من الثورة الفرنسية إلى انتفاضات العمال والطلاب، وصولاً إلى حركة السترات الصفراء، ظلت الشوارع الفرنسية مساحة لاختبار العلاقة بين الدولة والمجتمع، وحدود قدرة السلطة على فرض سياساتها عندما تشعر قطاعات واسعة من المواطنين بأن كلفة هذه السياسات باتت أعلى من قدرتهم على الاحتمال. ولذلك، فإن أي موجة احتجاجية تنطلق من باريس تستحق القراءة خارج حدودها الوطنية، لا لأن فرنسا تمثل بالضرورة نموذجاً ستتبعه بقية الدول، بل لأن الأزمات التي تغذي الغضب الاجتماعي الفرنسي تتكرر، بدرجات متفاوتة، في مجتمعات أخرى تواجه ارتفاع تكاليف المعيشة، وتزايد الشعور بأن النمو الاقتصادي لا ينعكس بالقدر نفسه على حياة جميع المواطنين.
والسؤال الذي يفرض نفسه ليس ما إذا كانت مدن العالم ستشهد احتجاجات مماثلة، فالتاريخ لا يخلو من موجات غضب اجتماعي متزامنة، وإنما ما إذا كانت هذه الاحتجاجات ستتحول إلى ظاهرة تتجاوز المطالب القطاعية إلى مراجعة أوسع للعقد الاجتماعي الذي قامت عليه الديمقراطيات الحديثة. فحين يعجز المواطن عن مواجهة تكاليف السكن والطاقة والغذاء، أو يكتشف أن دخله لا يواكب ارتفاع الأسعار، وأن الخدمات التي يمولها بالضرائب لم تعد تمنحه الشعور بالأمان الذي اعتاد توقعه من الدولة، فإن المشكلة لا تبقى اقتصادية بحتة. إنها تتحول تدريجياً إلى سؤال عن العدالة، وتوزيع الأعباء، ومدى استجابة المؤسسات السياسية لأولويات المجتمع. وعندما تتراكم هذه الأسئلة من دون إجابات مقنعة، يصبح الاحتجاج وسيلة للتعبير عن أزمة ثقة أعمق من أي خلاف حول قرار حكومي بعينه.
وما يمنح هذه الأزمة عمقها السياسي أن الغلاء لا يصيب جميع الفئات بالطريقة نفسها. فارتفاع أسعار الغذاء والطاقة قد يضغط على معظم الأسر، لكن أثره يكون أشد على أصحاب الدخول المحدودة، والعمال الذين لا تتكيف أجورهم سريعاً مع التضخم، والشباب الذين يحاولون الاستقلال عن أسرهم في ظل ارتفاع الإيجارات، والمتقاعدين الذين تتقلص قدرتهم على تغطية نفقات الحياة اليومية. أما أصحاب الدخل المرتفع، فقد يمتلكون أدوات أفضل لامتصاص الصدمات. وهكذا، لا تتحول الأزمة الاقتصادية إلى تجربة اجتماعية مشتركة بالدرجة نفسها، بل تكشف تفاوت القدرة على تحملها، وتثير سؤالاً يتجاوز الأرقام والمؤشرات: لماذا يُطلب من بعض الفئات أن تتحمل قسطاً أكبر من كلفة الأزمات، فيما تبدو قدرتها على التأثير في القرارات العامة أقل من قدرة الفئات الأكثر ثراءً؟
وتتضح هذه المفارقة بصورة خاصة في أزمة السكن، التي أصبحت إحدى أكثر القضايا حساسية في المجتمعات الأوروبية. فالمنزل الذي كان يمثل محطة طبيعية في حياة الفرد، وعلامة على الاستقلال والاستقرار، أصبح بالنسبة إلى شرائح من الشباب والعاملين هدفاً يصعب بلوغه. وعندما يعجز الموظف عن السكن بالقرب من مكان عمله، أو تضطر الأسرة إلى استنزاف معظم دخلها لتأمين الإيجار، تتراجع قيمة الوعود التقليدية بالاجتهاد والعمل والترقي الاجتماعي. فكيف يمكن إقناع جيل جديد بأن العمل الجاد يفتح أبواب المستقبل، إذا كان الدخل الذي يحصل عليه لا يضمن له حتى الاستقرار السكني؟
هذه المسألة تفسر لماذا لا يمكن اختزال الغضب الاجتماعي في التضخم وحده. فالتضخم قد يتراجع من حيث المعدل، لكن الأسعار التي ارتفعت لا تعود بالضرورة إلى مستوياتها السابقة، وقد تستمر الأسر في الشعور بالضغط حتى بعد انحسار موجة الغلاء. كما أن تحسن المؤشرات الاقتصادية الكلية لا يعني تلقائياً تحسن الحياة اليومية لجميع المواطنين. فقد تسجل الاقتصادات نمواً، وتتمكن الحكومات من خفض عجز الموازنات، وتتحسن بعض مؤشرات الاستثمار والتوظيف، بينما يظل المواطن عاجزاً عن الادخار أو شراء منزل أو توفير تعليم جيد لأطفاله. وهنا تنشأ فجوة بين نجاح الاقتصاد كما تقيسه المؤسسات، ونجاحه كما يختبره الناس في حياتهم. وكلما اتسعت هذه الفجوة، ازدادت صعوبة إقناع المجتمع بأن السياسات المتبعة تحقق المصلحة العامة.
