لم يكن يخطر ببال عاطف نجيب أو وسيم الأسد وأمثالهما من ضباط ورموز النظام السابق، أن يقف أحدهم في قفص العدالة ويُحكم عليه بالإعدام لما ارتكبته أيديهم الآثمة بحق الشعب السوري، فكيف برأس النظام وكبار معاونيه! فقد صدر حكم الإعدام بحقهم وجاهيًا، وبحق ثمانية غيرهم غيابيًا، في مقدمتهم الرئيس السابق وأخوه، يوم 11 آب/أغسطس الماضي.
فطوال فترة حكمهم، منذ عام 2000 وحتى سقوطهم وهروب معظمهم وتواري الآخرين، كانت أفعالهم الإجرامية تشير إلى أنه لا رادع يردعهم، وأنهم بمنأى عن أي عقاب أو محاسبة قد تطالهم على يد الشعب والعدالة. مارسوا شتى أصناف جرائم الحرب بعقلية سلطوية قلّ نظيرها في العصر الحديث، ورثوا أدواتها ونموذجها من المؤسس الأول لكل أشكال الاستبداد والإجرام التاريخي منذ عام 1970، وطوّروها ليحكموا البلاد وكأنهم «باقون خالدون» إلى الأبد!
سياسة سلطة النظام السابق الاستبدادية والتسلطية، التي لا تكفي اللغة لاجتراح صفاتها السياسية والإجرامية، ترجمتها فداحة الإجرام الذي مورس بحق الشعب السوري طوال سنوات الثورة؛ من قتل واعتقال وتهجير ودمار وتخريب معنوي ومادي طال البشر والحجر والنسيج الوطني، فضلًا عن استقدام شتى أصناف الإجرام الإقليمي والدولي، فـ«الطغاة يجلبون الغزاة»، حسب عبد الرحمن الكواكبي.
عاطف نجيب ووسيم الأسد، والآخرون المحكومون بالسجن المؤبد، كأحمد بدر الدين حسون، المفتي السابق، إلى جانب من فُرض عليهم الحجز الاحتياطي والمنع من السفر من المقربين من سلطة الأسد، أنكروا جميع التهم الموجهة إليهم والمنسوبة لهم منذ الأيام الأولى للثورة السورية وشراراتها الأولى، وخاصة ما يتعلق بحدثها الأبرز مع أطفال درعا. ولم يزل منظر الطفل حمزة الخطيب يُبكينا بكل ما يحمله من ذاكرة مؤلمة، فكيف بأمه، وبأمهات وأهالي الشهداء السوريين طوال أربعة عشر عامًا من القتل والاعتقال والتعذيب، ممن فاق عددهم المليون؟ وربما نكتشف أن العدد مضاعف.
هؤلاء ليسوا الوحيدين، بل هم حلقة من حلقات الإجرام القابعة في رئاسة الأفرع الأمنية وقيادات الفرق العسكرية، والأدلة والبراهين ستأتي بهم واحدًا تلو الآخر في ملفات الاعتقال والموت تحت التعذيب، واستخدام الأسلحة الفردية والثقيلة والمحرمة دوليًا، من البراميل إلى السلاح الكيماوي. وحتى إن هرب بعضهم خارج سوريا، وظل الآخر مختبئًا، فجميعهم قيد الملاحقة والمساءلة.
في حكم الإعدام الغيابي الصادر بحق من هم خارج سوريا، وخاصة الرئيس السابق وأخيه وكبار الضباط، تبرز تساؤلات متعددة من حيث إمكانية تنفيذه وأهميته وجدواه. إذ تشير المعطيات الأولية إلى أن الأمر لا يتعلق بالقضاء السوري وإصداره الحكم حتى يصبح نافذًا فحسب، بل بإمكانية إحضارهم إلى قفص العدالة وتنفيذ أحكامها.
فعقوبة الإعدام من المعيقات العامة أمام تسليم المطلوبين من دولة إلى أخرى، وذلك وفق المادة السادسة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي تشير في فقرتها الأولى إلى: «الحق في الحياة حق ملازم لكل إنسان. وعلى القانون أن يحمي هذا الحق. ولا يجوز حرمان أحد من حياته تعسفًا».
والمفصل القانوني في هذه القضية أنه مرتبط بالحق في الحياة والحفاظ عليه بوصفه ضرورة إنسانية عامة، ما جعل الكثير من دول العالم تلغي حكم الإعدام أو تجمد العمل به. فهل هذا كل شيء؟
في الفقرة التالية من المادة ذاتها، والمتعلقة بعقوبة الإعدام، ورد أنه: «لا يجوز في البلدان التي لم تلغ عقوبة الإعدام، أن يُحكم بهذه العقوبة إلا جزاءً على أشد الجرائم خطورة، وفقًا للتشريع النافذ وقت ارتكاب الجريمة وغير المخالف لأحكام هذا العهد ولاتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها. ولا يجوز تطبيق هذه العقوبة إلا بمقتضى حكم نهائي صادر عن محكمة مختصة».
