ساطع نورالدين.. كاتب لبناني المصدر صفحة الكاتب
لم يكن من السهل صرف النظر عن مقابلة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان مع قناة “الجزيرة” القطرية، التي كانت كما يبدو تعبر عن حرص تقليدي، فاق التصور، على تقديم “الرأي الآخر”، الصادر هذه المرة عن أرفع مسؤول مدني في طهران، عكست أجوبته ولغته وإستشهاداته القرآنية، خللاً في العقل السياسي الإيراني المحتجز، هذه الأيام، في خليط الدولة والثورة في إيران.
الأخطاء التي إرتكبها بزشكيان والاكاذيب التي اطلقها، لا يمكن ان تغتفر، ولا يجوز ان تذاع على الهواء مباشرة، من دون ان يفندها محاور قناة “الجزيرة” التي صارت أسيرة “الرأي الآخر”، مهما كان درجة نفاقه وهزاله، وتحولت الى منصة لكل عابر سبيل إيراني من الناطقين الصغار باسم الحرس الثوري الإيراني، المتمترس خلف سلاح الحرب “الظالمة” على إيران، و”الحاقدة” على مختلف الجيران العرب، وبينهم قطر..
بات هؤلاء الناطقون الإيرانيون يختصرون الخطاب الرسمي بلا مواربة ولا مراجعة، يوجهون على شاشة “الجزيرة” بالذات إساءات وإهانات مباشرة لتاريخ العرب كله، لاسيما عندما يمضون- بلا مقاطعة- في إدانة الانهزام العربي الدائم أمام دولة صغيرة مكونة من تسعة ملايين نسمة..هي نفسها التي إنتهكت طوال الشهور التسعة الماضية حرمات دولة إيران المؤلفة من 90 مليون مواطن!
والغريب ان الرئيس بزشكيان، الذي يمثل الآن هذا الخطاب الإيراني الموبوء، كان حتى الامس القريب ينادي قادة الحرس الثوري الإيراني بوقف الحرب قبل فوات الأوان ويعتذر علناً من دول الخليج العربي التي استهدفتها الصواريخ والمسيرات الإيرانية أكثر مما إستهدفت دولة ال9 مليون إسرائيلي..هو نفسه الذي إختار قناة “الجزيرة” لكي يعلن دعمه خيار السلام العربي مع إسرائيل، طالما أن في ذلك ما يوقف العدوان ويحفظ الحقوق والمصالح!
إلتقت القناة القطرية رئيس إيران المندمج مع الحرس على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، في نيويورك، حيث ذهب لينادي بالسلام مع أميركا، بشروط ما قبل إغلاق مضيق هرمز، وهي عقدة شرحها بشكل عجيب، عندما قال في جملة واحدة ان إيران كانت مضطرة الى اغلاق المضيق، لكنها لم تكن هي التي بادرت الى تلك الخطوة (!!) المثيرة للذهول في مختلف أنحاء العالم كونها أضرت وما زالت تضر بمصالح إيران أكثر من أي دولة خليجية او غربية أخرى.. واستدرجت حصاراً بحرياً أميركياً خانقاً.
مهلة الأسبوع الواحد لفتح المضيق، التي عرضتها إيران، والتي كان من المتوقع ان يرفضها المنافق الأكبر الرئيس دونالد ترامب، كانت الدليل على أن بزشكيان، ومعه الثلاثي الإيراني المرح، رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي، ورئيس المجلس الأعلى للامن القومي محسن رضائي، يتكلمون فقط بإسم”الحرس” الذي وضعهم في واجهة الدبلوماسية الإيرانية.. من دون المعارف والتجارب والخبرات المطلوبة.
عندما وصل حوار “الجزيرة” الى اليمن، صال بزشكيان وجال في رحاب الاسلام ووحدة المسلمين والآيات القرآنية المؤدية اليها، لكي يوجه إتهامه الى دولة إسرائيل، بأنها تقف وراء الهجمات الحوثية والعراقية الأخيرة على السعودية. قال بالحرف انه سأل العسكر في طهران( يقصد الحرس) عن تلك الهجمات فجاءه الجواب بالنفي التام، المرفق باقتراح تشكيل لجنة تحقيق مشتركة إيرانية سعودية في تلك الهجمات ومصدرها، وأضاف بزشكيان عارضاً أن تتوسط إيران بين الرياض والحوثيين، وتوج أجوبته بالإشارة الى ان الحركة الحوثية ، مثلها مثل باقي الحركات العربية الحليفة لإيران كانت موجودة في بلادها قبل الثورة الإيرانية!
ويبدو أنه لولا ضيق الوقت لكان بزكشيان استفاض في الحديث عن تلك الميليشيات، التي بنتها إيران بالتحديد بعد انتقالها من فترة الثورة الخمينية الى الدولة الوطنية، ووصل الى حد إعتبار “حزب الله”، الذي انشىء بقرار رسمي إيراني بعد تلك الثورة بسنوات، غريباً عن إيران وثورتها، وطارئاً على دولتها ومشروعها الإقليمي الآفل.
“المقابلة” مع بزشكيان تفضح مستوى الرجل والدولة، لكنها تصلح ان تكون مادة دراسية في الجامعات ومراكز الأبحاث، المهتمة بالخطاب السياسي الإيراني، الصادر في زمن الحرب، والموجه الى العرب، الذين يفترض ان يكونوا قد تجاوزوا عقدة شرطي الخليج الإيراني، الذي يطمح الى وراثة الاميركيين بلا خداع.
بيروت في 27 / 9 / 2026