ملخص
نشأت حول هذه الحرب عقود عسكرية وشركات أمن خاصة ومراكز أبحاث وبرامج جامعية وأقسام متخصصة وأنظمة مراقبة وطبقة دائمة من المستشارين والخبراء، وأصبحت “مكافحة الإرهاب” صناعة بمليارات الدولارات ومصدر رزق لكثير من الناس. ليس هذا فحسب، بل أصبحت في كثير من الأماكن وسيلة لتحقيق مصالح سياسية وعسكرية وتجارية أوسع.
بعد ثلاثة أشهر من هجمات الـ11 من سبتمبر (أيلول)، وتحديداً في نوفمبر (تشرين الثاني) 2011، تلقيت اتصالاً من رقم مجهول، لكن صوت المتصل لم يكن غريباً: “الرجل مستعد للقائك مرة أخرى، هل تستطيع أن تأتي إلى كابول؟”.
كان هذا صوت منسق تنظيم “القاعدة” الذي رتب لي لقاء مع أسامة بن لادن قبل أشهر عدة، ليكون ذلك اللقاء الصحافي الأخير لزعيم القاعدة قبل هجمات الـ11 من سبتمبر.
عندما تلقيت الاتصال، كانت أفغانستان تنهار تحت وطأة الاجتياح العسكري الذي تقوده الولايات المتحدة، وبات من الصعوبة والخطورة بمكان الوصول إلى العاصمة كابول التي كانت على وشك السقوط.
لكن الاتصال عاد بي إلى الأشهر الماضية عندما كنت في قندهار، وتذكرت التحذير الذي سمعته هناك. كان القائد العسكري لتنظيم “القاعدة” أبو حفص المصري حاضراً أثناء مقابلتي مع بن لادن في مجمعه الحصين، وهو من أشار إلى أن “الطلب على التوابيت سيزداد في أميركا”، وأضاف المصري أن “مفاجأة كبيرة” في طريقها و”سيتم استهداف المصالح الأميركية والإسرائيلية”.
بعد أشهر قليلة، وقعت هجمات الـ11 من سبتمبر، وتردد في ذهني صدى التحذيرات التي سمعتها في قندهار عندما كنت أشاهد انهيار برجي مركز التجارة العالمي.
فخ بن لادن
قتل ثلاثة آلاف شخص وجرح أكثر من ذلك في هجمات الـ11 من سبتمبر التي هزت المجتمع الدولي، وبدأت الولايات المتحدة بما يسمى الحرب العالمية على الإرهاب رداً على هذه الهجمات، وقال الرئيس الأميركي جورج بوش الابن إنه سيخرج المتورطين من خنادقهم ويقتلهم، وبعث رسالة واضحة إلى العالم: أنتم معنا أو مع الإرهابيين، أي إن الدولة التي لا تساعدنا في الحرب على الإرهاب نعتبرها متواطئة مع الإرهابيين.
ونتيجة للإجراءات الأميركية العسكرية، أطيحت حكومة “طالبان” التي كانت تؤوي “القاعدة”، وقتل معظم زعماء التنظيم مما أدى إلى إضعافه، وقتل أسامة بن لادن نفسه في أبوت آباد بباكستان عام 2011، لكن “الحرب على الإرهاب” لم تتوقف.
ينقل أتباع بن لادن قوله بأنه يريد أن تتدخل الولايات المتحدة في أفغانستان، زاعمين أن تنظيم “القاعدة” سيجر الولايات المتحدة إلى هناك ويورطها في حرب طويلة. وفي هذا السياق، تستخدم كلمة “محرضون” في عدة مناسبات لوصف دور تنظيم “القاعدة”.
ميدانياً، دخلت الولايات المتحدة أفغانستان مع قوة المساعدة الدولية لإرساء الأمن (إيساف) التي تضم 50 دولة بقيادة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، واستمرت الحرب 20 عاماً، ليجلس الأميركيون أخيراً على طاولة المفاوضات مع حركة “طالبان” الأفغانية.
وقع اتفاق الدوحة بين الولايات المتحدة الأميركية وطرف آخر سمي بالإمارة الإسلامية في أفغانستان، إلا أن الاتفاق نص على أن الولايات المتحدة لا تعترف بهذا الكيان وأنها معروفة باسم “طالبان”. بعبارة أخرى، نجحت حركة “طالبان” الأفغانية في الأقل في استعادة الحكومة التي سحبت منها قبل 20 عاماً على الورق.
