أكبر الآثار الناتجة عن الحرب العبثيّة بين الولايات المتّحدة وإسرائيل من ناحية وإيران وحلفائها في الشرق الأوسط من ناحية ثانية، هو التغيير الحادّ في المعادلات والتوازنات والتحالفات التقليديّة المستقرّة في المنطقة.
العالم العربيّ بل الشرق الأوسط الآن تنطبق عليه مقولتان:
ـ الأولى للرئيس الصينيّ الأسبق شي واي لاي الذي قال: إنّه عالم فيه تحالفات جديدة وانقسامات جديدة وفوضى في كلّ مكان.
ـ الثانية لوزير خارجيّة الولايات المتّحدة الأسبق هنري كيسنجر الذي فضّل “التعامل مع عالم عربيّ منقسم رأسيّاً وأفقيّاً”.
كان كيسنجر يتنبّأ في عام 1975 بعالم عربيّ منقسم في تحالفاته الإقليميّة ومنقسم في توازناته الداخليّة في الوقت ذاته.
آسيا تدخل صراعات الشّرق الأوسط
أفضل ما سمعته أخيراً عبارةٌ لدبلوماسيّ عربيّ صاحب رؤيا ثاقبة وعميقة في شؤون المنطقة والعالم قال فيها: لقد أدّت فوضى دونالد ترامب العالميّة وتدخّلاته في المنطقة إلى دخول آسيا، لأوّل مرّة، من الباب الملكيّ إلى صراعات الشرق الأوسط. وكان محدّثي يقصد بذلك الصين والهند وباكستان وتركيا. لكن كيف ذلك؟
الصين، التي تستورد نحو 80% من نفطها من إيران، وتعتمد في الجزء الأكبر من احتياجاتها من الطاقة على واردات النفط والغاز من دول الخليج العربيّ، التي تصل إليها عبر مضيق هرمز، تجد نفسها، بحكم مصالحها الاقتصاديّة والاستراتيجيّة، طرفاً رئيساً ومنخرطاً بصورة مباشرة في تداعيات الصراعات الدائرة في الشرق الأوسط.
تؤمن الصين التي تُعتبر المصدر الرئيس لمبيعات السلاح والتجارة والسلع الأساسيّة لإيران بأنّ قرار الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب الأخير اتّباع سياسة عقوبات قصوى ضدّ إيران واعتبار أنّ كلّ من يخالفها سوف يتعرّض للعقوبات الأميركيّة ذاتها يستهدفها هي أيضاً بشكل مباشر وقويّ وأنها هي طرف مستهدف بقوة من هذا القرار، لذلك لم يكن مستغرباً أن تُصدر وزارة الخارجيّة الصينيّة بياناً رفضت فيه بشكل قاطع وصريح القرار الأميركيّ شكلاً وموضوعاً.
ترى الصين أيضاً نفسها طرفاً دبلوماسيّاً بعدما توسّطت في إنجاز اتّفاقيّة بكّين بين السّعوديّة وإيران عام 2023.
البدائل الآسيويّة تتقدّم
من هنا يرى المراقب المحايد أنّ خسائر سياسة الرئيس ترامب تجاه المنطقة تقيّد قسماً من الرصيد الأميركيّ، وبالتالي تضيف جائزة للوجود الصينيّ.
أصبح الآن لدى دول الخليج، التي عاشت كلّ حياتها تضع كلّ رهاناتها في السياسة والاقتصاد والأمن والتسليح على الولايات المتّحدة، ما يمكن تسميته الخيار الصينيّ الذي يفرض نفسه بسبب إخفاق واشنطن وذكاء بكّين.
لذلك كلّه يمكن أن نرى بقوّة تنامي التعاون العربيّ الصينيّ بشكل غير مسبوق. وتأتي زيارة الرئيس الصينيّ شي جين بينغ للقاهرة هذه الأيّامبداية لهذا التطوّر من خلال توقيع 21 اتّفاقيّة شراكة استراتيجيّة في كلّ المجالات.
يحدث هذا الأمر فيما تنتشر تسريبات عن دخول أحدث الطائرات الشبحيّة الصينيّة سلاح الجوّ المصريّ مدعّمة بمنظومات أحدث أنظمة الدفاع الصاروخيّ التي تنتجها ترسانة السلاح الصينيّ.
بالمقابل تدخل كلّ من باكستان وتركيا منطقة الخليج العربيّ على “جواد أبيض” بعد توقيعها اتّفاق تحالف وعدم اعتداء وتعاون استراتيجيّ ثلاثيّ مع السعوديّة.