وبذلك يصبح اشتراط استخدام عقوبة الإعدام في الدول التي لم تلغها مقيدًا بأشد الجرائم خطورة. وهذا يعني ضرورة الإثبات بالأدلة والوثائق بما يقطع دابر الشك باليقين بأن المتهم قد ارتكب هذه الأفعال.
وهنا تبرز النقطة المفصلية في هذا الموضوع: أولًا، قدرة القضاء السوري على تقديم أدلته وإثباتاته المادية والرقمية المتعلقة بجرائم الحرب التي ارتكبها رموز النظام السوري المحكومون غيابيًا بالإعدام؛ وثانيًا، قدرته على إقناع الدول التي يقيم فيها هؤلاء بتسليمهم إلى القضاء السوري.
وبالضرورة، سيتجاوز هذا الملف إجراءاته القانونية المحلية إلى إجراءات متعددة، سواء أكانت قانونية دولية أم سياسية، بما لا يتعارض مع العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
وتؤكد الفقرات التالية من المادة السادسة ذاتها القيود المرتبطة باستخدام عقوبة الإعدام والتوجه نحو إلغائها، بينما تبقى الجرائم شديدة الخطورة، وما يرتبط بجرائم الحرب والإبادة الجماعية، في صلب الإشكال القانوني المتصل بهذه المادة.
وقد أوضح التعليق العام رقم 36 لعام 2018، الصادر عن لجنة حقوق الإنسان، التفسير الأبرز للمادة السادسة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية بشأن الحق في الحياة، إذ يوسع مفهوم هذا الحق ليشمل «العيش بكرامة»، ويقيد الإعدام بأشد الجرائم خطورة، مع إلزام الدول بحماية الحياة من التهديدات المختلفة، كالعنف والتلوث.
إذًا، وفقًا للقانون ذاته وتفسيراته المتعلقة بالحق في الحياة، فإن المسألة لا تقتصر على القضايا الجنائية الفردية، بل تمتد إلى الأفعال التي تقود إلى جرائم حرب وتنتهك الحق في الحياة. ويحاول القانون الدولي التعامل معها من خلال إثباتها بالأدلة والبراهين الدامغة، مع الاحتفاظ بحق المحكوم بالإعدام في الاعتراض والطعن. وهنا تتعقد المسألة!
وتبرز هنا إشكالية روسيا، التي جمدت العمل بعقوبة الإعدام منذ عام 1999، وقدمت حق اللجوء الإنساني لأبرز رموز النظام السابق الفارين إليها، وهو ما يشكل أحد المعيقات المهمة أمام العمل على جلبهم إلى العدالة السورية.
وخاصة أن لروسيا داخل سوريا مواقع عسكرية، أبرزها حميميم وطرطوس، جرى التفاوض بشأنها طوال الفترة الماضية بصورة متوترة ومتقطعة. وقد خلصت هذه المفاوضات، وفق ما أُعلن عن اتفاق قريب في بدايات آب الماضي، إلى أن تتحول إلى مراكز تدريب مشتركة، وأن تنتقل خلال الأشهر التالية إلى سيطرة الحكومة السورية.
والأمر يعني تقليص الوجود العسكري الروسي، مع استمرار الطلب بتسليم بشار الأسد وأخيه ماهر ضمن الأولويات. ليتضح اليوم أن هذا الطلب، وبعد صدور عقوبة الإعدام الغيابية بحقهما، قد يأخذ أحد مسارين: إما أن تقبل به روسيا مقابل تحصيل بعض المكاسب الحيوية في الساحل السوري، كالتنقيب عن غاز المتوسط والاحتفاظ بعلاقة دبلوماسية وعسكرية من خلال التدريب، ما يعني دخول تركيا مجددًا بوصفها طرفًا ثالثًا معنيًا بهذين الملفين؛ أو، وهذا ممكن، أن يُحال هذا الملف إلى الإنتربول الدولي وتتم المطالبة بهم وفقًا للقانون الدولي، مع احتمال الدفع باتجاه إخراج بشار وماهر وبعض القادة المهمين من روسيا، بما يتيح لها إبقاء علاقتها بتركيا دون توتر.
وتبقى بقية الاحتمالات مفتوحة، كما أن في لبنان والعراق عددًا من المطلوبين المهمين، وهو ما يتطلب مسارًا تفاوضيًا معقدًا وطويلًا.
الحكم الصادر عن محكمة الجنايات الرابعة فتح مسارات العدالة الانتقالية فعليًا، لكنه سيصطدم ببوابتها الدولية. فهو مسار طويل ومعقد يختلط فيه القضائي بالسياسي، والمحلي بالدولي؛ لكنه، في جوهره، مسار عدالة وإنصاف معًا، وإن طال أمد تحققه وواجهته معيقات المحاور السياسية الدولية المعقدة.
وهذا ما يستلزم إعادة دراسة ملفاته وآلياته، والفصل بين مساراته الداخلية والدولية، بما يجعل تحقيقها الفعلي أقرب، حتى وإن كان مرحليًا وبطيئًا. فالمأمول أن يفضي هذا المسار إلى تحقيق العدالة ومحاسبة كل من ارتكب جرائم بحق السوريين حتى اليوم، لعل ذلك يخفف بعضًا من الآلام المحتقنة.