الاحتجاجات الفرنسية تكشف فجوة بين نجاح الاقتصاد كما تقيسه المؤشرات وبين فشل السياسات في تحسين حياة المواطنين اليومية
من هنا، فإن أزمة القدرة الشرائية تتحول إلى أزمة في العدالة الاجتماعية عندما يشعر المواطن بأن توزيع المكاسب والأعباء لم يعد عادلاً، وأن التضحيات المطلوبة منه لا تقابلها خدمات عامة بالمستوى الذي يتوقعه، أو فرص متكافئة للتقدم.
وهذه ليست مشكلة تخص الفئات الأشد فقراً وحدها؛ إذ يمكن أن تمتد إلى الطبقات الوسطى التي تجد نفسها عالقة بين ارتفاع نفقاتها، واستقرار نسبي في دخولها، وتراجع بعض الخدمات التي كانت تعتبرها جزءاً من ضماناتها الاجتماعية. وعندما يبدأ العامل الذي يدفع الضرائب بانتظام في التساؤل عن المقابل الذي يحصل عليه، يصبح النقاش حول الإنفاق العام والضرائب والخدمات نقاشاً حول شرعية الخيارات السياسية نفسها.
لكن هل يعني ذلك أن الدولة الاجتماعية الأوروبية بلغت طريقاً مسدوداً؟ سيكون هذا استنتاجاً متسرعاً. فالدولة الاجتماعية ليست نموذجاً واحداً متطابقاً في جميع البلدان، كما أن قدرة الحكومات على تقديم الدعم وتوفير الخدمات تختلف باختلاف مستويات الإنتاجية، وبنية الضرائب، وحجم الدين العام، وتركيبة السكان، وكفاءة المؤسسات. غير أن التحدي المشترك يتمثل في كيفية الحفاظ على الحماية الاجتماعية في ظل ضغوط مالية وديموغرافية واقتصادية متزايدة. فالحكومات تواجه مطالب متزامنة بزيادة الإنفاق على الصحة والتعليم والإسكان والحماية الاجتماعية، والاستثمار في التحول الرقمي والطاقة والبنية التحتية، ورفع الإنفاق الدفاعي في ظل التوترات الدولية. وفي الوقت نفسه، تتعرض لضغوط من أجل احتواء العجز والدين العام، وتجنب تحميل الأجيال المقبلة أعباء مالية غير مستدامة.
