 14 في المئة، بينما يعتقد كثير من السوريين أن المعدل الحقيقي أعلى من ذلك. كما أن استمرار اعتماد الاقتصاد على التعاملات النقدية يزيد من الضغوط على المواطنين، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى استثمارات ضخمة لإعادة إعمار ما دمرته الحرب.
وتتجاوز الأزمة حدود الاقتصاد. فالمجتمع السوري خرج من حرب استمرت نحو 14 عاماً مثقلاً بالانقسامات والدمار والخسائر البشرية.
وفي مناطق واسعة من البلاد، لا تزال آثار الحرب حاضرة في مبانٍ مدمرة وأحياء تعرضت للقصف ونصب تذكارية لأشخاص قتلوا خلال سنوات الصراع.
وهنا يواجه الشرع اختباراً أكثر تعقيداً: كيف يمكن تحويل سقوط نظام الأسد إلى عملية لبناء دولة يشعر جميع السوريين بأنها تمثلهم؟.
التحدي الحقيقي أمام الشرع لم يعد إسقاط النظام السابق، بل إثبات أن سوريا الجديدة قادرة على ألا تعيد إنتاج أخطاء الماضي، وأن تتحول من بلد خرج من قبضة الاستبداد إلى دولة مستقرة قادرة على حماية مواطنيها وإدارة مواردها وصياغة مستقبلها.
فالسلطة الجديدة تعلن استعدادها لإشراك الأقليات العرقية والدينية في مستقبل البلاد، لكن المخاوف من العنف الطائفي لا تزال قائمة. وتبدي مجموعات من العلويين والمسيحيين والدروز مخاوف بشأن مستقبلها، خصوصاً في ظل التصور الذي يصف الشرع بأنه صاحب خلفية إسلامية يحاول الظهور بصورة أكثر اعتدالاً وانفتاحاً.
وتصبح مسألة المصالحة الوطنية بالتالي أحد أهم الاختبارات أمام الرئيس السوري. فإعادة بناء المؤسسات لا يمكن فصلها عن إعادة بناء الثقة بين مكونات المجتمع، كما أن الاستقرار السياسي لن يكون مستداماً إذا بقيت مخاوف الأقليات والانقسامات التي خلفتها الحرب دون معالجة.
وفي الوقت نفسه، لا تتحرك سوريا في فراغ إقليمي. فروسيا لا تزال حاضرة، وتسعى إلى الحفاظ على موطئ قدم عسكري وسياسي في البلاد، رغم ارتباطها الوثيق بنظام الأسد ودورها في دعم قواته خلال الحرب.
وتجد دمشق نفسها أمام معادلة دقيقة: فهي تحتاج إلى إعادة صياغة علاقاتها الخارجية، لكنها لا تستطيع ببساطة التخلي عن القوى التي تمتلك نفوذاً عسكرياً ودبلوماسياً على الأرض.
وتكشف العلاقة مع موسكو عن صعوبة الخيارات أمام الشرع. فرغم أن القوات الروسية كانت قد قاتلت قوات المعارضة التي كان يقودها الشرع في إدلب، فإن القيادة السورية الجديدة أبدت استعداداً للإبقاء على الوجود الروسي ضمن ترتيبات جديدة.
ويعكس ذلك براغماتية تفرضها الحاجة إلى تجنب فراغ أمني أو مواجهة مباشرة مع قوة خارجية لا تزال تمتلك أدوات تأثير مهمة.
وفي المقابل، يراقب الغرب مستقبل سوريا عن كثب، وسط مخاوف من أن يؤدي ضعف الدعم الدولي إلى فتح المجال أمام روسيا أو الصين أو حتى تنظيم الدولة الإسلامية لاستغلال الفراغ. ومن هنا تبدو المساعدة الخارجية عاملاً مهماً في قدرة الشرع على تثبيت مؤسسات الدولة وإعادة إعمار الاقتصاد.
لكن الدعم الدولي وحده لن يكون كافياً. فإعادة بناء سوريا تتطلب إصلاحاً مؤسسياً عميقاً، وإعادة تشغيل الخدمات، وخلق بيئة تسمح بعودة النشاط الاقتصادي، إضافة إلى توحيد الأجهزة الأمنية والعسكرية وإنهاء تعدد مراكز القوة.
وتبدو المخاطر الأمنية حاضرة بقوة. فقد شهدت دمشق منذ سقوط الأسد هجمات أمنية، بينها تفجير استهدف مقهى في شارع النصر وأسفر عن سقوط قتلى وجرحى. وبينما أشارت تقديرات إلى احتمال ارتباط الهجوم بتنظيم الدولة الإسلامية، فإن غياب الاستقرار الأمني يوضح هشاشة المرحلة التي تمر بها البلاد.
وهكذا، يواجه الشرع مفارقة واضحة: لقد كان تغيير صورة سوريا بعد الأسد خطوة رمزية مهمة، لكنه أقل تعقيداً بكثير من تغيير واقعها. فإزالة صور النظام السابق لا تعني تلقائياً إزالة إرثه السياسي والاقتصادي والأمني، كما أن تغيير الخطاب لا يكفي لبناء مؤسسات قادرة على إدارة بلد خرج من حرب طويلة.
ويحتاج الشرع، في نهاية المطاف، إلى الانتقال من إدارة مرحلة ما بعد الأسد إلى بناء دولة ما بعد الحرب.
وبينما تمنح اللحظة الجديدة السوريين شعوراً بالأمل، فإن استمرار هذا الأمل سيعتمد على قدرة القيادة الجديدة على تحويل التغيير السياسي إلى مؤسسات فعالة، وتحقيق المصالحة، واستعادة الخدمات، وخلق اقتصاد قادر على استيعاب ملايين السوريين الذين ينتظرون مستقبلاً أكثر استقراراً.
فالتحدي الحقيقي أمام الشرع لم يعد إسقاط النظام السابق، بل إثبات أن سوريا الجديدة قادرة على ألا تعيد إنتاج أخطاء الماضي، وأن تتحول من بلد خرج من قبضة الاستبداد إلى دولة مستقرة قادرة على حماية مواطنيها وإدارة مواردها وصياغة مستقبلها.