ملخص
يستحوذ الخوف من أخطار الذكاء الاصطناعي على النقاش العام، بينما تتجسد آثار تغير المناخ بالفعل في موجات الحر والحرائق والفيضانات والجفاف، مهددة حياة البشر والاقتصاد والأمن والاستقرار العالمي. وتحذر أبحاث وتقارير من أن تداعيات الأزمة المناخية قد تتجاوز ارتفاع الحرارة إلى أزمات غذاء ومياه وهجرة وصراعات وأمراض جديدة، وسط مطالب بالتعامل معها كحالة طوارئ لا تحتمل مزيداً من التأخير.
لو قلت لكم إن تهديداً وجودياً هائلاً للأمن القومي والازدهار الاقتصادي وللبشرية جمعاء يلوح فوق رؤوسنا الآن، فقد يتجه ذهنكم، في ظل هذا الوصف المخيف، مباشرة إلى “الذكاء الاصطناعي”.
ومن الطبيعي أن يثير تصريح بهذه الخطورة قدراً كبيراً من الهلع، إذ يبدو كأن كل التحذيرات التي أطلقتها أعمال الخيال العلمي خلال القرن الماضي أخذت تتحقق أمامنا، من “هال 9000” في فيلم “2001: ملحمة الفضاء” 2001: A Space Odyssey، إلى “أنا، روبوت” I, Robot و”ماتريكس” The Matrix. وانتشرت موجة واضحة من الذعر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مع دعوات صاخبة إلى إنشاء “زر إيقاف طارئ”، وإلى اتفاق الشركات على إبطاء السباق الجماعي في مجال “الذكاء الاصطناعي” إلى حين تقييم جوانب السلامة على النحو المطلوب.
لكن ثمة مشكلة كبيرة في أن يستحوذ خطر الانقراض المحتمل الذي تمثله أدوات مثل “تشات جي بي تي” و”كلود” و”جيميناي” وغيرها على كل اهتمامنا. فنحن معرضون فعلاً لخطر أن ننسى تهديداً أكبر بكثير يواجه مختلف أشكال الحياة على الأرض، نعرفه منذ أكثر من قرن، ونشهد آثاره اليوم في أنحاء العالم كافة، وهو الانهيار المناخي.
كان يفترض أن يكون هذا الصيف كفيلاً بتبديد أي شكوك سابقة في أن الاحترار العالمي يغير كوكبنا وطريقة عيشنا بصورة جذرية. فقد شهدت دول عدة درجات حرارة شديدة وظواهر جوية متطرفة، تسببت في الجفاف والمجاعة والفيضانات المميتة والانهيارات الأرضية وحرائق الغابات. وكلها تهديدات ملموسة وقابلة للقياس وحقيقية لحياة البشر، بخلاف الأخطار غير الواضحة المرتبطة بنماذج اللغة الكبيرة.
وليس من قبيل المصادفة أن منكري تغير المناخ لزموا الصمت إلى حد كبير في الآونة الأخيرة. فحتى نحن الذين نعيش في شمال أوروبا وغربها، ونحظى بحماية نسبية من أشد العواقب بفضل المناخ المعتدل بطبيعته، لم نسلم تماماً هذا العام. ففي وقت كانت فيه مساحات واسعة من أوروبا تشتعل بحرائق الغابات، قدر عدد الوفيات الإضافية المرتبطة بالحرارة في إنجلترا خلال موجتي الحر في مايو (أيار) ويونيو (حزيران) 2026 بنحو 2877 حالة، أي ما يقارب ضعف العدد المسجل خلال صيف العام السابق بأكمله.
ووفق ما كتب الأمير ويليام حصرياً في “اندبندنت”، فإنها “أزمة تستدعي تحركاً عاجلاً”، مضيفاً أن نهج التقدم ببطء شديد، خطوة صغيرة تلو الأخرى، لم يعد كافياً لمواجهة الحجم الهائل للمشكلة.
ومن المتوقع أن يزداد الوضع سوءاً قبل أن يتحسن، نتيجة اجتماع أثر الاحترار الناجم عن الأنشطة البشرية مع ظاهرة “إل نينيو فائقة” يرجح أن تكون من أشد الظواهر المسجلة. وينتظر أن يؤدي الارتفاع الاستثنائي في درجات حرارة سطح البحر بالمناطق الوسطى والشرقية من المحيط الهادئ الاستوائي إلى اضطرابات مناخية واسعة، واختلال أنظمة بيئية في أنحاء العالم.
وهذا ما يدفع عدداً متزايداً من الشخصيات البارزة إلى المطالبة بأن نسمي هذا التزايد في الكوارث الناجمة عن تغير المناخ باسمه الحقيقي: تهديداً هائلاً ومتنامياً لبقائنا وبقاء سائر الكائنات الحية على الأرض.
كان لتغير المناخ دور في كل حدث من أحداث الانقراض الجماعي، وأسهم في سقوط إمبراطوريات وفي تشكيل التاريخ.
الدكتور لوك كيمب، من “مركز دراسة الأخطار الوجودية” في “جامعة كامبريدج”
وفي عام 2022، دعا فريق دولي من الباحثين بقيادة “جامعة كامبريدج” إلى أن يبدأ العالم الاستعداد لاحتمال بلوغ “النهاية المناخية”، أي أسوأ السيناريوهات المحتملة لتغير المناخ. ونشر الفريق ورقة بحثية تقترح برنامجاً لدراسة سيناريوهات تتدرج من السيئ إلى الأسوأ، بدءاً من فقدان 10 في المئة من سكان العالم وصولاً إلى انقراض البشرية.