إن هذا التناقض يجعل القرارات الاقتصادية أكثر حساسية سياسياً. فخفض الإنفاق العام قد يكون ضرورياً في بعض الظروف لضبط المالية العامة، لكنه قد يفاقم الشعور بالتهميش إذا طال خدمات يعتمد عليها المواطنون يومياً. ورفع الضرائب قد يساعد في تمويل الخدمات، لكنه قد يواجه اعتراضاً إذا اعتقد المكلفون أن العبء لا يتوزع بصورة منصفة. أما توسيع الدعم بلا موارد مستدامة، فقد يوفر راحة مؤقتة، لكنه قد يخلق اختلالات مالية أو يوجه المنافع إلى فئات ليست الأكثر احتياجاً. لذلك، لا توجد وصفة سهلة تتيح للحكومات الجمع بلا كلفة بين تخفيض الضرائب، وزيادة الخدمات، ورفع الأجور، وخفض الدين. لكن وجود قيود مالية حقيقية لا يعفيها من مسؤولية الاختيار الواضح، ولا يجعل توزيع كلفة الأزمة مسألة تقنية منفصلة عن العدالة والمساءلة.
والدرس الذي ينبغي استخلاصه من الاحتجاجات الفرنسية هو أن تجاهل هذا البعد السياسي قد يجعل الإصلاحات الاقتصادية أكثر صعوبة، حتى عندما تكون أهدافها المعلنة مشروعة. فالمواطن لا يحكم على السياسات من خلال البيانات المالية وحدها، بل من خلال أثرها على حياته، ومن خلال شعوره بأن الحكومة تفهم مشكلاته وتستمع إلى صوته وتوزع الأعباء وفق قواعد يمكن الدفاع عنها. وإذا غابت هذه الثقة، فقد تتحول الإجراءات التي تقدمها السلطة باعتبارها ضرورات اقتصادية إلى دليل إضافي على انفصال المؤسسات عن المجتمع.
وتمنح الاحتجاجات الفرنسية هذا النقاش بعداً خاصاً، لأن فرنسا تمتلك تقليداً احتجاجياً راسخاً، ونقابات قادرة على التعبئة، ومجالاً عاماً يسمح بتحويل المطالب الاجتماعية إلى مواجهة سياسية واسعة. لكن رمزية باريس قد تدفع أيضاً إلى المبالغة في افتراض أن ما يحدث فيها سيتكرر بالضرورة في بقية العواصم. فالتشابه في أسباب الغضب لا يعني تطابق نتائجه، والظروف التي تسمح بتحول المظاهرات إلى حركة مستمرة تختلف من بلد إلى آخر. ففي بعض المجتمعات، تستطيع النقابات تنظيم المطالب والتفاوض بشأنها، بينما تتخذ الاحتجاجات في مجتمعات أخرى شكلاً متقطعاً أو محلياً. وفي بلدان تتمتع فيها الأحزاب بثقة نسبية، قد تتحول المطالب إلى برامج انتخابية أو إصلاحات تشريعية، بينما قد تتجه في أماكن أخرى إلى حركات احتجاجية ترفض المؤسسات السياسية التقليدية أو تشكك في قدرتها على تمثيل الناس.
أزمة القدرة الشرائية تتحول إلى أزمة عدالة اجتماعية عندما يشعر المواطن أن الأعباء لا تتوزع بصورة منصفة بين الفئات
وتكشف التطورات الأخيرة في أوروبا أن الغضب المرتبط بتكاليف المعيشة لا يقتصر على فرنسا. فقد شهدت البرتغال احتجاجات ركزت على أزمة السكن وارتفاع الإيجارات والأجور، وخرج متظاهرون في إيطاليا في تحركات ارتبطت بتكاليف الحياة والسياسات الحكومية، فيما شهدت بلجيكا احتجاجات تناولت قضايا معيشية وتعليمية. جاءت هذه التحركات في سياق متقارب زمنياً، لكنها بقيت منفصلة من حيث التنظيم والقيادة والمطالب الوطنية.
في البرتغال، يبرز السكن باعتباره نقطة التقاء بين أزمة القدرة الشرائية ومستقبل الشباب. فارتفاع الإيجارات وأسعار العقارات في المدن الكبرى لا يضغط على ميزانيات الأسر فحسب، بل يطرح أسئلة حول قدرة الاقتصاد على الاحتفاظ بعماله وكفاءاته، وحول ما إذا كانت المدن ستظل فضاءات يستطيع أصحاب الدخول العادية العيش فيها. وفي إيطاليا، تتداخل تكاليف المعيشة مع قضايا الأجور والعمل والخدمات، فيما تكشف التحركات في بلجيكا أن المطالب الاجتماعية قد تتقاطع مع الاحتجاج على الرسوم التعليمية وشروط الوصول إلى الخدمات. وتختلف السياقات الوطنية، لكن القاسم المشترك يتمثل في أن قطاعات من المواطنين تشعر بأن الالتزامات اليومية تتزايد بسرعة أكبر من قدرتها على التكيف معها.
