ملخص
تسلط المقالة الضوء على المشهد السياسي والأمني بعد إتمام الانسحاب العسكري الأميركي من العراق في الـ 30 من سبتمبر (أيلول) الماضي، مشيرة إلى تحول “يوم السيادة الوطنية” إلى نقطة انكشاف أمام الهيمنة الإيرانية، والتمدد الطائفي الفصائلي، ويكشف التحليل خيبة الأمل الخليجية والمعارضة من تعهدات رئيس الوزراء علي الزيدي في شأن حصر السلاح بيد الدولة، إذ قابلت ثلاث فصائل إيرانية التعهد بالرفض المعلن، بالتزامن مع تمديد المهل الحكومية، وتمرير مطالب بفتح الرحلات الجوية بين النجف وإيران، ويرى الكاتب أن واشنطن تكرر خطأها الإستراتيجي منذ عهد بوش الابن بتسليم العراق لنفوذ طهران، مما يُبقي دول الخليج تحت أخطار التهديدات الصاروخية والمسيّرات المتواصلة، ضد منشآتها الاقتصادية والحيوية.
خلال لقاء مع الرئيس جورج بوش الابن داخل البيت الأبيض، في يناير (كانون الثاني) 2008، سألته “أنتم تدّعون العداء لإيران، لكنكم غزوتم أفغانستان وأطحتم بأعدائها الطائفيين شرقاً “طالبان”، وغزوتم العراق فأطحتم بعدوها القومي اللدود صدام حسين غرباً، ثم قدمتم العراق لإيران على طبق “فضي”! نقول “على طبق من ذهب بالعربية”، لكن الطبق من فضة باللغة الإنجليزية.
كان ذلك في لقاء رئاسي مع مجموعة صحافيين من مؤسسات إعلامية خليجية، قبل أن يتوجه الرئيس بوش خلال رحلته الأخيرة إلى دول الخليج، وكان رده “أنا لا أنظر إلى الأمور هكذا، بل أرى أننا قد حاصرنا إيران بدول ديمقراطية، فقد أطحنا بنظام إرهابي في أفغانستان شرق إيران، ونظام ديكتاتوري في العراق غرباً، واستبدلنا النظامين بالديمقراطية”!
غزت الولايات المتحدة الأميركية العراق عام 2003، فتدمّر وتشظّى وقتل مئات الآلاف من أبنائه، وسقط نظام صدام حسين غير مأسوف عليه، وسيطرت على العراق منذ ذلك الحين أحزاب طائفية شيعية، أتت بها الدبابات الأميركية، وثبتتها بتضحيات أميركية، فقد فقدت أميركا 4600 قتيل ونحو 30 ألف جريح، و3 تريليونات من الدولارات، ثم بدأت بالانسحاب التدرجي الذي بدأه الرئيس باراك أوباما عام 2011، ووعد بإنهائه نائبه جو بايدن كرئيس عام 2024، وأوفى بالوعد الرئيس الحالي دونالد ترمب أول من أمس الأربعاء، 30 سبتمبر (أيلول) 2026.
رحلت أميركا عن العراق وهو يعاني انقساماً طائفياً حاداً، وتتحكم به ميليشيات تابعة لـ “الحشد الشعبي” الإيراني في العراق، وكان رئيس الوزراء الحالي، السيد علي الزيدي، قد وعد أثناء زيارته الولايات المتحدة الأميركية بأنه سيجرد الميليشيات من سلاحها في يوم خروج القوات الأميركية من العراق، أي في الـ 30 من سبتمبر الماضي، لكنه مدّد لها الموعد كي يندرج كل السلاح بيد السلطة المركزية العراقية، والمعارضون للنظام في العراق اليوم يقولون بأن هذا “كلاوات”، وأن المهلة ما هي إلا رفض غير مباشر لتسليم السلاح، بل إن ثلاثاً من الميليشيات الإيرانية في العراق رفضت علناً تسليم السلاح، وقالت بأنها في خندق “المقاومة”، أي الخندق الإيراني، وبأنها ستستمر في حمل سلاحها، في تحد معلن لسلطة السيد الزيدي.
وزادت حكومة الزيدي أن طلبت من الولايات المتحدة الأميركية استثناء عبور الطائرات العراقية المدنيّة إلى إيران، بغية تسيير رحلات من وإلى النجف لأسباب دينية، ويقول العراقيون الناقدون “كلاوات، لا حج ولا هم يحزنون، طائرات ستحمل رجال ‘الحرس الثوري’ وقادته والأموال والسلاح وخلافه”، بل إن الطلب الرسمي العراقي مطلب إيراني نفذته الحكومة العراقية الحالية نيابة عن إيران و”الحرس الثوري”، ويرون في ذلك دليلاً واضحاً فاضحاً على هيمنة إيران على الشأن العراقي، والذي ستعض عليه بالنواجذ، مع رحيل الأميركان وغياب العرب وتشديد الحصار عليها.
في دول الخليج العربية لا نأمن جانب هذه الميليشيات، فقد كرّرت اعتداءاتها على الكويت والمملكة العربية السعودية ومفاعل “براكة” في الإمارات العربية المتحدة، بل وحتى البحرين لم تسلم من شرّها ومسيّراتها وصواريخها، والشهر الماضي اعتدت الميليشيات العراقية التابعة لإيران على خط “شرق – غرب” النفطي السعودي، وأوقفت تدفق النفط فيه أياماً، وأعلنت السعودية بأنها لن ترد على هذه الميليشيات، تلبية لطلب من حكومة الزيدي الذي وعد بالتحقيق ومحاسبة الإرهابيين الذين قاموا بهذا العمل المخزي، ولا زلنا في الخليج ننتظر نتائج تحقيق وجهود حكومة السيد الزيدي في تلك الاعتداءات.
يذكر أن وعوداً سابقة أطلقتها حكومة السيد الزيدي بالتحقيق ومحاسبة من اعتدوا على الكويت والسعودية والإمارات خلال الأشهر الماضية، ولا يزال التحقيق مستمراً، وتستمر المعارضة العراقية بالقول” “كلاوات، لا تحقيق ولا بطيخ”!
يوم مغادرة القوات الأميركية سمّاه العراق الرسمي “يوم السيادة الوطنية”، وقد غادر الأميركيون العراق ولسان حالهم يردد ما كتبه ونستون تشرشل حين كان وزيراً للمستعمرات عام 1922 لرئيس وزرائه ديفيد لويد جورج، حين غزت بريطانيا العراق عام 1920 “نحن ندفع 8 ملايين جنيه سنوياً من أجل العيش على بركان جاحد، وعلى صحارى ناكرة”.
