
أكاديمي مختص في لغات الشرق القديم وآثاره…المصدر الثورة السورية دمشق
إن ما ارتكبه النظام البائد بحق الشعب السوري خلال ثورته يُعدّ من أفظع الجرائم في العصر الحديث، ولا يقلّ عمّا حصل في ألمانيا خلال النظام النازي، ويشبهه في كثير من الإجراءات والأدوات وأساليب القمع والتعذيب والقتل.
لم يقم بذلك العسكريون وحدهم، بل استعان النظام بأشخاص ينتمون إلى مؤسسات مدنية كثيرة وصلت إلى حد الذين يُفترض فيهم أنهم أهل العلم والمعرفة والثقافة. وهؤلاء لم يقصّروا في خدمة أغراض النظام، وتساووا مع العسكريين في حالات كثيرة، وتحوّل كثيرون منهم إلى مخبرين ومراقبين لزملائهم وطلبتهم، وأسهموا في اعتقالهم وسجنهم، بل ارتدى قسم منهم الزيّ العسكري، وصعد إلى الدبابات ليعبّر عن مدى الموالاة والوفاء والارتزاق.
لقد ارتكبوا الانتهاكات مثل سائر خدم النظام، لذا فإن تدابير العدالة الانتقالية يجب أن تشملهم أيضاً، إنصافاً للضحايا الذين لا يمكن أن يعودوا إلى مقاعد الدراسة ويستمعوا إلى محاضرات ممّن تسبّبوا في إلحاق الأذى بهم.
كيف لخالد الذي اعتُقل وعُذّب، ثم اضطر إلى ترك دراسته والنزوح فالهجرة والتشرد، والعمل في أقسى الأعمال كي يؤمن عيشه أن يعود اليوم لاستئناف تعليمه، ويواجه في قاعة المحاضرات مَن وشى به إلى الأجهزة الأمنية، وتسبب في ذلك كله له؟
كيف لأحمد أن يعود ليقابل في قاعة الدرس أيهم المُخبر الذي أوصل به إلى الاعتقال، وقد صار مدرساً بأساليب ملتوية وضغوط أمنية؟ كيف ليحيى طالب الدراسات العليا الذي كان يحلم بأن يصير مدرّساً لامعاً في الكلية أن يعود ليجد زميله الذي كان يقف ويساند معتقِليه وهو يشغل مكتباً في الكلية، ويتبختر في ممراتها، ويمدح السلطة الحاكمة الجديدة في غرف المدرسين التي يتنقل بينها؟
كيف لسامر المحاسب أن يزور دائرته مطالباً بحق العودة إلى عمله الوظيفي ليجد زميله الموظف المخبر قد حل محله، وعليه أن يقف أمامه ويستجديه. يبتسم موظف مفصول كان يدير شؤون الامتحانات من قبل ساخراً من الحياة كلها، إذ يرى زميلته التي كانت ربيبة عناصر الأجهزة الأمنية، تسرب لهم نتائج الامتحانات، وقد جلست مكانه.
إنها جروح غائرة في النفوس والأجساد، قلوب مكسورة لم يرممها النصر على المجرمين، تنتظر تغيير هذا الوضع الدرامي الغريب. ما يزال كثير من المجرمين من أساتذة الجامعات في أمكنتهم، بينما الضحايا من زملائهم عاطلون يطالبون بالعودة إلى عملهم، وكأنهم يستجدون!
إنها ليست دعوة إلى الانتقام، بل التحقيق والتدقيق، وإحقاق الحق من خلال لجان قانونية مختصة في كل جامعة تطلع على أرشيفات الأجهزة الأمنية وذيولها، وتمارس عملها بحرية وأمانة، وتدرس الحالات المختلفة، وتتخذ قراراتها وفق القانون. البيئة العلمية السليمة تتطلب تطهيرها من المرتزقة الذين خانوا العلم، وفقدوا الروح الإنسانية.
لقد فعلت ذلك ألمانيا لدى وحدتها 1989، شكلت لجنة للاطلاع على أرشيفات جهاز الأمن، وتدقيقها، فكشفت عن كثير من المتعاونين المُخبرين، ومنهم أساتذة وعاملون في الجامعات كانوا مخبرين سريين ضد طلابهم وزملائهم، كتبوا بخط أيديهم تقارير أدت إلى حرمانهم من الدراسة، أو اعتقالهم. وتم إبعاد كثيرين منهم ضمن إطار إجراءات تنظيمية قانونية.
“العدالة الانتقالية لا تقتصر على من ضغط على الزناد فقط، بل تمتد لتشمل المحرضين والمخبرين والمسهلين داخل المؤسسات المدنية والتعليمية”. والجامعات لا تختلف عن بقية مؤسسات الدولة من حيث الحاجة إلى التطهير وإبعاد عناصر الفساد والإجرام فليس لهؤلاء أخلاق أهل العلم والثقافة.
إن كثيرين منهم لا يزال يمارس عمله، بينما يتنقل ضحاياهم هنا وهناك بحثاً عن العودة إلى وظائفهم، أو يتهامسون مستغربين اضطرارهم إلى مقابلة المخبرين بقايا النظام البائد. إنهم يُعاقبون من جديد. ستعلن الوزارة عن مسابقات لسد النقص في الكليات والمعاهد، لكنها لا تعيد الذي شكّل هروبهم من النظام المجرم ذلك النقص!
أن تمنع شخصاً هرب مضطراً من أن يعود إلى بيته هو عقاب ثانٍ، وهو أقسى. تتكرر الوعود بين حين وآخر، مع الثناء والتقدير والتأكيد على حق العودة الشريفة، ولكن الشهور تمضي، وما يزال الأمر جعجعة بلا طحين.