مرزوق الحلبي ..ضفة ثالثة
ما يحصل في باريس (فرنسا) اليوم، وفي بعض العواصم والمدن الأوروبية، حصل في عام 1968. يومها أيضًا، تحفّظ اليساريون والشيوعيون والليبراليون على مشهد العنف في الشوارع والساحات، وامتنعوا عن المشاركة. بل ضُبط بعض مثقّفي اليسار، وعلى رأسهم ميشيل فوكو، وهم يبرّرون عدم مشاركتهم في احتجاجات تلك الحقبة في أوّلها على الأقل، وهي مشابهة في مطالبها لاحتجاجات اليوم من حيث المنبع. يومها شعر الناس بغياب العدل والمساواة في توزيع الخير العام، وخاب أملهم في دولة الرفاه الفرنسية التي أبقت الملايين تحت خطّ الفقر، علمًا بأنّ الوعد الذي قُطع للمواطنين كان أن فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية ستشهد إيجاد الحلول وتحقيق رفاه حقيقيّ. وهي الأرض الخصبة لاحتجاجات اليوم التي يريد الإعلام المؤسّساتي في فرنسا والعالم أن يدمغها بالعنف والشغب، علمًا بأنّ القضية هي إخفاق الاجتماع المُعَوْلَم في حماية حقوق أفراده وضمان العيش الكريم لهم. ما يحصل في فرنسا يحصل على نحوٍ ما في أماكن أخرى، وهي مناسبة لنا لنطلّ على مفهومين أو ظاهرتين: ظاهرة الرأسمال المُعَوْلَم وأثره في الدولة وفي الاجتماع، والثمن الذي يدفعه الاجتماع منذ اضمحلال ما سُمّي بالعنف الثوريّ المقدّس وإدراجه ضمن مفهوم الإرهاب.
ربّما أنّ الفارق الأساس بين احتجاجات الستينيّات ـ ثورة الطلّاب ـ واحتجاجات هذه الأيّام في باريس يكمن في هذين الحقلين. يومها كان الاحتجاج ضدّ الجمهوريّة بوصفها الدولة، وعاء الاجتماع والجهة المنظّمة له، بينما الاحتجاج اليوم هو ضدّ اقتصاد مُعَوْلَم ورأسمال مُعَوْلَم، تشكّل الدولة بالنسبة إليه أداةً لتنظيم السوق وضمان مصالحه وتكديس أرباحه. أمّا بالنسبة إلى المواطن، فهي أداة جباية تأخذ من الفئات الوسطى العاملة بشكل خاص، وتمنح ما تأخذه للرأسمال على شكل تقديمات أو إعفاءات أو تسهيلات ضريبيّة أو غيرها. وقد باتت الدولة عاجزةً أكثر فأكثر عن حماية المجتمع، وليس الفئات العاملة فحسب، من الرأسمال الذي يرفع أسعار كلّ شيء بعد أن تمّ بيع كلّ شيء عبر سيرورات خصخصة لفّت العالم وشملت الحدّ الأقصى من الخدمات والسلع. وهو رأسمال عامل بشكل عابر للحدود، وله مراسٍ في أكثر من دولة. بل هو قادر، وفق قوانين السوق والتفاهمات مع الدولة، على نقل خطوط إنتاجه وأصوله إلى دولة أخرى أو إلى الجنان الضريبيّة المنتشرة هنا وهناك، كلّما ساءلته دولةٌ وطالبته بأن يدفع ضرائبه أو أن يتنازل عن رفع أسعار سلعة أو خدمة، أو كلّما قرّرت حجب تقديماتها عن شركاته. لقد بات الرأسمال، بفعل وهن الدولة وتصفية أنظمة الحماية والتدخّل في الاقتصاد، أكثر مرونةً وقدرةً على التملّص من الأعباء الضريبيّة، حدّ التخلّص منها نهائيًّا، من دون أن يضطرّ إلى دفع دينه للمجتمعات في الدول. ليس هذا فحسب، ففي بعض أوجه الإنتاج الملوّث المنطوي على أضرار للبيئة، فإنّ الاتجاه العام في العالم هو إلغاء القيود البيئيّة، الأمر الذي يعني إحداث المزيد من مواضع الخلل بين الإنسان والطبيعة، وبين سكان المعمورة والكرة الأرضيّة كبيت للجميع.
| تظاهرات باريس 1968 (Getty) |
من الملاحظ أنّ الفوارق في نظام الرأسمال الوطني، وإن اتّسعت، تبقى قابلةً للضبط بتدخّل حكوميّ أو بنضال النقابات مثلًا واتحادات العمّال. أمّا الفوارق في نظام الرأسمال المُعَوْلَم، فيصعب على الدولة ـ فرنسا أو غيرها ـ ضبطها أو التخفيف من غلوائها؛ لأنّها اتّسعت بشكل غير مسبوق، ولأنّ الدولة ـ فرنسا أو غيرها ـ أضعف بكثير ممّا كانت، وأعجز من أن تتدخّل في ضبط السوق والتأثير في الأسعار. فالرأسمال المُعَوْلَم لم يصبح على هذا النحو من “الحرّيّة” لولا سيرورات عميقة منعت الدول دستوريًّا وقانونيًّا وسياسيًّا من التدخّل في أمور السوق. أو لنقلها بكلمات أخرى: هي تخشى أن ينسحب الرأسمال المُعَوْلَم من أراضيها كلّما طالبته بدفع دينه للمجتمع. وهو ما حصل في فرنسا التي كانت أكثر تروّيًا في تقبّل إملاءات الرأسمال. مع هذا، فقد أفادت الأبحاث في فرنسا نفسها أنّ الرأسمال استطاع أن “يشتري” التناقضات بينه وبين حركة العمل، كما في سائر أنحاء المعمورة، وأن “يشتري” الكثير من رؤساء النقابات واتحادات العمّال، كجزء من تسليع كلّ شيء، بما فيها المفاهيم ومواقع الفعل الاجتماعي كالنقابات.