تؤكّد المصادر المطّلعة أنّ هذا التحالف هو إجراء احترازيّ بديل للفراغ العسكريّ الذي يرجع إلى إصرار إدارة ترامب على عدم التورّط بإرسال قوّات برّيّة إلى أيّ من الحلفاء في المنطقة في حال تطوير الحرس الثوريّ “موقف” الردع الاستراتيجيّ، الذي يعتمده ضدّ دول الخليج عبر الصواريخ الباليستيّة والطائرات المسيّرة، إلى تهديد المنطقة بقوّة برّيّة.
تركيا هي ثاني قوّة برّيّة عاملة في منطقة منظومة دول الحلف الأطلسيّ، والميزان التجاريّ التركيّ يميل إلى التصدير والتعاون مع السعوديّة منذ أكثر من نصف قرن.
أماّ باكستان فهي ترتبط باتّفاق معاهدة دفاع مشترك مع السعوديّة ولديها قوّات برّيّة عاملة داخل الأراضي السعوديّة. وباكستان بعد كونها قوّة نوويةّ هي صاحبة جيش تعداده يفوق مليوناً و200 ألف مقاتل.
تحالفات الخليج تتّجه شرقاً
تؤكّد مصادر خليجيّة أنّ دول الخليج العربيّ تميل إلى تعميق التعاون العسكريّ مع دول آسيويّة مثل الصين وتركيا وباكستان وكوريا الجنوبيّة، وهو الأمر الذي لا بديل عنه بعدما ظهرت ثلاث سلبيّات عسكريّة أثناء الحرب مع إيران:
1 ـ نقص المخزون التسليحيّ من الصواريخ والذخائر الأميركيّة وعدم قدرة البنتاغون على تلبية متطلّبات الإمداد والتمويل لدول الخليج.
2 ـ القرار الاستراتيجيّ الأميركيّ بعدم إرسال قوّات برّيّة للقتال في المنطقة.
3 ـ ظهور أسلحة، غير أميركيّة، أثبتت كفاءة دفاعيّة أثناء الردّ على الصواريخ الإيرانيّة مثل منظومة الصواريخ الكوريّة الجنوبيّة ونظام “آمون” المصريّ للدفاع الجوّيّ.
بالمقابل قامت الإمارات بتقوية نظامها الدفاعيّ عبر مصادر أساسيّة:
1ـ الاستعانة بنظام الدفاع الكوريّ الجنوبيّ ونظام “آمون” المصريّ.
2 ـ الاستعانة بأربعة أسراب من المقاتلات المصريّة من طراز رافال الفرنسيّة.
3 – تفعيل نشاط اتّفاق التعاون الاستراتيجيّ مع فرنسا.
4 ـ استمرار التنسيق الاستراتيجيّ مع الهند التي تتميّز علاقاتها بالإمارات بالآتي:
أ ـ أكبر جالية آسيويّة عاملة في الإمارات هي من الهند.
ب ـ علاقات سياسيّة شخصيّة قويّة بين الرئيس الإماراتي والهندي.
ج ـ تدعيم هذه العلاقات مع كلّ المستويات خلال زيارة وليّ عهد أبو ظبي الشيخ خالد بن محمّد الأخيرة للهند.
هل ذلك كلّه يشكّل بوليصة تأمين استراتيجيّة لدول الخليج العربيّ؟
بحر العرب مسرحاً لصراع آسيويّ
على الرغم من كلّ ذلك لا بدّ من ملاحظة الآتي:
1 ـ ارتباط الاستخبارات العسكريّة الباكستانيّة تاريخيّاً بعلاقات وثيقة بالحرس الثوريّ الإيرانيّ منذ حرب أفغانستان الأولى والتنسيق القويّ بينهما.
2 ـ حقيقة أنّ الصادرات التركيّة إلى إيران هي الأعلى بين الأخيرة وأيّ دولة أخرى، واعتمادها على الشركات التركيّة العاملة في مجالات البناء والتجارة والتصنيع.
3 ـ عدم رغبة الهند، على الرغم من تقدّمها المذهل في مجال الصناعات العسكريّة، في إرسال أيّ قوات مقاتلة إلى المنطقة والاقتصار على لعب دور مورّد للسلاح.
على الرغم من ذلك كلّه لا بدّ من عدم التغافل عن الدخول المتطوّر لدور دول آسيا في المنطقة العربيّة وتحوّل بحر العتفعيلرب إلى بحر آسيويّ عاصف يمكن أن يتحوّل فيه الصراع الفارسيّ العربيّ إلى مسرح تنافس وصراع هنديّ ـ باكستانيّ.
هذا هو الخوف الأعظم.
