الثورة الرّقمية التي هزّت العالم وأربكت موازينه منذ سنوات قليلة فقط لم تكن مثل أيّ ثورة أخرى عاشتها الإنسانية. لقد كانت ثورة مختلفة على جميع المستويات، وأهمّها مستوى السرعة الزّمنيّة التي جعلت القفزة بين الحياة العادية التقليدية والحياة في زمن الرّقمنة مثل حلم، أو مثل رفّة رمش.
تغيّر كلّ شيء في حياة البشر على كوكب الأرض بأدق تفاصيله، فبتنا نقيم ونعيش في أجهزة إلكترونية: حواسيب، وهواتف ذكيّة، ولوحات إلكترونية، وتطبيقات حوّلت الحياة من الواقع إلى العالم الافتراضي.
ولم تنجح المكتبة الورقية في أن تفلت من واقع هذا التغيير المرير، فإذا بها تتحوّل إلى عبء ثقيل على صاحبها، خاصة وأنّها لم تكن قبل ذلك مرحّبًا بها في المنازل إذا ما كان واحد من الزوجين غير معني بها.
فالكتب مثل الزواحف تمامًا، تمتد وتكبر زحفًا، وتحتل الفضاءات لتتراكم محدثة شكلًا من أشكال الفوضى مهما كان صاحبها حريصًا على تنظيمها.
الآن، باتت المكتبات الرقميّة التي تضم ما لا يعدّ ويحصى من كتب محفوظة في الهواتف الذكية والحواسيب بلا فوضى ولا غبار ولا فئران لتقرض الكتب المنسيّة في الأقبية والدهاليز والمكاتب في المنازل الخاصة بأهل الكتاب.
في هذا السياق، طرحنا هذا السؤال على عدد من الكتّاب: كيف يواجه أصحاب المكتبات الورقيّة عبء وجودها المادي في زمن تستطيع أن تحمل فيه مكتبتك في يدك؟
فكانت هذه ردودهم:
الدكتور محمد آيت ميهوب (تونس):
المكان أضيق من العبارة
| محمد آيت ميهوب |
كانت المكتبة الشخصية أجمل أحلام طفولتي البكر. وكان الحصول على كتاب هو التعريف الحصري للهدية واللقيا والغُنم عندي. وفي سنّ الثانية عشرة، بدأت في بناء مكتبتي. دشنتها بكتاب النظرات للمنفلوطي بأجزائه الثلاثة. اقتنيتها يوم العيد من مكتبة “الجمهورية”، وكان ثمنها دينارًا ونصف دينار، لعلها كانت كل “المهبة” التي تلقيتها يومها. رصفتها في أحد رفوف ما كانت العائلات التونسية تسمّيه في السبعينيات والثمانينيات مكتبة، أو “بيبليوتاك”، وليس هو من المكتبة أو البيبليوتاك في شيء، إذ الأمر لا يزيد على أن يكون خزانة مزخرفة توضع في قاعة الجلوس تملؤها ربات البيوت بالكؤوس والفناجين والصحون، ويخصَّص القسم الأوسط منها للتلفزة. بعد ذلك بمدة قصيرة، أضفت إلى نظرات المنفلوطي “عبراته”، ثم “البدائع والطرائف ” لجبران، و”المعلّقات السبع”. وهكذا صار لي صف من الكتب خاص بي في مكتبة الكؤوس والفناجين. ثم ولدت سلسلتا “عيون المعاصرة”، و”عودة النص”، وتدفقت المجلات القادمة من الكويت، ومصر، ولبنان. وأخذت المكتبة تكبر شيئًا فشيئًا.
