-
هديل سالم، عبد الله الخلف… المصدر الجمهورية .نت
-
-
-
لطالما اعتمدت الحركة التجارية في مدن الجزيرة السورية على أريافها، إذ كان صرف فواتير «الموسم» يُشكِّل لحظة انتعاش للمزارعين والتجار معاً، فتتحرك الأسواق عندما «تمتلئ جيوب الفلاحين». أمّا اليوم، فتعيش الأسواق حالةً استثنائيةً من الركود نتيجة تأخر صرف مستحقات موسم القمح لشهور عديدة.
ورَّدَ الفلاحون محاصيلهم منذ مطلع حزيران (يونيو)، وفي العادة تُصرف الفواتير بدءاً من تموز (يوليو)، لكن ذلك لم يحدث هذا العام. ولم يتسلّم كثيرٌ من الفلاحين مستحقاتهم بعد، ما راكم عليهم ديون الموسم السابق، ودفعهم إلى زيادة الاستدانة لتمويل زراعتهم وتغطية الحدّ الأدنى من احتياجاتهم المعيشية. ومع استمرار التأخير ترتفع الفوائد وتتسع فجوة العجز، وتتراجع القدرة الشرائية، ليجد كثيرون أنفسهم غير قادرين على تسديد التزاماتهم أو تمويل الموسم الجديد، في حلقة تتسع آثارها من الحقول وصولاً إلى الأسواق.
تراكم الديون، وانخفاض السيولة
يقول إدريس، وهو تاجر بذور ومُزارع في ريف الحسكة، إن الركود بات يطال المنطقة بأكملها بفعل تشابك التعاملات المالية بين السكان؛ فالمزارعُ الذي لم يقبض مستحقاته يؤجّل سداد ديونه لتاجر السماد والبذار، فيما يجد التاجر صعوبة في الإيفاء بالتزاماته أو الاستمرار في البيع بالدين. ويضيف أن عدداً من زبائنه لم يسددوا ديون الموسم الماضي، ما يحُدُّ من قدرته على تأمين مستلزمات الموسم الجديد لهم على الحساب، في وقت لا تكفي فيه السيولة المُتاحة لتغطية التزاماته التجارية والمعيشية.
ولا يقتصر الأثر على حركة السوق فحسب، إذ اعتاد إدريس تخصيص جزءٍ من دخله للزكاة ومساعدة أشخاص يتواصلون معه سنوياً، لكنه لم يتمكن هذا العام من تقديم المبلغ المعتاد بسبب قلة السيولة. ويقول إن الاتصالات المتكررة من هؤلاء الأشخاص لتذكيره بحاجتهم وضعته في حرج، بعدما وجد نفسه عاجزاً عن تقديم المساعدة رغم معرفته بظروفهم.
ويُشبّه إدريس ما يجري بأحجار الدومينو، فالتأخُّر في صرف مستحقات المزارعين يُعطّل سداد الديون، ويدفع إلى تراجع حركة البيع والشراء لدى التجار وأصحاب المحلات، وصولاً إلى الأسر التي تضطر إلى تأجيل احتياجاتها، بما فيها بعض الاحتياجات الطبية.
ويوضح الخبير الاقتصادي عبد المنعم الفريج أن كثيراً من المزارعين يشترون السماد والبذار بالدين، وأن إطالة فترة الانتظار تزيد أعباءهم المالية، وقد تستنزف جزءاً كبيراً من عائدات المحصول عند تسوية الديون. كما يشير إلى أن بعضهم يلجأ إلى تقليل كميات السماد أو استخدام بذور أقل جودة لتخفيض تكاليف الإنتاج، وهو ما ينعكس مباشرة على جودة المحصول، وبالتالي يتأثّر اقتصاد المنطقة ككل.
في تل تمر بريف الحسكة، يملك عيسى، وهو اسم مستعار، 215 دونماً مروياً، لكنه لم يتمكَّن حتى الآن من تجهيز أرضه للموسم الجديد، بعدما تراكمت عليه ديون تكاليف الحراثة والبذار من الموسم الماضي.