كلفة الحرب على الإرهاب
كلفت الحرب في أفغانستان الولايات المتحدة ما يقارب 2.3 تريليون دولار وأودت بحياة 2461 جندياً أميركياً. هذه الخسائر هي نتيجة أيديولوجية “أميركا أولاً” التي كانت جزءاً أساساً من استراتيجية “القاعدة” خلال عهد بن لادن. وقد أخبرني نائبه أيمن الظواهري بنفسه أنهم اضطروا إلى “ضرب الأفعى في رأسها”.
لكن العنف لم ينتهِ عند “ضرب رأس الأفعى” في الـ11 من سبتمبر، بل زاد وانتشر بعد ذلك.
باكستان المجاورة لأفغانستان كانت أكثر المتضررين بعواقب هجمات الـ11 من سبتمبر، إذ قررت إسلام آباد الامتثال للمطالب الأميركية والانضمام إلى “الحرب على الإرهاب”.
قدم نائب وزير الخارجية الأميركي آنذاك ريتشارد أرميتاج في الـ13 من سبتمبر 2001 قائمة من سبع نقاط من المطالب إلى رئيس الاستخبارات الباكستانية الفريق محمود أحمد في واشنطن ليتم نقلها إلى الرئيس الباكستاني الجنرال مشرف. ويذكر أرميتاج لاحقاً “قبل الرئيس مشرف جميع الشروط من دون استثناء”.
هذا القرار كان له تبعاته، إذ أصبحت المناطق القبلية الباكستانية ساحة معركة دائمة، ونشأت حركة “طالبان” باكستان المحظورة هناك التي بدأت سلسلة هجمات إرهابية دموية في أنحاء البلاد، ولا تزال باكستان تحارب التطرف وتواجه تبعات تلك الحرب حتى اليوم.
من جانب آخر، غزت القوات التي تقودها الولايات المتحدة العراق بعد أفغانستان، ليظهر هناك لاحقاً تنظيم “داعش” الذي سيطر على مساحات شاسعة من الأراضي في العراق وسوريا.
لم تكن كلفة الحرب على الإرهاب في الجانب العسكري فحسب، فبحسب مشروع “كلف الحرب” التابع لجامعة براون، كلفت الحروب منذ أحداث الـ11 من سبتمبر ما يقارب 8 تريليونات دولار، ونشأ اقتصاد جديد قائم على مكافحة الإرهاب.
ونشأت حول هذه الحرب عقود عسكرية وشركات أمن خاصة ومراكز أبحاث وبرامج جامعية وأقسام متخصصة وأنظمة مراقبة وطبقة دائمة من المستشارين والخبراء، وأصبحت “مكافحة الإرهاب” صناعة بمليارات الدولارات ومصدر رزق لكثير من الناس.
ليس هذا فحسب، بل أصبحت في كثير من الأماكن وسيلة لتحقيق مصالح سياسية وعسكرية وتجارية أوسع.
اليوم وبعد مرور 25 عاماً على أحداث الـ11 من سبتمبر، يستحق ضحايا الهجمات أن يخلد ذكرهم في التاريخ وأن ينالوا العدالة، لكن مواطني أفغانستان والعراق وباكستان وفلسطين وسوريا وغيرها ممن قتلوا وجرحوا في الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة وحلفاؤها باسم أحداث الـ11 من سبتمبر يستحقون العدالة وأن تخلد أسماؤهم أيضاً.
وفقاً لتقرير صادر من مشروع كلف الحرب في مايو (أيار) 2023، فإن العدد الإجمال للوفيات في مناطق الحرب التي أعقبت أحداث الـ11 من سبتمبر قد يصل إلى 4.5 إلى 4.7 مليون في الأقل، ويشمل هذا العدد المقتولين في ميدان الحرب، إضافة إلى عدد أكبر بكثير ممن لقوا حتفهم نتيجة الآثار غير المباشرة لهذه الحروب.
كنت أجلس في نفس المجمع في قندهار عندما قال أبو حفص “ستزداد تجارة التوابيت في أميركا”. نظرت إلى بن لادن الذي ابتسم وأومأ برأسه مؤيداً ما قاله أبو حفص. وبينما كان يغادر بعد المقابلة، قال لي بن لادن “سنتصل بك لاحقاً”.
وفعلاً، تلقيت اتصالاً من منسقه الذي عرفت صوته في نوفمبر 2001 كما وعد بن لادن، ودعيت مرة أخرى إلى إجراء مقابلة معه، لكني لم أذهب.
نقلاً عن اندبندنت أوردو
