
كاتب سياسي..المصدر .. جريدة الثورة السورية
وصل رئيس إقليم كردستان – العراق، السيد نيجيرفان بارزاني، صباح الاثنين 3 آب 2026، إلى العاصمة السورية دمشق على رأس وفد رسمي، حيث التقى الرئيس السوري السيد أحمد الشرع في قصر الشعب. وقد حظيت الزيارة باهتمام سياسي وإعلامي واسع، كونها أول زيارة بهذا المستوى منذ التحولات التي شهدتها سوريا عقب سقوط نظام الأسد قبل نحو عام ونصف، الأمر الذي منحها أبعاداً تتجاوز الإطار البروتوكولي إلى رسائل سياسية واستراتيجية مهمة.
تاريخياً، لم ترتقِ العلاقات بين إقليم كردستان وسوريا إلى مستوى العلاقات الدبلوماسية الرسمية، واقتصرت على قنوات تواصل محدودة فرضتها الجغرافيا والروابط الاجتماعية والثقافية، ولا سيما التواجد الكردي على جانبي الحدود. إلا أن التطورات التي شهدتها سوريا خلال المرحلة الانتقالية أعادت فتح الباب أمام بناء علاقات أكثر انفتاحاً، انطلاقاً من المصالح المشتركة التي تجمع الجانبين، وفي مقدمتها الأمن، والاقتصاد، والملفات الإنسانية.
وتكتسب هذه الزيارة أهمية خاصة، لأنها تعكس اعترافاً من دمشق بالدور الإقليمي الذي يضطلع به إقليم كردستان بوصفه عاملاً مهماً في تعزيز الاستقرار، كما تمثل فرصة لفتح صفحة جديدة في العلاقات الرسمية بين دمشق وأربيل. ويبرز في هذا السياق الحديث عن افتتاح قنصلية سورية في أربيل، وإمكانية افتتاح ممثلية لحكومة إقليم كردستان في دمشق، بما يسهم في تعزيز التعاون الدبلوماسي وتسهيل الخدمات المقدمة لمواطني الجانبين.
وتتجاوز أهمية الزيارة الجانب الثنائي، لتشمل الملف الكردي في سوريا أيضاً، إذ يمتلك إقليم كردستان علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف، ما يؤهله للقيام بدور إيجابي في تقريب وجهات النظر بين الحكومة السورية والقوى الكردية، ودعم مسار الحوار باعتباره السبيل الأمثل للوصول إلى حلول سياسية تحفظ وحدة سوريا وتصون حقوق جميع مكوناتها.
كما لعب الرئيس نيجيرفان بارزاني دوراً مهماً في دعم جهود الحوار بين الحكومة السورية و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، وصولاً إلى الاتفاق المبرم في 29 كانون الثاني 2026، الذي نص على دمج قوات “قسد” ضمن الجيش السوري، ودمج مؤسسات الإدارة الذاتية في هيكل الدولة السورية.
وتحمل الزيارة عدة رسائل سياسية، أبرزها أن إقليم كردستان شريك أساسي في دعم استقرار سوريا، وأن الحوار هو السبيل الوحيد لمعالجة القضايا الوطنية، بما في ذلك القضية الكردية ضمن إطار سوريا الموحدة، وهو ما أكده الرئيس نيجيرفان بارزاني خلال زيارته بإشادته بوحدة الأراضي السورية وإعرابه عن ثقته بقدرة الرئيس أحمد الشرع على قيادة البلاد نحو الاستقرار والازدهار.
كما تؤكد الزيارة أن استقرار سوريا ينعكس مباشرة على استقرار العراق وإقليم كردستان، ولا سيما في ظل التوترات الإقليمية، ووجود الجماعات المسلحة على امتداد الحدود المشتركة.
ومن المتوقع أن تسهم هذه الزيارة في دفع العلاقات بين دمشق وأربيل نحو مرحلة جديدة، عبر تعزيز التعاون السياسي والاقتصادي والأمني، وتطوير التنسيق في الملفات الإنسانية، وفي مقدمتها عودة اللاجئين السوريين بصورة آمنة وكريمة. ويكتسب هذا الملف أهمية خاصة في ظل استضافة إقليم كردستان آلاف اللاجئين السوريين منذ سنوات، وهو ما أشار إليه الرئيس أحمد الشرع في منشور له على منصة “إكس”، حيث أعرب عن شكره لإقليم كوردستان على استقباله اللاجئين السوريين خلال سنوات الأزمة.
وفي المحصلة، لا تبدو زيارة الرئيس نيجيرفان بارزاني إلى دمشق مجرد لقاء بروتوكولي، بل تمثل محطة سياسية قد تؤسس لمرحلة جديدة في العلاقات بين دمشق وأربيل، إذا ما تُرجمت نتائجها إلى خطوات عملية تعزز الثقة والتعاون، وتخدم استقرار سوريا والعراق والمنطقة بأسرها.