اليوم، صار الرف الصغير رفوفًا وخزائن، وغدت مكتبتي تعدّ آلافًا من الكتب. تخيّرت لها أفضل الغرف في بيتي، ودخلها المكيّف قبل أن يدخل غيرها من الغرف. لكن المكان أضيق من العبارة… فقد تكاثرت الكتب، وظل المكتب في مكانه لا يزيد شبرًا. وكانت الكتب في تكاثرها أشبه ما يكون بتلك النباتات الأسطورية المتوحشة التي تمتد عميقًا في أحشاء الأرض، لا يراها أحد من الإنس أو الحيوان، ثم تنبثق فجأة فتلتهم كل شيء، وتضع الغابة بما رحبت بين فكيها. ازدحمت الرفوف وأَنَّ كاهلُها تحت وطأة الكتب، فصرت أصطنع رفوفًا عمودية من الكتب يركن بعضها فوق بعض متصاعدةً من أرضية المكتب نحو السقف. وتكاثرت هذه أيضًا، وصارت أكداسًا هنا وهناك، فأصبحت الحركة صعبة في المكتب نفسه، وعسر التنقل داخله، وغدا من الصعب جدًا الوصول إلى كثير من الكتب، بل صرت لا أذكر على وجه اليقين امتلاكي بعض الكتب من عدمه، وما أكثر ما حدث أن اقتنيت بعض الكتب مرتين! شيئًا فشيئًا، انتقل ضيق المكان إلى ضيق النفس، وصرت أنفر، بل لا أجرؤ على دخول المكتب. ومن أعجب الأمور أنّ المطبخ حلّ محلّ المكتب، وأصبح آنس الأمكنة إليّ وأكثرها إلهاما لي وملاءمة للكتابة والقراءة. وفي المقابل، صار المكتب أشبه ما يكون بمخزن للكتب تعمّه الفوضى وتسكنه الوحشة.
لو ملكت القدرة على النظر إلى مشكلة المكتبة بطريقة موضوعية لقادني التفكير المنطقي إلى أخذ قرار بالتخفيف منها، والحقّ أنّه في إمكاني أن أستغني عن عشرات، بل مئات من الكتب، من دون ندم، أو حسرة. فلن أخسر كثيرًا بالتخلي عنها. لكنّ عقلي ووجداني يصدّانني عن هذا الحلّ، ويرفضان أيّ تنازل عن أيّ كتاب دخل بيتي. فأنا ممّن يشقّ عليه أن يرمي وريقة إلى سلّة المهملات، فما بالك بكتاب. ولكم استغربت عندما اكتشفت ذات يوم في باريس أنّ أغلب الكتّاب ومحبّي الكتب في فرنسا يتخلصون من الكتاب فور الانتهاء من قراءته، إمّا بيعًا، أو تبادلًا، أو تصدّقًا. فحبّ الكتب وحب المحافظة على الكتب متمكّن مني، وأتوجس من فقدان الكتاب أيّ كتاب توجّسي من عودة حملات حرق الكتب التي عرفتها القرون الوسطى.
في الأثناء، تضخمت في حاسوبي مكتبة رقمية، فبحكم عملي الأكاديمي والتزاماتي الأدبية، حدث ما لم أكن أتوقعه يومًا، وهو أن أقرأ الكتب إلكترونيًا، ولا أحتاج إلى نسخة ورقية منها. ومع ذلك، فلم أرَ في عشرات الكتب المخزّنة عندي كتبًا، ولم أجعل من مكتبة حاسوبي ركنًا ألوذ به، هي مجرد أداة أتعامل معها تعاملًا انتهازيًّا فأستعملها وأنساها، وليس لها في قلبي مكانة. فأنّى لكتاب الحاسوب أن يغادر محبسه الإلكتروني ويرافقني في حلي وترحالي؟ ومن أين لي أن أشتم رائحة كتبي، رائحة الزمن، وأنا أكتفي بقراءة الكتب الرقمية؟ عندما أفتح أيّ كتاب من كتب الجيب، مثلًا، وأغوص في قراءته، أشعر دومًا أن كاتبه يجالسني ويحادثني، فكيف للكتاب الرقمي أن يهبني هذا الإحساس؟
ليس الخطر الأكبر عندي في تراكم الكتب وتكدّسها وتحولها إلى عبء ثقيل على صاحبها وأسرته. قد أجد لهذه المشكلة حلًا، قد أبتني فوق سطح البيت غرفة أكبر، قد أفتك من البيت نفسه غرفة ألحقها بالمكتبة، قد أملأ البيت كله بقاعة جلوسه وردهاته خزائن أملأ رفوفها كتبًا… قد وقد وقد.. لن أعدم حلًّا. لكنّ الخطر الأكبر هو مصير مكتبتي بعدي. هل ستحافظ على مسكنها، أو تتشرد هنا وهناك؟
