مع قدرٍ لا بأس فيه من المبالغة، يمكن تناول علاقة دونالد ترامب وشي جينغ بينغ اللذين يلتقيان اليوم الأربعاء في قاعدة أندروز المشتركة (ضواحي واشنطن)، ثم في البيت الأبيض غداً الخميس، بشكلٍ مشابهٍ للتعاطي مع ما هو قائم بين الرئيس الأميركي وفلاديمير بوتين. صحيحٌ أنّ المبالغة فاقعة، فشتّان بين ضخامة الصين مقارنة مع هزال روسيا، واقتصادياً وسكانياً وتكنولوجياً، لكنّ التشابه المقصود هنا مصدره ترامب، أو بالتحديد نظرته إلى القوتين الكبريين المذكورتين، واللتين لم تعودا في ظل رئاسته تحظيان بمنسوب الخصومة والعداء الذي كان لهما قبل أن يتسلم الرئيس الـ47 منصبه خصوصاً في ولايته الثانية، وقبل أن يسدل الستار على الحرب الباردة.
تواظب التقارير الاستخبارية الأميركية على وضع الصين وروسيا في مقدّمة التحديات الاستراتيجية. لكنّ التقارير في ظل رئاسة رجل لا يقرأها، وإدارة مبنية على كره المؤسّسات البيروقراطية للدولة العميقة، ومنها التي تصوغ تلك الوثائق والخطط والاستراتيجيات، تفقد الكثير من قيمتها لتحلّ معها العفوية والمزاجية والاستنسابية والمعايير الشخصية والعوامل النفسية. تتهم الاستخبارات الأميركية بكين وموسكو بدعم طهران استخبارياً وبالتسليح مثلاً، فيسارع ترامب إلى تكذيبها مع عبارة مكرّرة ترجمتها أن الرجلين، شي وبوتين “يبليان بلاءً حسناً”. وفق هذا المنطق، يكاد الأهم في زيارة يومي الأربعاء والخميس يكون، بالنسبة إلى عديدٍ من وسائل الإعلام ووكالات الأنباء، أن ترامب ينوي كسر البروتوكول لاستقبال نظيره الصيني شخصياً في المطار بدل ما هو معتاد أن يحصل في البيت الأبيض تكريماً للرجل الذي يزور أميركا للمرة الأولى منذ عام 2015. ولفتة الاستقبال على أرض المطار لم يخصّها ترامب في ولايتيه إلا لبوتين عندما التقيا في ألاسكا صيف العام الماضي، مع كثير من التصفيق الحار، وهذا عنصر شبه إضافي في علاقة ترامب بالرئيسين الصيني والروسي.
ترامب تسيّره حيال الدول الأجنبية نظرية مفاعيلها شديدة التعقيد، مفادها بأن مهادنة الأقوياء واجبة إلى حين إضعافهم اقتصادياً وتكنولوجياً، بينما على الضعفاء أن يزدادوا ضعفاً، ولو كانوا حلفاء تاريخيين، وأن يرتضوا بالتبعية المطلقة لأميركا، وأن يدفعوا لها نسبة مئوية مجزية من دخلهم القومي، كأوروبا واليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا وكندا. من هذا المنظور، يصبح مفهوماً انحياز ترامب الفاقع للرواية الروسية في حرب أوكرانيا، كذلك التحلّل من أي خطط خاصة بتايوان حتى ولو قلّدت بكين في الجزيرة ما فعلته موسكو في أوكرانيا، ويمسي مستبعداً تصوّر حصول تدخل أميركي في كل مرة ترتكب الصين استفزازاً بحق حلفاء واشنطن في بحر الصين الجنوبي، أو كلما عمّقت هي وروسيا تحالفهما مع مارقين بوزن كيم جونغ أون في كوريا الشمالية.
لكنّ الصين وروسيا تظلان عدوّتين مؤجّلتين لترامب، وهما، وفق رؤيته، يجب إنهاكهما على غرار ما فعله نيكسون في حرب النجوم مع الاتحاد السوفييتي، ولكن بأدوات العصر الحالي، في التقنية الحديثة والذكاء الاصطناعي والمعادن النادرة ومصادر الطاقة المتبقية وسلاسل الإنتاج، لا بالتهديد والاستفزاز اللذين يبقيان من حصة حلفاء الأمس حصراً. لا بأس في هذا السياق من زيادة مخاطر الذكاء الاصطناعي على البشرية، لأن إبطاء السباق سيخدم الصين مثلما أخبرنا الرئيس الأميركي قبل أيام. حتى الحرب التجارية على الصين بدت غير مقنعة بالنسبة إلى ترامب الذي سارع إلى القبول بهدنة معها منذ 14 مايو/أيار 2025.
العالم الذي يرسمه ترامب والذي تكرّسه لقطات الكاميرات اليوم وغداً بين قاعدة أندروز والبيت الأبيض، تبدو فيه أميركا أقرب إلى الصين وروسيا من أوروبا وكندا. والصورة لا تكذب في هذا الإطار، فكم هو متناسقٌ مشهد ترامب إلى جانب شي وبوتين ولغة الجسد في ما بينهم، وكم يظهر نافراً وقوفه إلى جانب مارك كارني أو أندي بيرنهام مثلما كانت غير متجانسة صوره مع أنجيلا ميركل!