ما بدأ بقرار أميركيّ لجهة إنشاء القوّة الدوليّة في جنوب لبنان “اليونيفل”، انتهى بقرار أميركيّ بالانتهاء من هذه القوّة وإيجاد بديل منها. قرّرت الولايات المتّحدة الأميركيّة، بقرار من الرئيس جيمي كارتر، أن تكون هناك قوّة دوليّة في جنوب لبنان في العام 1978 بعدما اجتاحت إسرائيل الجنوب إثر عمليّة شنّتها حركة “فتح” انطلاقاً من لبنان وكانت بقيادة دلال المغربيّ. جاء ذلك في مرحلة كانت فيها مصر وإسرائيل في مفاوضات تستهدف التوصّل إلى معاهدة سلام بين البلدين. تحقّق ذلك بالفعل في آذار 1979.
كان مطلوباً أميركيّاً ألّا تنسحب مصر من المفاوضات مع إسرائيل التي مهّدت لها زيارة الرئيس أنور السادات إلى القدس في تشرين الثاني 1977 وإلقاء خطابه التاريخيّ أمام الكنيست.
“اليونيفل” ولدت من رحم التّفاوض
كان الهدف من قيام “اليونيفل” في جنوب لبنان إنقاذ المفاوضات المصريّة – الإسرائيليّة التي هدّد السادات بوقفها في ضوء الاجتياح الإسرائيليّ لجنوب لبنان. آنذاك، طلبت الولايات المتّحدة من مصر صياغة نصّ القرار الذي يعجبها ويناسبها وذلك من أجل استمرار المفاوضات مع إسرائيل. ووعدت بتمرير القرار الذي تريده مصر في مجلس الأمن التابع للأمم المتّحدة. وهذا ما حصل بالفعل. وضعت مصر، بمساعدة من الوفد اللبنانيّ في الأمم المتّحدة الذي كان على رأسه الراحل الأستاذ غسّان تويني، نصّ القرار الذي أنشأ القوّة الدوليّة الذي يدعو إسرائيل إلى الانسحاب من جنوب لبنان. لم تنفّذ إسرائيل القرار إلّا في العام 2000 بعد تفاهمات توصّلت إليها مع “الحزب” برعاية ألمانيّة. بقي “الحزب” في الجنوب في ظلّ صيغة تعايش مع القوّة الدوليّة مقبولة إسرائيليّاً.
من القوّة الدوليّة في جنوب لبنان إلى القوّة المنوي أن تحلّ مكانها، طريق طويل متعرّج، عمره 48 عاماً حفّت به كلّ المخاطر. معروف، إذاً، لماذا تشكّلت القوّة الدوليّة “المؤقّتة” أصلاً، والظروف الإقليميّة السائدة في حينه. ومعروفة أيضاً الظروف التي أدّت إلى تحويلها إلى قوّة معزّزة بموجب القرار 1701 الذي عكس موازين القوى في مرحلة ما بعد حرب صيف 2006. حظيت كلّ كلمة من القرار 1701، الذي كان يمكن أن ينقذ لبنان، بموافقة “الحزب” الذي ما لبث أن انقلب عليه في ضوء تفاهمات مع إسرائيل سمّيت “قواعد الاشتباك”.
فشل القوّة الدّوليّة وعجز الدّولة اللّبنانيّة
ما ليس معروفاً في الوقت الحاضر لماذا ستكون هناك في بداية 2027، قوّة من نوع مختلف تخلف القوّة الدوليّة التي تنتهي مهمّتها قريباً. ليس معروفاً أيضاً ما مهمّة القوّة الجديدة وقدرتها على تنفيذ المطلوب منها، أي إدارة الوضع الناشئ عن حربَي “إسناد غزّة” و”الانتقام” لاغتيال “المرشد” الإيرانيّ عليّ خامنئيّ، أي عن وضع بات فيه دمار كبير في جنوب لبنان واحتلال إسرائيليّ كان رحل في العام 2000. كذلك، ليس معروفاً مَن مرجعيّة القوّة الجديدة.