ومع ذلك، فإن وجود احتجاجات متزامنة لا يثبت وحده أن أوروبا دخلت مرحلة انتفاضة اجتماعية موحدة، ولا يعني أن المظاهرات في هذه البلدان انطلقت نتيجة قرار مشترك أو قيادة عابرة للحدود. فالتزامن قد يعكس تعرض اقتصادات متعددة لضغوط متشابهة، وقد تسهم التغطية الإعلامية في جعل هذه التحركات تبدو وكأنها موجة واحدة، بينما تظل أسبابها المباشرة ومساراتها السياسية مختلفة. ومن المهم التمييز بين انتقال الاحتجاج بوصفه أسلوباً للتعبير، وبين انتقاله بوصفه حركة سياسية منظمة تمتلك أهدافاً مشتركة وآليات تنسيق مستمرة.
هنا يأتي دور التواصل الرقمي، الذي غيّر بصورة عميقة طريقة انتشار الاحتجاجات وصناعة رموزها. ففي الماضي، كانت الحركات الاجتماعية تعتمد بدرجة أكبر على النقابات والأحزاب والصحف وشبكات التنظيم التقليدية لنقل التجارب وتنسيق التحركات. أما اليوم، فيمكن لمقطع مصور من مظاهرة، أو شهادة عن ارتفاع الإيجارات، أو حملة رقمية تنتقد قراراً حكومياً، أن تصل خلال ساعات إلى جمهور في بلدان أخرى، وأن تقدم له مفردات جديدة للتعبير عن مشكلاته. ويمكن للمتظاهرين أن يتعلموا من تجارب الآخرين، وأن يستعيروا الشعارات وأساليب التعبئة، وأن يقارنوا بين استجابات الحكومات في قضايا متشابهة.
لكن سرعة انتقال الصور لا تعني بالضرورة انتقال التنظيم أو الاتفاق على الحلول. فالمنصات الرقمية تستطيع جمع أشخاص حول شعور مشترك بالاستياء، لكنها لا تضمن بناء قيادة تحظى بالثقة، أو صياغة برنامج قابل للتفاوض والتنفيذ. وقد تساعد على توسيع المشاركة، لكنها قد تساهم أيضاً في انتشار المعلومات المضللة، أو تضخيم أحداث محدودة، أو دفع النقاش نحو الاستقطاب. كما أن الحركات التي تتكون بسرعة عبر الشبكات قد تواجه صعوبة في الحفاظ على تماسكها عندما تنتقل من الاحتجاج على مشكلة إلى التفاوض بشأن إصلاحات محددة. فرفع شعار العدالة الاجتماعية أسهل من الاتفاق على كيفية تمويلها، والمطالبة بخفض الأسعار أسهل من بناء سياسة اقتصادية تعالج أسباب ارتفاعها من دون خلق أزمات جديدة.
لذلك، فإن مفهوم “العدوى الاجتماعية” يحتاج إلى فهم أكثر دقة. ليست العدوى مجرد تقليد لمشهد احتجاجي في بلد آخر، بل هي عملية تتفاعل فيها المظالم المحلية مع أمثلة خارجية توفر للناس شعوراً بأنهم ليسوا وحدهم، وأن الاحتجاج ممكن، وأن هناك وسائل أخرى لمساءلة السلطة. وقد ينتقل التأثير من بلد إلى آخر من خلال الرموز والخطاب، حتى عندما لا تنتقل المطالب نفسها. لكن تحويل هذا التأثير إلى حركة عابرة للحدود يحتاج إلى عناصر إضافية، من بينها استمرار الضغوط الاقتصادية، ووجود شبكات تنظيمية، وغياب قنوات فعالة للتفاوض، وتوافر مطالب يمكن ترجمتها إلى أهداف سياسية واضحة.
