علي حسين… جريدة المدى
طالبنا الشيخ مصطفى الأنصاري أن “نستحي” من أنفسنا، وقبل أن نسأل الشيخ لماذا؟ أجاب: كيف تريدون أن تقيموا بطولة الخليج في العراق، والشيعة في بلدان الخليج يُذبحون ويُسجنون ويُطاردون في الشوارع.. الشيخ المعروف بهواية إطلاق التصريحات “الرنانة”، كان قد خرج علينا ذات يوم ليخبرنا أن العراق لا وجود له على خارطة دول العالم وأنه كيان مصطنع، ثم عاد ليهدد الحكومة إذا ما تجرأت وأقامت علاقات اقتصادية مع الأمريكان.
في ظل حماسة الشيخ وتصريحاته التي يطالبنا فيها أن نخجل من أنفسنا، فاته أن يبحث في موقع “غوغل”، ليجد مفاجأة بانتظاره، فدولة خليجية بحجم المملكة العربية السعودية وضعت المهندس أمين الناصر وهو من مدينة القطيف وينتمي الى الطائفة الشيعية – التي يتباكى عليها الشيخ الأنصاري- على قمة أكبر مؤسسة نفطية في العالم، وأعني بها “أرامكو” .
في كل يوم نشاهد بعض الشيوخ يتحدثون في صورة قاطعة، حاسمة، مؤكِّدة، في مصائر العراقيين. طبعاً لست خبيراً في نوايا الشيخ مصطفى الأنصاري، لكنّي يا سادة قرأت في سيرة الشيخ محمد رضا الشبيبي، وهو العالم الجليل، أنه لم ينطق يوماً بحرف طائفي في وجه من يختلف معه سياسياً، وأن العلامة السيد هبة الدين الشهرستاني، أتحف هذه البلاد بمجلة اسمها “العلم”، وكان الشهرستاني رجل العلم والمعرفة والسياسة، وكان المحيطون به في مجلته من أعلام العراق بكل طوائفهم وتوجهاتهم. لكن البعض من شيوخ هذا الزمن، بفرعيه السُّني والشيعي، مخلصون لتربية جعلت منهم تروساً في ماكنة الطائفية، فهؤلاء جميعاً يرون في المختلف معه نوعاً من أنواع المعصية يجب محاربته.
يعتقد العديد من مسؤولينا وبعض الخطباء ، أن بلاد الرافدين التي يحكمونها الآن كانت تعيش في عصور الجاهلية، وقد قيّض الله لها رجالاً ليعيدوها إلى طريق الصواب، ولهذا ليس مهماً توفير التنمية والازدهار والتعليم والصحة للناس، فهذه أشياء زائلة لا يجوز الانشغال بها، فمهمتنا اليوم مهمة مقدسة وهي دحر كل القوى التي تنادي ببناء الدولة المدنية، ألم يتدروش علينا ذات يوم محمود المشهداني ليعلن أنهم جاءوا لدحر المدنيين والعلمانيين، وأنهم انتصروا عليهم؟
يطل البعض علينا وهو يتحدث عن المظلومية وحق الناس بالأمن والرفاهية، لكنه يتحول في النهاية إلى مقاول يوزع الإكراميات والعطايا والعقود على الأقارب والأصحاب والأحباب.. يكتب ريجيس دوبريه في كتابه “المفكّر في مواجهة القبائل” إنّ: “الناس تدرك جيداً أنّ الخطاب السياسي الانتهازي يتعكّز على فضيلة النسيان التي يتميز بها البشر”، فالحقيقة أنّ النسيان غفر للكثير من مسؤولينا جرائمهم التي صُنّفت في خانة الخطأ غير المقصود.
أيها السادة: إلى متى سنظل نستمع إلى سياسيين وخطباء يعتقدون أن العراق بلد على الهامش وأن تاريخه مصطنع، وأن علينا أن نلغي مفردة وطن من قاموسنا حتى لا يقولوا عنا “وطنجية”؟