وسلط الفريق الضوء على الخطر الحقيقي لما سمي “الفرسان الأربعة” لنهاية العالم المناخية: المجاعة وسوء التغذية، والظواهر الجوية المتطرفة، والصراعات، والأمراض المنقولة. وهذه ليست مخاوف وهمية مأخوذة من رواية ديستوبية عن المستقبل، بل أخطار حقيقية تنطوي عليها درجات الحرارة الآخذة في الارتفاع، وقد بدأنا بالفعل نرى آثارها.
وقال الدكتور لوك كيمب، الباحث الرئيس في الفريق من “مركز دراسة الأخطار الوجودية” التابع لـ”جامعة كامبريدج”، في ذلك الوقت: “هناك أسباب كثيرة تدعو إلى الاعتقاد أن تغير المناخ قد يصبح كارثياً، حتى عند مستويات معتدلة من الاحترار. فقد كان له دور في كل حدث من أحداث الانقراض الجماعي، وأسهم في سقوط إمبراطوريات وفي تشكيل التاريخ”.
وأضاف كيمب أنه على رغم أن الظواهر الجوية المتطرفة، التي باتت تحدث بوتيرة متزايدة، تشكل مصدر قلق كبير، فإن “مسارات الكارثة” لا تقتصر على الآثار المباشرة لارتفاع درجات الحرارة. وقال: “يمكن للتداعيات غير المباشرة، مثل الأزمات المالية والصراعات وتفشي أمراض جديدة، أن تطلق شرارة كوارث أخرى، وأن تعرقل التعافي من كوارث محتملة مثل الحرب النووية”.
وفي الآونة الأخيرة، تزايدت الضغوط للتعامل مع الانهيار المناخي باعتباره حالة طوارئ وطنية ودولية. وتطالب حملة “الإحاطة الوطنية للطوارئ” في المملكة المتحدة باستجابة لأزمة المناخ والطبيعة بحجم الاستجابة في زمن الحرب، على أن تبدأ بتنظيم الحكومة إحاطة طارئة مباشرة على شاشات التلفزيون، باعتبارها “خطوة أساس تمهد لاستجابة بالحجم الهائل المطلوب الآن”.
ووقع أكثر من 100 ألف شخص عريضة تطالب بذلك، مما أدى تلقائياً إلى إجراء نقاش في البرلمان البريطاني. وأطلقت الحملة فيلم “الإحاطة الطارئة للشعب” The People’s Emergency Briefing، وهو فيلم وثائقي طويل يقدمه كريس باكام ويعرض في أنحاء البلاد لحشد الدعم وزيادة الوعي بمدى إلحاح القضية.
وفي غضون ذلك، دعا زاك بولانسكي، زعيم “حزب الخضر” البريطاني، إلى نشر تقرير خطر أعده قادة أجهزة الاستخبارات البريطانية كاملاً، حتى يتمكن الرأي العام من معرفة الحجم الكامل للتهديد الذي يشكله تغير المناخ على الأمن القومي للمملكة المتحدة.
وكانت نسخة مختصرة من التقرير، لا تتجاوز 14 صفحة، قد نُشرت في يناير (كانون الثاني) الماضي، بعد حجب أجزاء كبيرة من محتواه بطلب من رئاسة الحكومة في “داونينغ ستريت”. ويحذر التقرير من عواقب قد تكون مدمرة، تشمل فشل المحاصيل ونقصاً حاداً في الغذاء خلال خمسة أعوام، وشح المياه، وظهور أمراض جديدة، والتضخم وارتفاع الأسعار، والنزوح والهجرة على نطاق واسع، واضطراب سلاسل الإمداد، وفقدان سبل العيش، وزعزعة الاستقرار السياسي، وصولاً إلى احتمال اندلاع صراعات مسلحة وحرب نووية، وكل ذلك نتيجة انهيار الأنظمة البيئية في أنحاء العالم.
وقال النائب عن “حزب الخضر” أدريان رامسي، خلال نقاش برلماني حديث دعا فيه إلى تحرك عاجل وإنشاء وحدة مخصصة لحماية المناخ: “يمثل الانهيار المناخي وأمن النظم الطبيعية أشد تهديدات الأمن القومي إلحاحاً وخطورة في عصرنا. فالمقومات الأساس لوجود الإنسان، من غذاء وماء وصحة، تعتمد جميعها على أنظمة بيئية سليمة ومستقرة”.
وأضاف: “إذا لم يكن هذا أحد أخطر تهديدات الأمن القومي التي نواجهها في عصرنا، فلا أعرف ما الذي يمكن اعتباره كذلك”.
حسناً، فلنحاول إنقاذ العالم من سيطرة “الذكاء الاصطناعي” وتجنب الدمار الكامل للبشرية خلال الأعوام الـ10 المقبلة، إن استطعنا. والأهم من ذلك، فلنضع حداً لشبكة مراكز البيانات المتسعة باستمرار، والتي تستنزف الطاقة والمياه والموارد التي نحن في أمس الحاجة إليها. لكن علينا ألا نسمح لتهديدات غامضة مستمدة من الخيال العلمي بأن تصرف انتباهنا عن مشكلة أكبر بكثير تحدث أمامنا بالفعل، هي تغير المناخ، وإلا فقد لا يبقى عالم ننقذه.
© The Independent