فما أكثر ما صادفت في سوق الكتب القديمة بالدباغين في تونس العاصمة، أو في سور الأزبكية في القاهرة، مكتبات بأكملها تخلّص منها أبناء أصحابها وباعوها بثمن بخس! وما أكثر ما أحسست بالأسى من أجل الكتب الشريدة والحسرة على من قضى عمره يشيّد مكتبة ثم رحل وتفرقت كتبه كالهشيم! فكيف يكون ردّ فعل من سيلاقي يومًا كتبي على قارعة الطريق، هل سيأسى لها؟ أتراه يأسف من أجلي؟ أو لعله سيقتنيها وينصرف من دون أن يكترث لأمرها وأمري، وكأنّها لم تعمر يومًا مكتبة ضجّت بالكلام والصمت معًا؟
الدكتور أمين الزاوي (الجزائر):
سيصبح الكتاب كاللّوحة التشكيلية للفرجة…
| أمين الزاوي |
أشعر بحزن عميق حيال سؤالك، ففي خطابه حسّ الرثاء لمرحلة كاملة ثقافية واجتماعية وأسرية وسيكولوجية مثّل فيها الكتاب مركزًا مهمًا يكاد يكون مقدسًا على مستوى الفرد والجماعة.
صحيحٌ أن تراجع القراءة الثقافية في بلداننا المترافق مع زحف وحشية الشاشة وعنف الهواتف الذكية الموضوعة بين أيدي غير ذكية يربك الكاتب والمشتغل في عالم الكتاب من ناشر ومكتبي وموزع، لكني أعتقد بأنه لا تزال أمام الكتاب الورقي فسحة زمنية واسعة سيعيشها عالميًا، فاليابانيون على تقدمهم الكبير تكنولوجيًا يعودون هذه الأيام إلى الكتب والمجلات الورقية، هذا ليس موقفًا نوسطالجيًا، ولكنها الحقيقة، فكلما تقدم الإنسان في متاهة التكنولوجيا وعالم الخوارزميات إلا وتحرك ضمير داخلي عميق يسعى لتذكيره بالطريق الذي جاء منه، أي طريق الكتاب الورقي.
في يوم من الأيام، ربما بعد قرن، أو أكثر، ستتحول المكتبات الكبرى إلى متاحف، وستفتح أبوابها للزوار من الأجيال القادمة، أجيال الخوارزميات والرقميات وفتنة الصورة والشاشة، وسيقف هؤلاء فاغري الأفواه أمام هذه الكيلومترات من رفوف الكتب، أمام هذه المجلدات النائمة جنبًا إلى جنب، وسيقولون: كان أجدادنا يتعلمون من هذه “الأشياء”.
في يوم من الأيام، ستصبح المكتبات العمومية ظاهرة نادرة، وأتصور بأنها ستتحول إلى ما يشبه الأروقة التي تعرض اللوحات التشكيلية، وسيلتقي في صناعة الكتاب، كتاب الغد، الصانع الحرفي وتوفر الورق الدائم Le papier permanent والإخراج الجديد المختلف كلية عن إحراج الكتب الكلاسيكية التقليدية، كل ذلك من أجل أن تلتقي متعة الفرجة بمتعة الفكر.
وما في ذلك شك أيضًا، فإن واقع المكتبات الشخصية، أو العائلية، سيتغير كثيرًا من حيث الفضاء الذي ستحتله في زمن قادم، شكلًا ومساحة، ومن حيث طريقة العرض في فضاء البيت، ومن حيث الكمية أيضًا، فكما نختار اليوم لوحات في معارض للفن التشكيلي مرات قليلة في السنة، سنخرج للمكتبات العمومية أيضًا لاختيار بعض الكتب، بين الحين والآخر، كتب استثنائية، لوضعها في البيت كما توضع التحفة.
ستختفي تجارة الكتب بمفهومها الصناعي، ستنتهي ظاهرة تلك الدور التي تطبع الآلاف من النسخ، وسيصبح لدينا دور نشر قليلة جدًا تعمل بإتقان، حيث تجمع ما بين دقة الحرفيين ومغامرة التشكيليين، وبذلك ستتغير فلسفة الكتاب من حيث الشكل والاستقبال والقيمة المادية، وسيصبح صاحب المكتبة الشخصية كجامعي الطوابع البريدية، وسيصبح صاحب المكتبة العمومية كصاحب صالة عرض، أو رواق للفنون الجميلة.
