تكشف نتائج استطلاع “المؤشر العربي في سورية 2026” أن القضايا الخارجية لا تزال تحتل مساحة مهمة في وعي السوريين، رغم حجم الاستحقاقات الداخلية المرتبطة بإعادة الإعمار واستعادة مؤسّسات الدولة وتحسين الظروف المعيشية، ولعل ذلك ليس مستغرباً في بلد لم تكن الحرب فيه شأناً داخليّاً خالصاً، بل تحوّلت أراضيه إلى ساحة مفتوحة لتدخّلات القوى الإقليمية والدولية، بما جعل السياسة الخارجية جزءاً من التجربة اليومية للمواطن السوري.
من قال إن التحولات السياسية العميقة التي شهدتها سورية قادرة، وحدها، على تغيير الثوابت التي تشكلت في الوعي الوطني عبر عقود؟ لا تزال القضية الفلسطينية تحتفظ بمكانة متقدّمة لدى السوريين، ويتجلى هذا في استمرار رفض الاعتراف بإسرائيل، والتأكيد على ضرورة استعادة الجولان في أي تسوية سياسية. والمفارقة أن سنوات الحرب، بما حملته من انقسامات واستقطابات، لم تنجح في إزاحة هذه القضايا من الوجدان السوري، ويبدو أن تغير الواقع السياسي لم يؤدِّ بالضرورة إلى تبدّل المواقف المرتبطة بالحقوق الوطنية، التي لا تزال جزءاً من تصور السوريين للدولة التي يريدون استعادتها.
لكن هل يعني التمسك بهذه الحقوق تبنّي موقف واحد من جميع أشكال التعامل السياسي مع إسرائيل؟ تكشف النتائج أن المسألة أكثر تعقيداً؛ إذ يرى 41% من السوريين أن اللقاءات المباشرة بين مسؤولين سوريين وإسرائيليين تصبّ في مصلحة سورية، مقابل 49% لا يرون فيها فائدة للبلاد. كيف يمكن فهم هذه المفارقة؟ يبدو أن الاختلاف لا يتعلق بالحقوق الوطنية نفسها بقدر ما يرتبط بتقدير الوسائل الدبلوماسية الممكنة لحمايتها، فثمّة من يرى في التواصل فرصة لتجنب المواجهة وتحقيق مكاسب سياسية، وثمّة من يخشى أن يتحوّل إلى مدخل لتقديم تنازلات. وفي الحالتين، لا يبدو أن الجدل قد حُسم في الوعي العام.
تكمن المعضلة في حاجة سورية إلى بيئة خارجية مستقرّة تسمح لها بتوجيه مواردها نحو التعافي الداخلي، من دون تجاهل مصادر التهديد أو التفريط بالحقوق الوطنية
ولا تتوقف المخاوف عند حدود العلاقات الخارجية، بل تمتد إلى الداخل السوري نفسه. فقد أظهرت سنوات الحرب كيف يمكن للانقسامات المذهبية والدينية، حين تتداخل مع الصراعات السياسية والتدخلات الخارجية، أن تتحول إلى أدوات لتفكيك المجتمعات وإضعاف الدول، ومن قال إن هذه الانقسامات يمكن أن تختفي بمجرّد تغيّر الواقع السياسي؟
لقد تركت الحرب آثاراً عميقة في العلاقات بين مكونات المجتمع، وأنتجت أشكالاً من انعدام الثقة والاستقطاب لا يمكن التعامل معها باعتبارها تداعيات عابرة. والأخطر أن هذه الانقسامات جرى توظيفها في سياق تنافس إقليمي تجاوز، في أحيانٍ كثيرة، مصالح السوريين أنفسهم، وهذا ما يجعل ترميم النسيج الاجتماعي وتحصين المجال الوطني من الاستقطاب شرطاً أساسيّاً لاستعادة الدولة.