الغضب الاجتماعي لا يقتصر على فرنسا بل يتكرر في البرتغال وإيطاليا وبلجيكا حيث تتقاطع الأزمات المعيشية مع السياسات الحكومية
وتتجاوز أهمية هذه التحولات حدود أوروبا. فارتفاع أسعار الغذاء والطاقة والسكن، وتفاوت الدخول، وضعف الخدمات العامة، ليست مشكلات حصرية للديمقراطيات الغربية. وقد واجهت دول عديدة في مناطق مختلفة من العالم موجات احتجاج ارتبطت بأسعار السلع الأساسية أو الضرائب أو البطالة أو الفساد أو تراجع الخدمات. لكن المقارنة بين هذه الحالات تقتضي الانتباه إلى اختلاف المؤسسات والموارد ومستويات الحماية الاجتماعية وحرية التنظيم.
ومن هنا، فإن ما قد ينتقل عالمياً ليس بالضرورة حركة واحدة لها قيادة وشعار موحدان، بل نمط من الضغط الاجتماعي تصبح فيه القدرة الشرائية مدخلاً إلى مساءلة أوسع لأداء الدولة. فقد يبدأ الاحتجاج بسبب أسعار الوقود، ثم يتسع ليشمل الأجور والنقل والخدمات، قبل أن يصل إلى قضايا التمثيل السياسي والفساد وتوزيع الموارد. ولا يحدث هذا التوسع في كل مرة، لكنه يصبح أكثر احتمالاً عندما لا يجد المواطنون قنوات فعالة لإيصال مطالبهم، أو عندما يرون أن القرارات تُتخذ بعيداً عنهم، وأن كلفة الأزمات تقع على عاتقهم فيما تبقى مراكز النفوذ بمنأى عن آثارها.
والأثر السياسي المحتمل لا يقتصر على تغيير الحكومات أو تعديل السياسات الاقتصادية. فقد تدفع موجات الغضب الأحزاب التقليدية إلى مراجعة برامجها، وتمنح قوى سياسية جديدة فرصة لتقديم نفسها باعتبارها صوت الفئات المتضررة، وتعيد ترتيب النقاش العام حول الضرائب والهجرة والعمل والحماية الاجتماعية. وقد تستثمر بعض الحركات السياسية الاستياء المعيشي لتقديم حلول سريعة أو تفسيرات مبسطة لأزمات معقدة، بينما تسعى قوى أخرى إلى تحويل المطالب إلى إصلاحات تدريجية. ولا يمكن افتراض أن الاحتجاجات ستصب في اتجاه سياسي واحد؛ فالغضب من تراجع مستوى المعيشة قد يجمع فئات مختلفة، لكنه لا يوحد بالضرورة تصوراتها عن أسباب الأزمة أو سبل علاجها.
وهنا تكمن إحدى المفارقات الأساسية: يمكن للضغوط الاقتصادية نفسها أن تدفع بعض المواطنين إلى المطالبة بمزيد من تدخل الدولة والحماية الاجتماعية، فيما تدفع آخرين إلى التشكيك في المؤسسات القائمة أو رفض الضرائب والقيود التنظيمية. وقد يطالب المحتجون بتحسين الخدمات العامة، لكنهم يختلفون بشأن مصادر تمويلها. وقد يتفقون على أن السكن أصبح مكلفاً، لكنهم ينقسمون حول السياسات التي ينبغي اعتمادها لمعالجة الأزمة. ولهذا، فإن الاحتجاجات لا تقدم للحكومات برنامجاً جاهزاً، بل تكشف عن مشكلات لم تعد السياسات القائمة قادرة على احتوائها بالوسائل المعتادة.