أما ما مصير المكتبات الشخصية، أو العائلية، أمام زحف التكنولوجيا، فأعتقد شخصيًا بأن الأسرة القادمة لن تكون أسرة كثيرة الأفراد، وبالتالي سيكون الأزواج غير منشغلين كثيرًا بمفهوم الفضاء من حيث المساحة، لذا فالمكتبة لن تكون جثة في البيت يجب دفنها إكرامًا لها، بل في كثير من الأسر ستتحول إلى فرجة جميلة، فالكتب ليست للقراءة فقط، بل أيضًا للمشاهدة، فكثير من الكتب نقتنيها ولا نقرأها ولا نستطيع التنازل عنها وتسعدنا رؤيتها.
في حالتي الخاصة، فربيعة زوجتي، وهي مبدعة وأنا، كونّا ثلاث مكتبات، واحدة بشقتنا بمدينة وهران، وثانية بفرنسا بمدينة كان بنورمانديا، وثالثة ببيتنا بمدينة الجزائر العاصمة، ونحن نشعر بأننا لا نستطيع العيش من دون هذه الكتب التي تقاسمنا الفضاء والهواء والذكريات مع الأبناء ومع الأصدقاء والأسفار، وأبناؤنا (لينا وإلياس وهزار) لهم الإحساس نفسه، فهم يتعاملون مع هذه الكتب بكثير من الاحترام والتقدير، على الرغم من انتمائهم لفضاء الروبوت والخوارزميات، وهم أيضًا لا يزالون يقتنون الكتب الورقية ويقرؤون بعضها بنهم.
الروائية سهير المصادفة (مصر):
ليس علينا أن نحزن
| سهير المصادفة |
بالفعل، أصبحت غرفة المكتب مشكلة كبرى لدى العائلات، خصوصًا مع ضيق المساحة السكنية، والاحتياج إلى المكان للأولاد. من حسن حظي أنني من عائلة تعرف معنى الكتاب، ورثنا كتب أبينا الأزهري، وتوزعت في ما بعد في بيوتنا. أما أنا، فبحكم عملي، وكوني روائية، فقد تكاثرت الكتب لدي وخرجت من غرفة المكتب وامتدت حتى غرف النوم. ومع الثورة التكنولوجية، وتكويني لمكتبة إلكترونية على أجهزتي الذكية، ومع محبتي للقراءة بالصيغة الرقمية، فكرت بالتبرع بجزء من مكتبتي الضخمة لمركز شباب بلدتي بالشرقية. منذ البداية، أحببت المكتبات العامة، وكم قرأت كثيرًا من الكتب فيها في شبابي! والمكتبات العامة ليست بخير في عالمنا العربي، رغم اعتماد الغرب عليها، ولذلك في مصر مثلًا يتبرع معظم الأدباء للمكتبات العامة، لكي تكون متاحة للجميع، وأرى أنه الحل الأمثل.
على أي حال، للكتاب الورقي سحره، ولكن أظن أن العالم سيتجه قريبًا إلى القراءة الرقمية، مثلما هي الحال مع الكتابة، فقد تقبلنا منذ سنوات الكتابة مباشرة على الكمبيوتر. وبالنسبة لي فقد حافظت على عادة الكتابة الروائية على الورق أولًا، ثم رقن ما كتبت، أما المقالات، أو أي جنس أدبي آخر، فقد اعتدت أن أكتب مباشرة على الحاسوب.
وإذا ما اعتدت أنا على الكتابة إلكترونيًا، فإن ذلك سيكون الأمر الطبيعي بالنسبة للأجيال الشابة التي سوف لن تقرأ وتكتب إلا رقميًا.