وتقدّم مواقف السوريين من إيران مؤشراً لافتاً على التحولات التي طرأت على نظرتهم إلى القوى الإقليمية، فقد جاءت إيران في المرتبة الثانية ضمن مصادر التهديد لأمن سورية، بنسبة بلغت 20%، فيما ارتفعت نسبة من يعتبرونها تهديداً لأمن الوطن العربي إلى 24%، بعدما كانت 12% في استطلاع عام 2025. وليس من السهل التعامل مع هذه الزيادة باعتبارها تغيّراً عابراً في المزاج العام؛ فهل نحن أمام إعادة تقييم لدور طهران الإقليمي، أم أمام انعكاس لتراكم التجارب والمواقف المرتبطة بحضورها في سورية والمنطقة؟ في الحالتين، تكمن أهمية الأرقام في التحول الذي تعكسه، وليس في ترتيب إيران بين مصادر التهديد فحسب.
أما الولايات المتحدة، فلا يبدو أن صورتها تخرج عن دائرة الشك في دوافعها وحدود التزاماتها تجاه المنطقة. فقد وافق 76% من المستطلعين على أنها شنّت الحرب على إيران نيابة عن إسرائيل، ورأى 66% أنها تركت الدول العربية تتحمّل تكاليف الحرب، بينما اعتبر 62% أنها لم تدافع عن حلفائها العرب وتركتهم مكشوفين أمام إيران. ومن قال إن التحالفات السياسية والعسكرية كافية، وحدها، لبناء الثقة بين الدول؟ تكشف هذه النسب عن تشكيك يتجاوز تقييم موقف أميركي بعينه، ليطاول طبيعة الدور الأميركي ومدى موثوقيته.
المؤشّرات ترسم صورة رأي عام يريد دولة قادرة على حماية حقوقها وأمنها
لا تفيد النتائج بأن سنوات الحرب والعزلة أدّت إلى تراجع إحساس السوريين بالانتماء إلى محيطهم العربي، فعلى الرغم من التحولات السياسية والاجتماعية التي شهدتها البلاد، لا تزال الروابط السياسية والثقافية مع المجتمعات العربية حاضرة في تصور السوريين لموقع سورية. ولعل استمرار مركزية القضية الفلسطينية يقدم دليلاً إضافيّاً على هذا الارتباط، إذ يصعب فصل حضورها عن الإطار العربي الذي تشكلت ضمنه جوانب أساسية من الهوية السياسية السورية، وهذا يعني أن استعادة الدولة لا تنفصل عن استعادة موقعها الطبيعي في محيطها العربي.
ما الذي تعنيه هذه المؤشّرات بالنسبة إلى صانعي القرار؟ تكمن المعضلة في حاجة سورية إلى بيئة خارجية مستقرّة تسمح لها بتوجيه مواردها نحو التعافي الداخلي، من دون تجاهل مصادر التهديد أو التفريط بالحقوق الوطنية. لكن هل يعني ذلك الانكفاء عن المحيط أو تجنب المواجهة مهما كان الثمن؟ بالتأكيد لا، فالمطلوب بناء علاقات تقوم على المصالح المتبادلة والندّية، بعيداً عن التبعية أو تحويل سورية مجدّداً إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية، وهي معادلة صعبة في بلد أنهكت سنوات الحرب قدراته، وجعلت كلفة الخيارات الخارجية الخاطئة باهظة على الدولة والمجتمع معاً.
في المحصلة، لا تقتصر دلالة نتائج “المؤشّر العربي في سورية 2026” على رصد مواقف السوريين من فلسطين والجولان وإسرائيل وإيران والولايات المتحدة، بل تتجاوز هذا إلى الكشف عن طبيعة الدولة التي يريدون بناءها وموقعها الإقليمي. فالمؤشّرات ترسم صورة رأي عام يريد دولة قادرة على حماية حقوقها وأمنها، وتحديد خياراتها، من دون الانعزال عن محيطها العربي أو التحوّل إلى طرف تابع في صراعات الآخرين.