ويقول عيسى إنه بات يتجنب الذهاب إلى المحلات والأسواق التي اعتاد شراء احتياجاته منها، خشية مطالبته بالديون أو اضطراره لإضافة مبالغ جديدة إلى ما عليه، بينما لا يزال ينتظر مستحقاته عن محصول القمح. وكان يخطِّط لتركيبِ ألواح طاقةٍ شمسية لبئر المياه بنظام الدفع المؤجّل لتخفيف الاعتماد على المازوت وتكاليفه المرتفعة، إلا أن تعثّره المالي دفعه إلى قبُول عرضِ أحد التجار الذين يتعامل معهم، يتولى بموجبه تسديد ديونه السابقة وتأمين البذار وتكاليف الحراثة، مقابل حصوله على 10 بالمئة من إنتاج الموسم الجديد. ويُضيف: «أعتمد على مردود الزراعة فقط، وتراكمت ديوني بالسوق. وافقت لأن ما عندي خيار ثاني».
وفي الرقة، زرع بشير الشهاب 60 دونماً من القمح، ولم يحصل على مستحقاته حتى الآن. ويقول إنه استثمر جزءاً من أمواله في شراء السماد وباعه للمزارعين بالدَّين، غير أن زبائنه لم يتمكنوا من السداد لأنهم لم يقبضوا مستحقاتهم هم أيضاً. ويضيف أن الوعود السابقة بصرف الأموال لم تتحقَّق بالنسبة إلى كثير من المزارعين، وأن الديون التي يُقدّمها التجار تتضخم مع مرور الوقت، ضارباً مثالاً بمبلغ يُقرِضُه بقيمة ألف دولار، فيصبحُ 1400 دولار عند تسويته مع حلول الموسم.
ويرى الشهاب أن التأخير أضعف ثقة المزارعين بالجهات الحكومية، وقد يدفع بعضهم إلى الإحجام عن توريد محاصيلهم للحكومة في الموسم المقبل. كما يُشير إلى أن عائلات أجَّلت مشروعاتها، ومنها الزواج والبناء، بانتظار الأموال المستحقة.
وكذلك ورَّدَ محمد الكدرو محصوله في 10 تموز (يوليو)، لكنه لم يتسلّم مستحقاته حتى الآن، والبالغة ثلاثة ملايين ليرة سورية (جديدة). ويقول إنه «لم يعُد يثق بالوعود»، وإن ما سيحصل عليه قد لا يكفي لسداد ديونه المتراكمة وفوائدها، فضلاً عن تأمين تكاليف حراثة أرضه.
تراجع الإنفاق يصل إلى سوق الذهب والسيارات وسطَ دورة اقتصادية متعثّرة
يربط الخبير الاقتصادي عبد المنعم الفريج بين تأخُّر صرف المستحقات وتراجع الكتلة النقدية المتداولة في الأسواق، معتبراً أن ذلك يُضعِف القدرة الشرائية ويقود إلى ركود تجاري وتراكم الديون على المزارعين والمواطنين. ويمتدُّ هذا الأثر ليطال الوِرش والمصانع المحلية المنتِجة لمستلزمات الزراعة، إذ يؤدي ضعف الطلب إلى تقليص الإنتاج، وقد ينعكس ذلك على فرص العمل. ويُحذِّر الفريج من أن استمرار جفاف السيولة قد يفاقم معدلات البطالة ويدفع مزيداً من السكان إلى التفكير في الهجرة.
وفي الدرباسية، يربط غسان ملا علي، وهو صائغ، بين تأخُّر مستحقات القمح وتراجع حركة الشراء في منطقةٍ يعتمد اقتصادها بدرجة كبيرة على الزراعة. ويقول إن صرف المستحقات كان يُشكِّل موعداً تنتظره العائلات لتغطية احتياجاتها، ومنها تجهيزات الزواج وشراء الذهب، لكن النشاط المعتاد لم يتكرر هذا الموسم. ويوضح أن بعض العائلات تعتمد على تحويلات أقاربها المغتربين، في حين تراجعت حركة الشراء لدى السكان المحليين بالتزامن مع ارتفاع أسعار الذهب عالمياً، ما دفع كثيراً من العرائس إلى تقليص مشترياتهنَّ.
