
تحذير أوروبي
في التاسع من أكتوبر/تشرين الأول 2026، ربطت مارتا كوس مباشرة بين التطورات الداخلية التركية ومستقبل انضمام أنقرة إلى الاتحاد الأوروبي، مركزة على ملفات حرية الإعلام، وحقوق مجتمع الميم، والديمقراطية المحلية.
وقالت إن الإجراءات الأخيرة “توسع الفجوة” بين تركيا وهدفها في العضوية الأوروبية، مؤكدة أن تقرير التوسع في 18 أكتوبر/تشرين الأول سيعكس “مخاوف جدية” بشأن هذه التطورات، مؤكدة أن الأهمية الاستراتيجية لتركيا بالنسبة إلى أوروبا أصبحت أكبر بكثير.
وجاءت تصريحاتها خلال زيارة إلى أدرنة التركية، للمشاركة في افتتاح مشروع للسكك الحديدية يموله الاتحاد الأوروبي.
ووثق تقرير المفوضية الأوروبية2025 استمرار التراجع في استقلال القضاء والحريات الأساسية، والملاحقات التي تستهدف معارضين، ومسؤولين منتخبين، وصحفيين، وناشطين.
من اعتقال أوغلو إلى التضييق على الإعلام
أبرز محطات التوتر في 2025، عندما اعتقلت السلطات رئيس بلدية إسطنبول المعارض أكرم إمام أوغلو، بتهم فساد، بعد إلغاء شهادته الجامعية في قرار أثار جدلا وأفقده أهلية الترشح للرئاسة.
وأشعل الاعتقال أكبر احتجاجات مناهضة للحكومة منذ عقد، شارك فيها مئات الآلاف، وسط اتهامات للقضاء بالتحيز السياسي.
وبحسب تقرير معهد رويترز، التابع لجامعة أكسفورد، فرضت السلطات حظرا على التظاهر لأربعة أيام، وعقوبات على قنوات معارضة، وقيدت الوصول إلى منصات التواصل، وأغلقت خطوطا رئيسية للمترو.
وأحيل ثمانية صحفيين أتراك إلى المحاكمة في أبريل/نيسان 2025، فيما رحلت السلطات مراسل هيئة الإذاعة البريطانية، واعتقلت صحفيا سويديا.
وتظهر بيانات معهد رويترز تراجع الثقة العامة بالأخبار في تركيا إلى 33% عام 2025، كما احتلت البلاد المرتبة 159 من أصل 180 دولة في التصنيف العالمي لحرية الصحافة الصادر عن مراسلون بلا حدود.
وامتدت القيود إلى التغطية المتعلقة بحقوق مجتمع الميم، وحجبت السلطات موقعا إخباريا مستقلا على خلفية مواد اعتبرتها “دعاية للمثلية الجنسية”، ضمن حملة حكومية، وتحدث أردوغان في الجمعية العامة عن حصار يستهدف الأطفال الأبرياء ومؤسسة الأسرة، وقال لا يمكننا كسر هذا الحصار إلا بحماية الأسرة المكونة من المرأة والرجل، وتابع: “ستواصل تركيا اتخاذ المبادرات رغم الضغط”.
مسار عضوية متوقف منذ ثماني سنوات
وتقدمت أنقرة بطلب العضوية عام 1987، وحصلت على صفة دولة مرشحة في 1999، قبل افتتاح مفاوضات الانضمام في 2005، لكن الخلافات السياسية والقانونية عطلت العملية تدريجيا، حتى علقها المجلس الأوروبي في 2018، ومن أصل 35 فصلا تفاوضيا، افتتح الطرفان 16.
وأكد البرلمان الأوروبي في2026 أن استئناف العملية يتطلب تقدما ملموسا في الديمقراطية وسيادة القانون.
وتتمثل العقبات في استقلال القضاء وملاحقة المعارضين وحماية الحقوق الأساسية، إلى جانب القضية القبرصية وخلافات شرق البحر المتوسط، وعدم التوافق الكامل بين السياسة الخارجية التركية ومواقف الاتحاد الأوروبي، خصوصا بشأن روسيا.
ولا تعترف تركيا بجمهورية قبرص العضو في الاتحاد، بينما تربط نيقوسيا أي تقدم في العلاقات الأوروبية التركية بإحراز تقدم في تسوية النزاع.
ومع ذلك، لا تزال تركيا دولة مرشحة للعضوية.
“لا مزيد من فيكتور أوربان”.. أوروبا تشدد شروط التوسع
تأتي تصريحات كوس بينما يستعد الاتحاد الأوروبي لاحتمال انضمام دول جديدة، بينها الجبل الأسود، وألبانيا، وأوكرانيا، ومولدوفا.
وفي أكتوبر/تشرين الأول 2026، كشفت المفوضية عن مقترحات لفرض ضمانات رقابية خلال السنوات الخمس عشرة الأولى من عضوية أي دولة جديدة، بما يسمح بتعليق حقوق التصويت أو وقف تمويل أوروبي إذا انتهكت الدولة القيم الديمقراطية الأساسية.
وقالت كوس لصحيفة الغارديان: “لا مزيد من فيكتور أوربان”، في إشارة إلى النموذج المجري والخلافات التي شهدها الاتحاد بشأن سيادة القانون وتعطيل القرارات المشتركة.
المصالح الاستراتيجية والحسابات الأوروبية
ورغم التباعد السياسي، ازدادت أهمية تركيا في الحسابات الأوروبية بفعل الحرب الروسية على أوكرانيا، والتهديدات الأمنية في البحر الأسود، وعدم اليقين بشأن السياسة الأمريكية، والمنافسة الاقتصادية مع الصين.
ويرى مركز الإصلاح الأوروبي، في لندن، أن الموقع الجغرافي لتركيا وقدراتها العسكرية يجعلان التعاون معها ضروريا لتعزيز أمن أوروبا.
فتركيا تمتلك ثاني أكبر جيش دائم في حلف شمال الأطلسي، وتتحكم في الوصول إلى البحر الأسود عبر مضائقها، وتتمتع بصناعة دفاعية متطورة في الطائرات والمركبات غير المأهولة والذخائر، ويمكنها المساهمة بسد ثغرات سلاسل التوريد الدفاعية الأوروبية، في وقت يسعى فيه الاتحاد لتعزيز استقلاله العسكري وتقليص اعتماده على الولايات المتحدة.
تعاون يتجاوز جمود العضوية
اقتصاديا، الاتحاد الأوروبي هو أكبر شريك تجاري لتركيا، بينما تحتل تركيا المرتبة الخامسة بين شركاء الاتحاد التجاريين، وتجاوز التبادل بينهما 210 مليارات يورو عام 2024.
وتطالب أنقرة بتحديث الاتحاد الجمركي، الذي دخل حيز التنفيذ عام 1996، كما تطالب بالمشاركة في بعض البرامج الصناعية الأوروبية، والانضمام المحتمل إلى منطقة المدفوعات الموحدة باليورو.
وفي ملف الهجرة، تبقى تركيا شريكا رئيسيا للاتحاد الأوروبي، وخصص التكتل منذ2011 ،12.5 مليار يورو لدعم اللاجئين والمجتمعات المضيفة في تركيا.
ويرى أنصار التشدد الأوروبي أن تقديم امتيازات واسعة لتركيا دون إصلاحات ديمقراطية قد يضعف مصداقية الاتحاد ومعايير العضوية.
في المقابل، يحذر دعاة الانخراط الاستراتيجي من أن عزل أنقرة قد يقلص قدرة أوروبا على التأثير فيها، ويدفعها إلى تعزيز علاقاتها مع شركاء بديلين.