ملخص
نجاح الوسيط الخليجي في أزمة هرمز وإعادة فتحه، لا يعني أن المنطقة قد ابتعدت من أخطار عودة الحرب، حتى في ظل موافقة الطرفين على إحياء مسار إسلام آباد ومذكرة التفاهم، لأن طهران تعتقد أن واشنطن تحاول الحصول على فرصة استراحة، والتخفيف من انعكاسات التوترات في الشرق الأوسط على الصراعات الداخلية والاقتصاد العالمي، بانتظار اللحظة المناسبة للعودة لخيار الحرب، مع اقتراب الانتخابات النصفية.
في وقت كانت كل المؤشرات توحي إلى احتمال تصعيد مفتوح بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، وأن الجهود الدبلوماسية والحراك الذي تقوم به دول المنطقة، والمعنية بالمسار التفاوضي بين واشنطن وطهران، وصلت إلى طريق مسدود، خرج الرئيس الأميركي دونالد ترمب بمنشور على موقع “تروث سوشيال” ليقول إنه قرر تعليق الهجوم غير المسبوق على إيران، وإعطاء العالم وإيران فرصة جديدة، شرط أن تساعد هذه الفرصة في إعادة فتح مضيق هرمز، وتنهي بصورة تامة الأخطار النووية للبرنامج الإيراني.
وإذا ما كان الرئيس الأميركي يسعى من خلال فتح هذه النافذة إلى تحريك الحلول في المنطقة، وإنهاء تداعيات إقفال مضيق هرمز، فإن ما تكشفه المواقف التي لا تقال في العلن، والتي تفضحها بعض الإشارات العابرة في تعليقات المسؤولين الإيرانيين، إضافة إلى الجهود التي تبذلها الدول التي مارست وتمارس دور الوسيط بين الطرفين، وما يرافقها من حراك دبلوماسي بمبادرة إيرانية تجاه الدول الإقليمية المعنية، أو بين هذه الدول في ما بينها، لا يقتصر هدفها على وقف التصعيد ومنع الحرب، بل يتجاوزه إلى تمهيد الطريق لإعادة إحياء مذكرة التفاهم التي سبق التوقيع عليها في العاصمة الباكستانية إسلام آباد بين واشنطن وطهران، والتي جاءت الإشارة إليها واضحة في تعليقات الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، إضافة إلى إعادة تفعيل مسار التفاوض بين الطرفين، لإنهاء الملفات الباقية والعالقة بينهما، خصوصاً ما يرتبط بالبرنامج النووي، وملف الأذرع الإيرانية في الإقليم.
فتحُ ترمب نافذة التهدئة وإعطاء فرصة لإخراج التفاهم غير المباشر مع الإيرانيين، من خلال المبادرة التي تقوم بها الدوحة بالتنسيق مع إسلام آباد حول آليات إدارة مضيق هرمز، لا يسقط إمكان سقوط التهدئة والعودة لخيار الحرب في أية لحظة، بخاصة أن كل الأطراف الإقليمية، وتحديداً إيران، باتت أقرب إلى القناعة التي تقول إن قرار وقف العملية العسكرية ضدها، ليس سوى إعطاء فرصة لتهدئة المخاوف الاقتصادية العالمية والداخلية في أميركا، وأن خيار الحرب أو العودة لها سرعان ما سيعود لصدارة الضرورات الأميركية، مع اقتراب موعد الانتخابات النصفية للكونغرس.
قرار طهران الموافقة على الصيغة المطروحة لإدارة المضيق، لا يكون من باب قبولها بهذه المبادرة، وأنها تلبي طموحاتها كاملة، بل لقناعتها بضرورة الانحناء أمام العاصفة المقبلة، وحاجتها إلى إبعاد شبح العودة الحرب، على رغم ما تعلنه من استعداد لها، خصوصاً أن كلا الطرفين المعنيين بهذه الأزمة وتداعيات الحرب المحتملة، لا يملكان مقومات لرؤية واضحة لحل الأزمة، وما يواجهانه من ضيق الخيارات يدفع بهما، مجبرين، نحو اعتماد خيار إدارة الأزمة والتصعيد، حتى لا تذهب الأمور إلى الانفجار المنفلت الذي قد يصعب ضبطه والسيطرة عليه هذه المرة.
المؤشرات على وجود رغبة لدى الطرفين في إعادة إحياء مذكرة التفاهم بينهما تبدو كثيرة ومتعددة، سواء في المواقف الصادرة عن واشنطن وطهران، على رغم إعلانهما سابقاً نهاية وموت هذه المذكرة، أو من قبل الوسطاء والمعنيين، بالدفع من أجل إعادة التهدئة والتوصل إلى تسوية، تبعد المنطقة عن دائرة حرب جديدة.
