حقّق الديمقراطيون الأمريكيون، بأطيافهم المختلفة، فوزاً ساحقاً على دونالد ترامب وإدارته، فانتزعوا الأكثرية في مجلسَي النواب والشيوخ بفارق كبير تخطّى كلّ توقّعات استطلاعات الرأي وخبراء الانتخابات الذين ظنّوا أن المواجهة ستكون محتدمة، أقله في مجلس الشيوخ.
وقد نجح الديمقراطيون، رغم انقساماتهم ورغم حضور دونالد ترامب اليومي في وسائل الإعلام، في فرض المواضيع والعناوين الكبرى للخطاب السياسي. كما نجحوا في جرّ الجمهوريين إلى تظهير خلافاتهم حول شخص ترامب وحول عدد من القضايا الهامة التي لا أبلغ ممّا قاله جي دي فانس، نائب الرئيس، في تلخيصها: الحرب على إيران، العلاقة بإسرائيل، أولوية الداخل الأمريكي على السياسة الخارجية، والتعامل مع كلفة المعيشة المرتفعة.
الجمهوريون وترامب
والحق أن فانس، الذي يتنافس داخل الإدارة الترامبية وعلى خلافة ترامب مع وزير الخارجية ماركو روبيو وعلى نحو أقل شأناً مع وزير الحرب بيت هيغسيث، يمثل التقاطع بين الجمهوريين التقليديين الذين التحقوا بالموجة الترامبية خلال ولاية ترامب الأولى والقومية المسيحية بكاثوليكيّيها مثله أو بإنجيلييها، والتيار الانعزالي الأمريكي اليميني. وهو أقل المتحمسين للتدخلات العسكرية في الخارج، خاصة تلك التي يعدّ أمريكيون كثر أن إسرائيل تجرّهم إليها. والأرجح أنه سيعمد إلى استغلال الهزيمة الانتخابية النكراء لإضعاف خصميه. ذلك أن روبيو مثلاً، الكاثوليكي المتأثر بالأصولية الانجيلية، الداعم لسياسة أمريكية خارجية تدخلية من إيران إلى كوبا (بلد والديه) متّهم بمجاراة نتنياهو في إقناع ترامب بالحرب على إيران. ووزير الحرب، هيغسيث، الأكثر تشدداً دينياً والأكثر ربطاً للتدخلات الخارجية بإيديولجيا مسيحية معادية للإسلام، يعدّ نفسه في حرب صليبية جديدة، يريد حسمها. وهما عرضة الآن لانتقادات شديدة داخل الحزب الجمهوري قد تقوّي موقف فانس، وتلجم من اندفاعتهما العسكرية لبعض الوقت.
يضاف إلى ذلك، أن انقساماً جمهورياً حول ترامب نفسه برز في الانتخابات. فالرئيس الذي كان يتباهى المرّشحون بقربهم منه لكسب جمهوره الذي لا ينتمي كلّه بالضرورة إلى الحزب، تحوّل إلى مادة تبرّؤ لدى قسم من المرشَحين ممّن ذكروا أكثر من مرّة أنهم ليسوا أو لم يعودوا ترامبيين.
لهذه الأسباب، ستشهد الفترة المتبقية من ولاية ترامب إعادة ترتيب للبيت الجمهوري وصراعات نفوذ بين أقطاب الحزب الطامحين للترشح العام 2028.
الديمقراطيون وتحدّي التماسك والرئاسيات
من ناحيتهم، حقّق الديمقراطيون إنجازاً سياسياً كبيراً عبر سيطرتهم على المجلسين. ونجحوا في تخطّي الكثير من الخلافات التي برزت خلال الفترة الماضية بين جناحيهم اليساري والوسطي أو التقليدي. وهم نجحوا في رفع مستوى المشاركة في الأوساط الاجتماعية المتواضعة الدخل وفي الأوساط الجامعية والمدينية التقدمية. كما عبأوا قواعدهم بين الأمريكيين السود وذوي الأصول اللاتينية والعربية وبين المتحدرين ممّن نجا من سكان القارة الأصليين. وإذ فرض اليساريون أجندة اقتصادية واجتماعية داخلية وأبرزوا مواقفهم الداعمة للكفاح الفلسطيني من أجل تقرير المصير وأوصلوا عدداً من الوجوه التي تصدرت المشهد الإعلامي الأمريكي (والعالمي) منذ سنة تقريباً إلى مجلسي النواب والشيوخ وإلى حاكمية عدد من المدن والولايات، نجح التقليديون في إحراز انتصارات بفوارق أكبر على منافسيهم في العديد من الدوائر التي مثّلوا حزبهم فيها. وهذا سيجعل التنافس بين الجناحين على أشدّه في ما خصّ تمثيل الحزب وادّعاء كل طرف القدرة على الفوز في الرئاسيات المقبلة.
