
محام وكاتب وناشط حقوقي… الثورة السورية .دمشق
هذا الانفلات لا يعكس مجرد اختلاف في الرأي، بل يكشف انهياراً في الرادعات التي كانت تعمل في المجتمع الواقعي، كالخجل الاجتماعي والتربية الأسرية وسلطة المدرسة ومساحات الالتقاء الحقيقية التي كانت تفرض قدراً من الانضباط والاحترام المتبادل.
على أرض الواقع، ما زال الفرد قادراً على ضبط سلوكه. وجود الآخر أمامه، بجسده وصوته وانفعالاته، يفرض نوعاً من الانتباه والرقابة الذاتية. لكن حين ينتقل إلى الشاشة، يتغيّر شكل العلاقة مع الآخر: يصبح الآخر مجرد نص، وصورة، واسم، وأحياناً مجرد حساب بلا ملامح.
هذا التحوّل يفصل الإنسان عن أثر كلماته، ويجعله أقل إحساساً بوجود الطرف المقابل، فيتراجع التعاطف، ويضعف الوعي بالعواقب، ويصبح الانفعال اللحظي أقوى من أي قيمة أو قاعدة. هنا لا يختفي الرادع فقط، بل يختفي الإحساس بالآخر نفسه.
ومع غياب هذا الإحساس بالآخر، تتفجّر في الفضاء الرقمي أسوأ أشكال السلوك العدواني. يكفي اختلاف بسيط في الرأي حتى تنهال الشتائم، ويكفي أن تعبّر امرأة عن موقف لا يوافق هوى البعض حتى تُستهدف بسيل من التحرش اللفظي. ويجد كثيرون في الأسماء الوهمية فرصة لإطلاق ما يعجزون عن قوله في الواقع، معتقدين أن التخفي يعفيهم من أي مسؤولية أو محاسبة. هكذا يتحول النقاش إلى ساحة مفتوحة للإهانة والتشهير، لا لعرض الأفكار أو اختبارها.
ويزداد هذا المشهد تعقيداً لأن المنظومات التي كانت تضبط السلوك في المجتمع الواقعي لم تعد قادرة على أداء دورها. فالأسرة المنشغلة بأعباء الحياة لم تعد تتابع ما يكتبه أبناؤها، والمدرسة فقدت وظيفتها التربوية لصالح تعليم شكلي لا يعلّم مهارات الحوار، والمجتمع نفسه لم يعد يمارس ضغطه الأخلاقي كما كان.
أما الخطاب الديني، الذي كان يشكّل رادعاً لدى كثيرين، فقد تراجع تأثيره أمام عالم رقمي يبتلع كل شيء. والأسوأ أن بعض هذه المنظومات بات يتعامل مع السلوك العدواني على الإنترنت بوصفه ذكاءً أو قوة، فيتحول الانفلات من انحراف فردي إلى سلوك اجتماعي مقبول أو حتى مُحتفى به.
وخلال السنوات الخمس عشرة الماضية، نشأ جيل كامل داخل فضاء رقمي كان بالنسبة إليه الواقع الأول لا البديل. هذا الجيل تعلّم التواصل عبر شاشة لا تُظهر ملامح الآخرين ولا انفعالاتهم، فضعف لديه الإحساس بوزن الكلمة وبأثرها على من يتلقّاها.
ومع غياب التجارب الواقعية التي تُعلّم حدود الاختلاف وآداب الحوار، تشكّل وعي رقمي منفصل عن القيم التي كانت تُكتسب في المدرسة والشارع والعائلة. وهكذا، أصبح كثيرون يتعاملون مع النقاش على الإنترنت كما لو أنه لعبة بلا قواعد، حيث تُطلق الكلمات بلا تفكير، ويُنظر إلى الشتيمة كتنفيس لا كاعتداء، وإلى العدوانية كقوة لا كضعف.
أمام هذا الواقع الفوضوي، يصبح الحظر الفردي إحدى الأدوات القليلة المتاحة لحماية الذات والمساحة الرقمية التي يختارها المرء لنفسه. فالحظر ليس عقوبة ولا تعبيراً عن ضيق صدر، بل وسيلة عملية لوقف الإساءة ومنع تحويل النقاش إلى مستنقع من البذاءة والتشهير. ومع ذلك، فإن فاعلية الحظر ترتبط بقدرة صاحبه على استخدامه بحكمة؛ فليس كل اختلاف يستدعي إقصاء صاحبه، ولا كل نقد يعني عداءً شخصياً.
لذلك يصبح من الضروري التمييز بين النقد الجاد والهجوم الشخصي، وبين الخلاف الطبيعي والإساءة الصريحة. ويمكن اللجوء إلى أدوات أقل حدّة مثل الكتم أو تقييد التعليقات قبل الوصول إلى الحظر النهائي، لكن حين تتكرر الإساءات أو تتحول إلى تهديدات، يصبح الحظر واجباً لحماية النقاش العام ومنع تلوثه.
ومن الخطوات الضرورية لخلق بيئة رقمية صحية أن يضع صاحب الصفحة قواعد سلوكية واضحة تُبيّن ما هو مقبول وما يشكّل إساءة تستوجب التدخل. فهذه الشفافية تمنح المتابعين فهماً مسبقاً لحدود النقاش، وتخفف من شعور الظلم أو الاتهام بالتعصب عند اتخاذ قرار بالحظر. كما أن التنبيه القصير قبل الحظر في حالات سوء الفهم يمنح فرصة لتصحيح السلوك دون اللجوء إلى الإقصاء الفوري.
لكن حين تتجاوز الإساءة حدود النقاش إلى تهديدات فعلية أو تشهير يطال السمعة، يصبح التعامل الأخلاقي وحده غير كافٍ؛ فهنا يجب حفظ الأدلة والإبلاغ إلى المنصات أو الجهات المختصة، لضمان عدم منح المعتدي مساحة مفتوحة لمواصلة الأذى عبر حسابات وهمية أو متكررة.
في النهاية، لا يتعلق الأمر بالحظر وحده، ولا بالسلوك الفردي فقط، بل بإعادة بناء ثقافة رقمية كاملة تعيد للكلمة وزنها وللإنسان كرامته. فالفوضى التي نراها اليوم ليست قدراً، بل نتيجة فراغ أخلاقي وتشريعي يمكن تجاوزه حين يدرك كل فرد مسؤوليته في حماية المساحة التي يتحرك فيها.
إن ضبط النقاش، ووضع قواعد واضحة، ومحاسبة المسيء، ليست إلا خطوات لاستعادة الحد الأدنى من النظام في عالم يميل بطبيعته إلى الانفلات. وما لم ننجح في ترسيخ قيم تحترم الإنسان قبل الرأي، سيظل الفضاء الرقمي مرآة مشوهة لواقع أكثر هشاشة مما نظن.