ويقول: «اعتدنا بعد الشهر الثامن تنزل فواتير القمح، فتتوجَّه العائلات والشباب لشراء الذهب. حالياً تمرّ أربعة أو خمسة أيام لتشتري عروس قطعة ذهب. بعدما كانت العروس تشتري 150 أو 200 غرام، صارت تكتفي بقطعة، مثل إسوارة أو حلق، مع المحبس».
وفي الرقة، يقول محمد نور سراج، وهو صاحب محل اتصالات، إن السوق في حالة من الجمود، مضيفاً أن نشاط محله يرتبط بمواسم تسلّم المزارعين مستحقاتهم، وأن تأخر الدفع يترك البضائع في المحلات ويصعّب تسديد الالتزامات التجارية.
أما زياد الأحمد، وهو تاجر سيارات، فيُشير إلى أن الركود تجاوز تراجع المبيعات إلى نشوء خلافات بين بعض المزارعين والتجار وصلت «للضرب»، على خلفية شراء سيارات بالدين وعدم الوفاء بالالتزامات المتَّفق عليها. ويقول إن الديون والفواتير تتزايد مع استمرار التأخير.
آلية جديدة للصرف
صدر تعميم عن وزارة المالية في 21 تشرين الأول (أكتوبر) الجاري، يُحدِّد إجراءات جديدة لصرف مستحقاتِ المزارعين بحسب المحافظة وقيمة المستحقات. وبحسب التعميم، يُطلب تسليم المزارعين كامل مستحقاتهم في عدد من المحافظات، فيما حُدِّدت معدلاتٌ للسحب اليومي من فروع المصرف المركزي في دير الزور وحلب، بنحو 200 مليون ليرة سورية (جديدة) يومياً في الأولى و300 مليون ليرة (جديدة) في الثانية، مع مُهلٍ لاستكمال صرف المستحقات المتبقية.
أمّا في الحسكة والرقة، فنصَّ التعميم على تسليم المزارعين الذين تبلغ مستحقاتهم خمسةَ ملايين ليرة سورية أو أقلَّ كاملَ مستحقاتهم، بينما تُدفع مستحقات من تتجاوز مستحقاتهم هذا المبلغ على دفعتين، مع مراعاة قوائم الدور الموجودة لدى الفروع.
وفي الرقة، قال فيصل الذويخ، مدير فرع المصرف الزراعي التعاوني، إن الفرع تلقى آلية جديدة يُفترض بموجبها رفع السيولة النقدية اليومية إلى 500 مليون ليرة سورية، متوقعاً الانتهاء من دفع كامل مستحقات الفلاحين بنهاية تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل.
لكن هذه الإجراءات والمُهلة المعلنة لا تُلغي الأعباء التي تراكمت خلال أشهر الانتظار، ولا تعوّض الخسائر الناجمة عن فرق سعر الصرف، إذ كان سعر صرف الليرة عند صدور قرار تحديد سعر طن القمح القاسي المشوّل بـ46 ألفَ ليرةٍ جديدة نحو 133 ليرةً جديدة للدولار، أي ما يعادل قرابة 346 دولاراً للطنِّ. وبعد اعتراضات المزارعين واحتجاجاتهم، أصدر الرئيس في المرحلة الانتقالية أحمد الشرع المرسومَ رقم 120 لعام 2026، الذي منح «مكافأةً تشجيعية» قدرها 9000 ليرة جديدة عن كل طنٍّ يتم تسليمه. ومع ارتفاع سعر الصرف إلى 141 ليرة جديدة للدولار، تراجعت القيمة الفعلية للسعر الجديد إلى نحو 390 دولاراً للطن، ما يعني خسارة تُقارب 25 دولاراً قياساً بتغيّرات سعر الصرف.
ومع أن الإجراءات الجديدة قد تُسرّع صرف المستحقات وتُنهي الأزمة نظرياً، فأن الوقت المتبقي حتى تنفيذها سيُراكم فوائد الديون على الفلاحين ويُعمِّق فجوة السيولة في الأسواق. ومع استمرار الجمود، تمتدّ آثار الركود إلى قطاعات إضافية، فيما تبدو استعادة الثقة بالجهات الحكومية مهمّةً صعبة في الموسم المقبل، إذ لا ضمانة أن يورد المزارعون محاصيلهم، ولا ضمانة أن يُزرع الموسم القادم بالقمح.
-