علينا ألاّ نحزن في الأحوال كافة، سواء استمر بريق الكتاب الورقي والمكتبات، أو اختفى، فالمكتبات المنزلية في النهاية وسيلة للمعرفة، وليست غاية في حد ذاتها، وإنما المكتبات العامة هي الأهم علاوة على محتوى المكتبة نفسه، الذي هو مؤلفاتنا وأفكارنا ورؤانا. في النهاية، مثلما تبدلت أدوات الكتابة، تبدلت أدوات القراءة، فالإنسان كتب ورسم وقرأ على جدران الكهوف، على الحجر، ثم جلود الحيوانات، فورق البردي، حتى عرف الكتاب، وها نحن نصل إلى القراءة عبر الأثير الأزرق، وكلها وسائل، وحده فعل الكتابة ثابت منذ الأزل وحتى الأبد.
الروائي والباحث يحيى القيسي (الأردن):
على الكاتب أن يعثر على حلّ لمكتبته قبل رحيله
| يحيى القيسي |
لدي بالطبع مكتبة ورقية كبيرة جمعتها عبر عشرات السنوات، ولكني في الفترة الأخيرة لم أعد أشتري الكتب كيفما اتفق، بل أحرص على شراء الكتب التي أرغب في قراءتها فعلًا، ومع ذلك أحصل على كثير من الكتب عبر الإهداءات من دور النشر والأصدقاء، كما أقوم بالشراء في فعاليات توقيع الكتب كنوع من الدعم للأديب ولدار النشر معًا، إذ من غير المعقول أن لا ندعم بعضنا بعضًا.
خلال الثلاث سنوات الماضية، انشغلت بتأسيس مكتبة رقمية كبيرة من خلال تطبيق هاتفي يعطي فرصة للجيل الجديد لقراءة الكتاب في أثناء الركوب في الحافلة، أو الاستماع إلى الكتب الصوتية، وهذه الثورة الرقمية أصبحت واقعًا لا يمكن تجاهله في العالم العربي، بينما سبقنا العالم الغربي تحديدًا في هذا الأمر، وبالتالي أصبح في الإمكان الحصول على مكتبة رقمية ضخمة مخزنة في هاتف صغير بدلًا من كتب ورقية تأخذ الحيز الأكبر في بيت العائلة، ومع ذلك هناك تجاور حاليًا بين الرقمي والورقي، إذ من الصعب إلغاء الكتاب الورقي رغم الحضور القوي والمتصاعد للكتب الصوتية والرقمية.
أعرف عددًا كبيرًا من الكتاب الراحلين، وليس من بين أبنائهم من هو مهتم أصلًا بالكتب، وبالتالي عادة ما تقوم العائلة بتوزيع مكتبتهم أو بيعها بأبخس الأثمان، وأعرف شاعرًا كبيرًا وضعت عائلته مكتبته في مخزن، فجاءت مياه الأمطار وأتلفت كل الكتب والصور والأرشيف، وهنالك أديب آخر كان منشغلًا بالفلسفة، وعند رحيله قام عدد من أبنائه بحرق كل نتاجه على أساس أنه يشجع على الكفر، أو غير مفيد للبشرية، وهذا بسبب تطرفهم الديني. ومن خلال متابعتي لكثير من التجارب، أقول إن على الأديب أن يتصرف بمكتبته وإرثه قبل رحيله، فإن كان يرى أن عائلته ستحترم إرثه وتقوم بالحفاظ عليه فهذا أمر جميل، أو في النهاية يمكن له أن يقوم بتوزيع مكتبته للأدباء الناشئين، أو لمكتبات الجامعات، أو لغيرها من المؤسسات، وبعضهم من الفقر عرض مكتبته للبيع فاستفاد بدراهم قليلة قبل رحيله ثمنًا للعلاج، أو الطعام.
فكرة وجود مكتبة ورقية تأخذ غرفة أو غرفتين في البيت مسألة جوهرية بالنسبة للأديب، وهي جزء من روحه وحياته اليومية، فإذا رحل أصبحت عبئًا عند الورثة، الذين يفضلون الاستفادة من المساحة الموجودة كغرفة نوم، أو استراحة، بدلًا من بقائها مليئة بهذه الكتب التي لا يعرفون كم فيها من الكنوز والمعارف، وهذه الإشكالية لم تحل إلى يومنا هذا، وبالنسبة لي آمل أن يخرج من بين أبنائي من يحترم القراءة، أو يحترفها، لعله يحافظ على المكتبة، أو يعرف على الأقل كيف يتصرف بها بعد رحيلي.