
بالرغم من الاستقبال الأميركي للرئيس الصيني شي جين بينغ من قبل الرئيس دونالد ترامب، خلال لقائهما الذي عُقد بتاريخ 23–25 أيلول/سبتمبر 2026، والذي اعتُبر محاولة لتجميد الخلافات وضبط التنافس بين القطبين، فإن المفاجأة جاءت عندما نشرت صحيفة “التلغراف” البريطانية (The Telegraph) تقريراً بتاريخ 25 أيلول/سبتمبر 2026، أفادت فيه بأن الصين توسّع برنامجها للأسلحة النووية في سبعة مواقع رئيسية على الأقل، رغم تأكيد بكين المتكرر التزامها بسياسة نووية دفاعية ودعواتها إلى الحد من انتشار الأسلحة النووية. وبحسب التقرير، أظهر تحليل صور الأقمار الصناعية أعمال بناء واسعة في منشآت نووية ومناطق اختبار موزعة في أنحاء الصين، بما يشير، وفق خبراء في الاستخبارات الجغرافية، إلى توسع كبير في البنية التحتية المرتبطة بالبرنامج النووي الصيني.
منشآت جديدة وبنية تحتية متوسعة
ومن بين المواقع التي رصدتها الصور منشأة يُعتقد أنها مخصصة لإنتاج مشغلات البلوتونيوم المستخدمة في تفعيل الأسلحة النووية. وقد شهد الموقع إنشاء مرافق جديدة، بينها مبانٍ سكنية وملعب ومستودع للحافلات المخصصة لنقل العاملين من وإلى المنشأة.
وفي موقع آخر، شُيّد أنبوب ضخم يبلغ طوله نحو 600 متر، يُعتقد أن العلماء يستخدمونه لإجراء تجارب تحاكي الانفجارات والصدمات الشديدة، بهدف دراسة قدرة مكونات الأسلحة النووية على تحمل ظروف الانفجار.
كما أظهرت الصور إزالة قرى ومزارع صغيرة لإفساح المجال أمام منشأة ثالثة مرتبطة بأبحاث الاندماج النووي. ويُعتقد أن العلماء يستخدمون فيها أشعة ليزر فائقة القوة لدراسة سلوك المواد وتغير خصائصها في ظروف تحاكي تلك المرتبطة بالانفجارات النووية.
سبعة مواقع في قلب البرنامج النووي
وشملت المواقع السبعة التي تناولها التقرير بينغتونغ، وزيتونغ، ولوب نور، وجيوكوان، وميانيانغ، وجينتا، وغوانغيوان. ويرى خبراء أن حجم أعمال البناء في هذه المواقع يعكس استثمارات متزايدة في القدرات والبنية التحتية النووية الصينية.
ولا تقتصر أهمية هذه المنشآت على توسعة البنية التحتية، بل تشمل أيضًا تطوير قدرات البحث والاختبار والإنتاج، في وقت تعمل فيه الصين على تعزيز موقعها الاستراتيجي في مواجهة القوى النووية الكبرى.
ترسانة نووية تتوسع
ويتزامن ذلك مع تقديرات لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام تشير إلى نمو الترسانة النووية الصينية خلال السنوات الأخيرة. ووفق المعهد، ارتفع عدد الرؤوس النووية الصينية إلى نحو 620 رأسًا في يناير/كانون الثاني الماضي، مقارنة بنحو 600 في بداية عام 2025، مع استمرار الصين في توسيع ترسانتها بوتيرة أسرع من بقية الدول النووية، بحسب تقديراته.
ويأتي هذا النمو في وقت تتزايد فيه المنافسة الاستراتيجية بين بكين وواشنطن، بما يشمل الأسلحة النووية وأنظمة الصواريخ والقدرات الفضائية، ويعكس تحولًا تدريجيًا في حجم القدرات النووية الصينية التي ظلت لعقود أصغر بكثير من الترسانتين الأميركية والروسية.
المنافسة مع الولايات المتحدة
وقال ريني بابيارز، المتخصص في الاستخبارات الجغرافية الذي درس البرنامج النووي الصيني، إن قرارًا اتُّخذ في عهد الرئيس شي جينبينغ لتطوير البرنامج والاستثمار فيه وتوسيعه، معتبرًا أن ذلك يرتبط برؤية بكين لدورها كقوة عالمية ومنافستها للولايات المتحدة.
ويضع هذا التوسع البرنامج النووي الصيني في سياق أوسع من التحولات التي يشهدها ميزان القوى العالمي، مع سعي بكين إلى تعزيز قدراتها الاستراتيجية بالتوازي مع تنامي نفوذها العسكري والاقتصادي.
بكين: سياسة دفاعية وليست سباق تسلح
في المقابل، رفضت السفارة الصينية في لندن ما ورد في التقرير، مؤكدة أن الصين تتبع سياسة نووية “مسؤولة وثابتة وشفافة”، وتلتزم باستراتيجية دفاعية وبسياسة عدم الاستخدام الأول للأسلحة النووية.
وشددت السفارة على أن بكين تحافظ على قدراتها النووية عند الحد الأدنى الذي تعتبره ضروريًا لأمنها القومي، وتنفي انخراطها في سباق تسلح نووي.
ويضع هذا التباين بين ما يستند إليه التقرير من صور وتحليلات وبين التفسير الصيني للتوسع النووي البرنامجَ أمام معادلة استراتيجية معقدة: تطوير القدرات النووية في ظل تصاعد المنافسة مع الولايات المتحدة، بالتوازي مع استمرار التأكيد الرسمي على أن العقيدة النووية الصينية دفاعية ولا تستهدف الدخول في سباق تسلح.
توسع استراتيجي وسط تغير ميزان القوى
وبينما تشير المعطيات الواردة في التقرير إلى توسع واضح في عدد من المنشآت والمرافق المرتبطة بالبرنامج النووي، تؤكد بكين أن هدفها يظل مرتبطًا بالردع وحماية الأمن القومي. ويجعل هذا التباين البرنامج النووي الصيني أحد الملفات المهمة في حسابات التوازن الاستراتيجي بين بكين وواشنطن والقوى النووية الأخرى.
في النهاية، يكشف التوسع في المنشآت والبنية التحتية النووية الصينية عن مرحلة جديدة في تطور القدرات الاستراتيجية لبكين، في وقت تتسارع فيه المنافسة بينها وبين الولايات المتحدة على النفوذ والقوة العسكرية والتكنولوجية. وبينما ترى الصين أن تطوير قدراتها النووية يندرج ضمن سياسة دفاعية هدفها الردع وحماية أمنها القومي، تثير التحركات الميدانية التي رصدتها صور الأقمار الصناعية تساؤلات حول حجم الطموح الحقيقي لهذا البرنامج واتجاهاته المستقبلية.
وهنا تبدو المفارقة واضحة بين لغة التهدئة السياسية التي ظهرت في اللقاءات بين واشنطن وبكين، وبين استمرار كل طرف في تعزيز أوراق قوته الاستراتيجية. فحتى مع محاولات ضبط التنافس وتجميد بعض الخلافات، يبقى الملف النووي مؤشراً مهماً على عمق التحول في ميزان القوى العالمي.
وبالتالي، فإن السؤال لم يعد يتعلق فقط بحجم الترسانة النووية الصينية، بل بما إذا كان هذا التوسع سيقود إلى إعادة تشكيل قواعد الردع والتوازن النووي في العالم، ويفتح مرحلة جديدة من المنافسة الاستراتيجية بين القوى الكبرى.