أما الانتخابات، فإنها تمثل إحدى القنوات التي يمكن أن تنتقل عبرها المطالب الاجتماعية إلى المجال المؤسسي. فالاحتجاجات قد تزيد الضغط على الأحزاب لتقديم تصورات أكثر وضوحاً بشأن الأجور والإسكان والضرائب والخدمات، وقد تؤثر في أولويات الحملات والنقاش العام. لكن لا يمكن استنتاج نتائج انتخابية محددة من حجم المظاهرات وحده، لأن قرار التصويت يتأثر بعوامل متعددة، منها الثقة بالبدائل السياسية، والمواقف من قضايا الأمن والهجرة والسياسة الخارجية، ومدى قدرة الأحزاب على إقناع الناخبين ببرامج قابلة للتنفيذ. والمهم أن الحكومات التي تتجاهل المطالب الاجتماعية قد تجد نفسها أمام أزمة تمثيل أوسع، بينما تواجه القوى المعارضة بدورها اختباراً صعباً: هل تستطيع تقديم حلول تتجاوز استثمار الغضب إلى معالجة أسبابه؟
وفي هذا السياق، لا يكفي أن تستجيب الحكومات للاحتجاجات بإجراءات ظرفية أو مساعدات مؤقتة، وإن كانت هذه التدابير قد تكون ضرورية لحماية الفئات الأكثر تضرراً. فالمعالجة المستدامة تحتاج إلى النظر في أسباب ارتفاع تكاليف الحياة، من أزمة المعروض السكني إلى ضعف نمو الإنتاجية في بعض القطاعات، ومن اختلالات أسواق الطاقة إلى الفجوة بين الأجور وتكاليف الخدمات الأساسية. كما تتطلب مراجعة كيفية توزيع الإنفاق العام، ومدى كفاءة الدعم، وقدرة السياسات الضريبية على تمويل الخدمات من دون تحميل الفئات الأقل قدرة أعباء غير متناسبة.
التواصل الرقمي يسرّع انتقال رموز الاحتجاج وأساليبه، لكنه لا يضمن بناء قيادة موحدة أو صياغة حلول قابلة للتنفيذ.
ولا يعني ذلك أن الدولة تستطيع التحكم في جميع العوامل التي تؤثر في الأسعار، أو أن كل احتجاج يثبت فشل السياسات الحكومية. فأسعار الطاقة والسلع تتأثر بالأسواق العالمية والحروب واضطرابات سلاسل الإمداد، كما أن معالجة أزمات السكن تحتاج إلى وقت واستثمارات وإصلاحات تنظيمية. لكن مسؤولية الدولة تكمن في توضيح حدود قدرتها، واختيار التدابير التي تخفف الأثر الاجتماعي، وتحديد الأولويات بشفافية، وتقديم أدلة على أن الأعباء لا توزع بصورة اعتباطية. فالمواطن قد يتفهم وجود قيود اقتصادية، لكنه يصبح أقل استعداداً لقبولها عندما يشعر بأن القرارات تفتقر إلى العدالة أو أن الجهات المسؤولة لا تخضع للمساءلة.
وإذا كانت باريس تقدم اليوم مشهداً لافتاً من مشاهد الغضب الاجتماعي، فإن الدرس الأوسع لا يتعلق بقدرة الشارع على فرض مطالبه في لحظة معينة، بل بقدرة المؤسسات على الاستماع قبل أن تتحول المظالم المتراكمة إلى مواجهة مفتوحة. فالاحتجاج ليس دائماً علامة على انهيار النظام السياسي؛ قد يكون، في المجتمعات التي تتيح حرية التعبير والتنظيم، جزءاً من آليات تصحيح السياسات. لكنه يصبح أكثر خطورة عندما تفقد قنوات الحوار فعاليتها، أو عندما تتعامل السلطة مع كل مطلب بوصفه تهديداً، أو عندما تتسع الفجوة بين ما تعد به المؤسسات وما يستطيع المواطنون لمسه في حياتهم اليومية.
قد لا تتحول احتجاجات باريس إلى حركة عالمية موحدة، وقد تتراجع الموجة الحالية بعد استجابات حكومية أو تغير الظروف الاقتصادية. لكن ذلك لا يلغي السؤال الذي تطرحه: إلى أي حد تستطيع الدولة الحديثة المحافظة على شرعيتها عندما يصبح تأمين أساسيات الحياة عبئاً متزايداً على قطاعات من المجتمع؟
قد تكون باريس بداية موجة جديدة، وقد تبقى احتجاجاتها حدثاً فرنسياً تتقاطع معه تحركات متفرقة في بلدان أخرى. لكن السؤال الذي يتجاوز المكان والزمان هو ما إذا كانت الحكومات ستعيد بناء الثقة قبل أن تتسع الفجوة بين المجتمع ومؤسساته.