تختزل الطريق الذي سلكته القوّة الدوليّة منذ قيامها والتاريخ المفترض لانسحابها في آخر هذه السنة (2026) كلمة واحدة هي كلمة الفشل. لا يقتصر الفشل على القوّة وحدها، بل هو فشل لبنانيّ أكثر من أيّ شيء آخر في ضوء العجز اللبنانيّ عن الاستفادة من تلك القوّة في ترسيخ الاستقرار في الجنوب على الرغم من كلّ النيّات الحسنة التي كانت لدى المجتمع الدوليّ.
أراد المجتمع الدوليّ، بأكثريّته طبعاً، حماية لبنان والجنوب تحديداً، لكنّ قوى إقليميّة سعت في كلّ وقت منذ قيام القوّة الدوليّة إلى بقاء هذه المنطقة اللبنانيّة صندوق بريد مع إسرائيل. لم تعترض الدولة العبريّة يوماً على ذلك، لا مع الفلسطينيّين ولا مع السوريّين، إبّان حكم حافظ الأسد، ولا مع الإيرانيّين ممثّلين بـ”الحزب” الذي عرف كيف يعقد صفقات مع الدولة العبريّة.
يمكن تفسير الفشل بضعف الدولة اللبنانيّة التي لم تستطع في أيّ وقت الاستفادة من القوّة الدوليّة. أكثر من ذلك، لم تستطع قوى شيعيّة لبنانيّة إنشاء بديل من “الحزب” يتحدّث باسم أهل الجنوب ويدافع عن مصالحهم.
من إنقاذ مفاوضات إلى إنقاذ لبنان
مَن استفاد من هذه القوّة، التي كانت تصرف في الجنوب مليون دولار يوميّاً، كان إسرائيل. أرادت الدولة العبريّة في البداية إلهاء منظّمة التحرير الفلسطينيّة وإغراقها في الوحول اللبنانيّة. عندما اعتقدت أنّ الوقت حان للانتهاء من الوجود الفلسطينيّ المسلّح في جنوب لبنان، نفّذت اجتياح صيف 1982 الذي نجمت عنه كارثة ولادة “الحزب” بإشراف “الحرس الثوريّ” الإيرانيّ.
لبنانيّون قليلون يعرفون الهدف الحقيقيّ من صدور القرار الرقم 425 الذي وُلدت القوّة الدوليّة من رحمه والذي تلاه القرار 426 الذي حدّد مهمّات القوّة. لا يزال لبنانيّون يتساءلون لماذا لم ينفّذ القرار 1701 الذي وافق “الحزب” على كلّ كلمة فيه والذي لا يفرّق بين شمال الليطاني وجنوبه بمقدار ما يعتبر أنّ كلّ سلاح غير سلاح الجيش اللبنانيّ ومؤسّسات رسميّة معيّنة، حدّدت بدقّة وبالاسم، هو سلاح غير شرعيّ… في كلّ الأراضي اللبنانيّة.
تغيّرت قوانين اللعبة في المنطقة. كان مطلوباً أميركيّاً في سنة 1978 إنقاذ المفاوضات المصريّة – الإسرائيليّة. ما يبدو مطلوباً في العام 2026 إنقاذ ما يمكن إنقاذه من لبنان بعدما فرضت نفسها معادلة الانسحاب الإسرائيليّ من جنوب لبنان في مقابل نزع سلاح “الحزب”، وهو سلاح إيرانيّ على تماسّ مع الدولة العبريّة. لم تعد إسرائيل ترى في جنوب لبنان صندوق بريد كانت في حاجة إليه في مرحلة معيّنة.
من رحم إنقاذ المفاوضات المصريّة – الإسرائيليّة ولدت القوّة الدوليّة في جنوب لبنان. ومن رحم الانسحاب الإسرائيليّ من الجنوب في ظلّ ترتيبات معيّنة في مقابل نزع السلاح الإيرانيّ، ستولد القوّة التي ستحلّ مكان القوّة الدوليّة بقرار أميركيّ طبعاً.
