هل مهّد اللقاء الأميركي – الحوثي لحوار دائم مع جهة مصنّفة “منظمة إرهابية أجنبية” ومع ممثليها المفروضة عليهم عقوبات، وهل تذهب واشنطن إلى حدّ الاعتراف بالحوثيين ما داموا يسيطرون على الساحل المطلّ على البحر الأحمر؟
قوبل إطلاق الحوثيين مسيّرة إلى أجواء مكة المكرّمة باستنكار وتحذيرات من جانب العواصم العربية والإسلامية، فهذا لم يكن مجرّد اعتداء عابر ارتكبته العصابة المسيطرة على اليمن في إطار تصعيد مبرمج ضد السعودية، بل إنه هجومٌ متعمّدٌ لاختبار ردود الفعل في سياق حرب تبدو مفتوحة وتتوارى فيها إيران تارةً وراء الحوثيين وطوراً وراء فصيل عراقي. لم تعلُ أصوات التنديد بسبب قدسية المكان فحسب، بل لأن أحداً لم ينسَ أن المرشدين الأوّلين لإيران وأتباعها سبق أن صوّبوا جميعاً على مكّة المكرّمة والمدينة المنوّرة كهدفين رئيسيين لـ”تصدير الثورة”، استكمالاً لأركان ما تُسمّى “الجمهورية الإسلامية”.
أُحبط الاعتداء باعتراض المسيّرة، لكن “الرسالة” وصلت. استغلّت طهران نفي الحوثيين لتعتبر أنه “ليس هناك أساسٌ لاتهام طرف بعينه”، ولتدعو إلى “عدم إطلاق اتهامات (ضد إيران) من دون أدلة واضحة”، تماماً كما فعلت بعد إنكار فصائل عراقية مسؤوليتها عن إطلاق مسيّرات من محافظة ميسان الحدودية على أنابيب النفط “شرق – غرب” في السعودية. كانتا محاولتين فاشلتين للإيحاء بأن الاعتداءات تأتي من “أطراف ثالثة” أو حتى “صديقة”. ورصدت طهران محاذير استهداف مكة المكرّمة، وفهمت أن أحداً لا يصدّق براءتها، وأن الحدث اقترب من “خط أحمر” وقد ينعكس سلباً على علاقاتها مع تركيا وباكستان ودول إسلامية أخرى. لكنها قد تستنتج إمكان الإيعاز لـ”خبرائها” في اليمن بتكرار الأمر ما دام يُنسب إلى الحوثيين، فهؤلاء ليسوا دولة ولا يهتمون بسمعتهم الدولية. ومن جانب آخر، أظهر التعامل العراقي مع واقعة ميسان أن طهران باتت مضطرّة للحذر في تحريك ميليشياتها (المطلوب نزع سلاحها).