لكن حتى قبل الوصول إلى مرحلة الترشيحات للرئاسيات، سيواجه الديمقراطيون تحدّيات كبرى في عملهم التشريعي والرقابي وفي مساعيهم للإيفاء بوعودهم الانتخابية الكثيرة. فللرئيس الأمريكي صلاحيات واسعة تمكّنه من التصرّف من دون العودة الدائمة إلى المشرّعين عبر ما يسمّى القرارات التنفيذية. ويمكنه في الكثير من الحالات استخدام حق النقض ضدّهم. ويمكنهم فعل الأمر نفسه معكوساً، أي استخدام النقض ضده شريطة أكثرية الثلثين في المجلسين، صعبة التحقّق ولكن غير المستحيلة. ويمكنهم أيضاً الدفع نحو إقفال عام للمؤسسات إن لم يتفقوا على تسويات في قضايا الموازنات والتمويل، ويمكن لمجلس الشيوخ رفض التعيينات في المناصب المهمة، من ضمنها المحكمة العليا التي يحاول ترامب جاهداً السيطرة عليها.
وهذا كلّه يتطلب تنسيقاً داخل صفوف الديمقراطيين أولاً، ثم مع جزء من الجمهوريين الذين يمكن أن يتفقوا معهم على قضايا محددة تعني قواعدهم الانتخابية في ولاياتهم أو دوائرهم ثانياً. ويتطلب بعد ذلك الاتفاق على شروط التفاوض مع الرئيس وإدارته وتحديد ما لا يمكن التنازل عنه.
القضية الفلسطينية كمسألة فرز أساسية
أظهرت الانتخابات في جوانب منها، داخل صفوف الحزب الديمقراطي وضمن السباق مع الجمهوريين في أكثر من ولاية، حضور القضية الفلسطينية في البرامج الانتخابية، ودورها في فرز المواقف وتحديد الاتجاهات. وتبيّن النتائج أن شرائح واسعة من الناخبين الديمقراطيين، ممّن هم تحت الأربعين عاماً بخاصة، صوّتوا بكثافة للمرشحين الذين كانت أصواتهم مرتفعة ضد حرب الإبادة الإسرائيلية. وتبيّن تصريحات فانس التي يعدّ فيها هزيمة حزبه مرتبطة بموقف إدارته الداعم بلا قيود لإسرائيل والمساهم في تمويل حروبها والانخراط فيها على حساب الاقتصاد الأمريكي تأثّر الجمهوريين أيضاً بالموضوع وانقسامهم حوله. وهذه جميعها تحوّلات بدأت ببطء قبل عقد تقريباً وتسارعت في السنوات الأخيرة. والأهمّ أنها في حالة الديمقراطيين غير عابرة أو مرحلية لسببين. الأول أنها ترتبط بثقافة سياسية لجيل جديد تكوّنت خلال الحرب الإبادية على غزة، وهي حالة كونية، نراها في جميع أنحاء العالم. والثانية أنها ترتبط بتلاقي المسألة الفلسطينية بكفاحات أمريكيين ضد العنصرية وضد الظلم الاجتماعي ومن أجل التحرّر من الاستغلال الرأسمالي الذي تمارسه شركات معظمها منخرط باستثمارات في إسرائيل تموّل جيشها وصناعاتها الحربية.
الولايات المتحدة الأمريكية تدخل اليوم إذاً مرحلة مليئة بالتحدّيات والديناميات المتصارعة. وستكون السنتين المتبقيتين من ولاية ترامب مثيرتين على مختلف الصعد، وبتأثير تتخطّى مفاعيله الحدود الأمريكية ذاتها.
*كاتب وأكاديمي لبناني