في الشقّ الثاني من أحداث باريس، يأتي العنف الثوريّ كما مارسه المحتجّون في المدن الفرنسيّة، لا سيّما الصدامات المحسوبة مع الشرطة. عنفٌ يأتي في زمان ومكان ظننّا أنّه لم يعد موجودًا فيهما بسبب سيرورات التاريخ والفكر والاجتماع، لا سيّما بعد أفول السرديات الكبرى، وفي رأسها الاشتراكية ومنظومتها على النموذج السوفياتي، واضمحلال ظاهرة حركات التحرّر في حقبة ما بعد الاستعمار. لا أحد يستطيع أن يحدّد تاريخ التنازل عن العنف في النضالات العادلة ـ بما فيها فلسطين ـ، لكن حصل أن أسقط العالم من حساباته استعمال العنف من أجل التغيير الاجتماعي، بدعوى أنّ النظام السياسيّ يضمن عملية التغيير والتداول على السلطة وحوار البرامج والأفكار. وهو ما اتّضح أنّه غير فعّال كلّما تغوّل الرأسمال وتحوّل الاجتماع من اجتماع دولة إلى اجتماع مُعَوْلَم بفعل حركة الرأسمال ومرونته، وبفعل ثورة التكنولوجيا أيضًا، التي شكّلت أفضل موصل لأفكار الرأسمال وأنساقه واعتباراته ومعاييره، ليس في الاقتصاد ومساحة السوق فحسب، بل في الاجتماع والعلاقات بين الطبقات والناس والقوى الفاعلة في المجتمع.
لقد أعادت أحداث فرنسا في الأيّام الأخيرة العنف الثوريّ إلى الواجهة كآلية شرعيّة في النضالات ضدّ سطوة الرأسمال وعجز الدولة. بل إنّ عمليات نهب المتاجر، لا سيّما تلك التي ترتبط بماركات فاخرة وعالية الثمن، تؤكّد أنّ الغضب الأساسيّ موجّه إلى هذه الجهات كواجهة عالميّة للرأسمال المُعَوْلَم. أمّا العنف ضدّ رجال الشرطة، فهو ترجمة لغضب موجّه ضدّ الدولة التي فشلت مرّتين: في وضع كوابح لجشع الرأسمال، وفي حماية الناس من هذا الجشع الذي وصل حدّ عجز الناس عن شراء أدوية أو تناول أكثر من وجبة في اليوم الواحد.
هناك مَن يحاول أن يُقنعنا في العقود الأخيرة بضرورة كنس “الثورة” من حياة البشر، ومعها كلّ أفعالها، بما فيها العنف. وهو ليس عنفًا لغرض العنف أو لغرض التلذّذ أو العودة إلى التوحّش، بل هو كسر لقواعد اللعبة الخائبة في محصّلتها لمعظم الناس في الدولة التي تحوّلت إلى حارسة مصالح النخب السياسيّة والرأسمال. إنّها محاولة لتحدّي قواعد هذه المنظومة. ولنتنبّه إلى أنّ الأمر لا يقف عند حدّ تحريم استعمال المقهورين للقوّة، بل يطاوله إلى اللغة والمفردات وأسلوب الحديث. فقد استطاع الرأسمال أن يفرض لغته، وأيّ محاولة للخروج منها وعليها تُعتبر أيضًا كسرًا للقواعد. ومن هنا تبدو لغة المحتجّين في فرنسا كسرًا وعنفًا وحدثًا تُقصيه وسائل الإعلام الرسمية وتجرّمه.
لقد أعاد المحتجّون في باريس إلى التداول لغةً ثوريّةً كلاميّةً وفعليّةً، الأمر الذي سيكون له صداه في أوروبا ودول العالم الأخرى. سنفترض أنّ كلّ عصر يُنتج ثوراته. يكفي أن نتأمّل الثورة الفرنسيّة نفسها (1789) لندرك أنّه لا بدّ من العنف الثوريّ لغرض تقويض نظام وإنشاء آخر بدله. إنّ توحّش الرأسمال، كما تجسّد في كثير من نواحي حياة المجتمع الفرنسي وفي العالم، يستدعي الردّ بعنف؛ إنّها القاعدة التي زكّاها فرانس فانون حين جزم أنّ الثورة مقرونة بالضرورة بالعنف إذا ما أرادت أن تُنصف أصحابها. وهو القانون الذي عاد إليه الفيلسوف البرازيلي الثوريّ باولو فريري، الذي أكّد أنّ القاهرين لا يلتفتون إلى المقهورين إلّا عندما يلجأ الأخيرون إلى العنف.