في كلّ مناسبة متاحة، قبل ذكرى اغتيال الأمين العامّ الأسبق السيّد حسن نصرالله وفي خلالها وبعدها، لا يفوّت “الحزب” تأكيد تمسّكه بمقاومته وسلاحه وترسانته والتوجّه إلى بيئته خصوصاً، كي يؤكّد ثقته بها وولاءها له، ويثابر على معاكسة ما نجم عن 2 آذار الفائت كأنّه لم يحدث، أو لن يقع ما قد يكون أسوأ منه بعد. يصرّ على خياراته هذه وإبراز قوّته، فيما هو استنتج أنّه لم يعد ما كان عليه.
ما خلا إيران، دولتان بالكاد جاهزتان للتحدّث مع “الحزب” إلى حدّ ما، هما تركيا ومصر دونما أن تنقطع علاقته بقطر المتقاطعة مع أنقرة. كلتا الدولتين السنّيّتين الكبيرتين لهما أسبابهما في تواصل معقول به، تُعزى إلى إسرائيل أكثر منها إلى الاعتناء بالشأن اللبنانيّ:
تركيا تتشكّى من محاولة الدولة العبريّة مقاسمتها التأثير في سوريا وقضم نفوذها باقتطاع جزء من الأراضي السوريّة احتلّته إسرائيل، ومصر تتذمّر من استمرار الحرب على غزّة والدور الإسرائيليّ في الحبشة جارة مصر وتحريضه إيّاها على التدخّل في السودان الجار الآخر، ناهيك بمعضلة سدّ النهضة وتواصل حرب إسرائيل على لبنان.
وجدت تركيا ومصر جسر عبور في مواجهة إسرائيل: الأولى بمدّ “الحزب” بتقنيّات وقطع غيار تساعد في تجميع المسيّرات التي يستخدمها ضدّ إسرائيل ويصار إلى تهريبها عبر سوريا، وتضطلع في الوقت نفسه بدور التقريب بينه وبين نظام الرئيس السوريّ أحمد الشرع لحمله على القليل من التسامح والتساهل حياله دونما أن يكون الشرع قد نسي العبارة التي قالها للرئيس نجيب ميقاتي عندما استقبله في دمشق، في 11 كانون الثاني 2025 الشهر التالي لسقوط النظام السابق، وهي أنّ لسوريا “في ذمّة “الحزب” مليون سوري قتلوا في خلال تدخّله في الثورة السوريّة”.
على نقيض تركيا، لا تضطلع مصر بأيّ إنجاد عسكريّ لـ”الحزب”، مكتفية بمبادرة سياسيّة قادها السنة الماضية مدير المخابرات اللواء حسن رشاد وقضت، إلى تطبيق القرار 1701 والانسحاب من جنوب نهر الليطاني، بتجميع “الحزب” سلاحه الثقيل في مستودعات ثكن للجيش تكون تحت إشرافه وإشراف المؤسّسة العسكريّة معاً. آنذاك رفض المبادرة هذه دونما قطع خيوط التواصل مع مصر.
ماضٍ في مواجهة المجتمع الدّوليّ
باستثنائهما، لا تكاد أيّ دولة تتحدّث إلى “الحزب”. مع ذلك يمضي كما لو أنّه جاهز لمواجهة المجتمع الدوليّ لا الدولة اللبنانيّة فحسب. إصراره على الإبقاء على سلاحه ومتابعة مقاومة عبثيّة في معرض امتناعه عن إطلاق النار على العدوّ واستعصاء تحرير شبر واحد من الأراضي اللبنانيّة المحتلّة وانتقاله تالياً إلى مرحلة الدفاع عمّا بقي يملكه، يدفع إلى سؤال مشروع هو: إلى أيّ مدى يسع “الحزب” الاستمرار في الحرب و”المقاومة”، وما مقدرته على تبريرها، وما القوّة التي يوحي بأنّه لا يزال يحتفظ بها؟
تهريب الأسلحة مستمرّ
بعض المعطيات على صلة بالسؤال هذا:
1- ما لا يجهله أحد أنّ “الحزب” لا يزال قادراً على تهريب أسلحة خفيفة وذخائر وقاذفات وقطع غيار للمسيّرات بمقدار تمكّنه من تهريب أموال من الخارج إلى قيادته لإنفاقها على بيئته على الأقلّ. بالعملة الصعبة يتعاون مع مهرّبين سوريّين يتّخذونها تجارة رابحة.