تأكيد الرئيس الإيراني أن هذه المذكرة ستكون وتشكل محور ونقطة ارتكاز إيران في علاقاتها الخارجية خلال المرحلة المقبلة، تأتي على النقيض من الأجواء الداخلية المحتدمة، نتيجة الصراع الذي يخوضه الفريق أو التيار المؤيد للتفاوض، والذي يشكل ويعبّر عن منظومة القرار والدولة العميقة، والنواة الصلبة للنظام التي تقوم على كل من “حرس الثورة” و”المجلس الأعلى للأمن القومي” ورئاسة الجمهورية ورئاسة البرلمان، ممثلة في كبير المفاوضين محمد باقر قاليباف، الذي من المفترض أن يقوم بزيارة مفصلية ومصيرية إلى إسلام آباد خلال الأيام المقبلة من أغسطس (آب) الجاري.
المرشد الأعلى الجديد للنظام مجتبى خامنئي، والذي يجلس على رأس هذا الفريق، والمواقف السياسية ذات البعد الأمني والسياسي المرتبطة بمفهوم العمق الإستراتيجي للنظام في الداخل والإقليم، اعتماداً واستناداً إلى ما قد ينتج من مذكرة التفاهم مع واشنطن، بخاصة في إشارته إلى التمسك الإيراني بتطبيق المادة الأولى من هذه المذكرة، ثم جاءت مبادرة الأمين العام لـ “حزب الله” اللبناني نعيم قاسم الأخيرة باتجاه سوريا وقيادتها الجديدة، وترحيبه بفتح قنوات تواصل مباشرة معها، وهو موقف وإن لم يحمل أية إشارة اعتذار عن مشاركة الحزب في الحرب إلى جانب النظام السابق، لكنه من الصعب أن يصدر عن قاسم من دون التنسيق مع طهران، وينسجم مع توجهاتها الجديدة نحو دول المنطقة، والمعادلات الجديدة التي ترسم لها.
هذه المواقف والمؤشرات أعطت بزشكيان دفعاً قوياً لمواجهة كل الأصوات الداخلية الساعية إلى عرقلة هذا المسار، والتي لجأت إلى التصويب على أهليته في إدارة المرحلة، واتهامه بالضعف ورغبته في الاستقالة، وتهديد المرشد له بإمكان عزله إذا ما لوّح مرة جديدة بذلك، مما دفع المرشد للتدخل من خلال مكتبه الإعلامي للرد على هذه الجماعات، واتهامها باختلاق أخبار لا أساس لها من الصحة، ولم تصدر عن المرشد.
انتظار إدارة الرئيس ترمب لما ستسفر عنه الوساطة القطرية والعُمانية مع إيران، حول الآلية الجديدة لإعادة تشغيل وفتح مضيق هرمز، وإن كان يريح ترمب من تداعيات استمرار إقفال هذا الممر الجيو-ستراتيجي، وكذلك أعباء العودة للحرب، تعني أن واشنطن تختبر جدية الجانب الإيراني في رغبته إنهاء هذه الأزمة، وفتح الطريق أمام العودة للمفاوضات الجدية بينهما حول الملفات الأخرى العالقة، وفي المقابل فإن هذا الانتظار الأميركي يلتقي مع انتظار طهران الصيغة السياسية التي تساعده في الابتعاد من حافة الهاوية الحالية، مع تمسكه بمحاولة تخفيف الشروط الأميركية وآثارها السلبية، كي لا تكون محرجة بقبولها، وبما يسمح بتمرير هذا التفاهم والاتفاق حول المضيق.
نجاح الوسيط الخليجي في أزمة هرمز وإعادة فتحه، لا يعني أن المنطقة قد ابتعدت من أخطار عودة الحرب، حتى في ظل موافقة الطرفين على إحياء مسار إسلام آباد ومذكرة التفاهم، لأن طهران تعتقد أن واشنطن تحاول الحصول على فرصة استراحة، والتخفيف من انعكاسات التوترات في الشرق الأوسط على الصراعات الداخلية والاقتصاد العالمي، بانتظار اللحظة المناسبة للعودة لخيار الحرب، مع اقتراب الانتخابات النصفية، في حين تشكك واشنطن في نيات طهران وجديتها في التوصل إلى حلول حول ملفات أساسية، من النووي إلى مستقبل علاقاتها مع أذرعها الإقليمية والإدارة الأمنية للمنطقة، وأن الضغوط الاقتصادية نتيجة عودة الحصار البحري والعقوبات المالية فرضت عليها التنازل، لتقطيع الوقت والتسويف بانتظار نتائج الانتخابات الأميركية، وعدم اليقين عند الطرفين، يعني أنهما لم يتوصلا إلى قناعة أو إرادة جدية لإنهاء الصراع، والاكتفاء بإدارته، وبالتالي يجعل التوصل إلى حل نهائي بعيداً، وأن توقيته مرتبط بوصول الحرب إلى النقطة التي تنتج توازناً مقبولاً من كل أطراف المنطقة.