بيد أنّ تهريب السلاح لا يعدو إلّا صورة كاريكاتوريّة عمّا كانت خبرته “الحركة الوطنيّة اللبنانيّة” في النصف الثاني من سبعينيّات القرن المنصرم، حينما راح ياسر عرفات يمدّها على نحو مدروس معدّ بعناية بصناديق بنادق ورشّاشات وذخائر للاستمرار في مواجهة “اليمين الانعزاليّ”، ويستولي، كما الجيش السوريّ، على شحنات أسلحة مرسلة من الاتّحاد السوفيتيّ ودول معسكره السابقة إلى الحزب الشيوعيّ اللبنانيّ ومنظّمة العمل الشيوعيّ أو من دول عربيّة كليبيا إلى الحزب التقدّميّ الاشتراكيّ، ويقتطعان للحركة الوطنيّة حصّتها.
ليس غرض الحصص هذه سوى استمرار أحزاب اليسار اللبنانيّ في الحرب المفتوحة بغية حفظ موقع المنظّمات الفلسطينيّة وراء الستارة في معادلة الصراع اللبنانيّ ـ اللبنانيّ وتسعيره. على نحو مماثل يعوّل “الحزب” اليوم بالسلاح التي يحوزه بالتهريب من الخارج على إبقاء نفسه في قلب معادلة الحرب مع إسرائيل لتبرير جدوى “المقاومة”.
أين الصّواريخ الاستراتيجيّة؟
2- يركن “الحزب” منذ مذكّرة التفاهم الأميركيّة ـ الإيرانيّة إلى التزام وقف النار كما لو أنّه يطبّق ما أمرت به طهران، على أنّها ظهيره في التفاوض الدائر بينها وبين واشنطن. بيد أنّ الأمر لا يقتصر على هذا الجانب. رغم صدور مذكّرة التفاهم تلك في 17 حزيران بما فيه بندها الأوّل بوقف الأعمال العسكريّة على كلّ الجبهات وأخصّها لبنان، لم توقف إسرائيل اعتداءاتها اليوميّة وغاراتها وتدمير البيوت والمنشآت وجرفها في جنوب نهر الليطاني وشماله، ويسعها أن تغير على أيّ مكان في لبنان في أيّ وقت بلا رادع، دونما أن يُحرّك “الحزب” ساكناً ما خلا حوادث نادرة تعلن إسرائيل، وليس هو، إطلاقه مسيّرات على جنودها.
مؤشّر ضمور القوّة هذه أنّه فقد أخيراً ما فاخر في الجهر به عقوداً منذ “تفاهم نيسان” عام 1996، ثمّ بعد تحرير عام 2000، أنّه أنشأ توازن ردع استراتيجيّاً مع إسرائيل وكبح هجماتها. سقط التوازن هذا في مرحلة أولى عام 2024 في واقعة “البيجر” ثمّ توالي اغتيال القادة الأوائل الميدانيّين، وبلغ الذروة في اغتيال أمينه العامّ ثمّ بعد أيّام خلفه. لم يعد ثمّة أثر عن الصواريخ الاستراتيجيّة والصواريخ الموجّهة أرض-جوّ التي استخدمها في الأشهر الأولى بعد 2 آذار.
قوّته في موقفه لا أكثر
3- المسألة الأكثر تأثيراً في المعادلة الداخليّة، وهي أنّ قوّة “الحزب” ليست في إظهار مقدرته على معاودة القتال أو عدمها، بل في الموقف السياسيّ الذي يعلنه للدولة اللبنانيّة والمجتمع الدوليّ يوميّاً، وهو أنّه لن يسلّم السلاح في أيّ وقت، وسيستمرّ في “المقاومة” والاحتفاظ به وإن لم يبقَ منه سوى بندقيّة واحدة وأخيرة فلن يسلّمها.
يجهر بذلك بقوّته الحاليّة الكامنة في موقفه السياسيّ لا في ترسانته أو ما بقي منها، وفي اصطفاف طائفته ومرجعيّاتها الدينيّة وراءه لا في تصنيف جناحه العسكريّ منظّمة خارج القانون. موقف كهذا، بتوالي الوقائع والحقائق ومرور الوقت، يذوي تدريجيّاً حتّى يختفي.
