أبوظبي- تدفع التطورات العسكرية المتسارعة في اليمن السعودية والإمارات إلى إعادة تنسيق حساباتهما، في تحول قد يعيد ترتيب أدوار الطرفين داخل المعسكر المناهض للحوثيين، بعد أشهر من التباعد واختلاف المقاربات تجاه الوضع في اليمن. ويكتسب هذا التقارب أهمية إضافية مع تتابع اللقاءات بين مسؤولين من البلدين، بالتوازي مع تقارير عن تفاهم لاستئناف الدعم الإماراتي لقوات يمنية وتوفير غطاء جوي سعودي لها.
وقام وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان بزيارة إلى ابوظبي الأحد وكان في استقباله الشيخ منصور بن زايد، نائب رئيس دولة الإمارات. وقالت وكالة الأنباء السعودية إن اللقاء تناول عدداً من القضايا والموضوعات ذات الاهتمام المشترك، وفي مقدمتها مستجدات الأوضاع في المنطقة، وأن المسؤولين تبادلا وجهات النظر بشأنها مؤكدين أهمية العمل على تعزيز التعاون بما يسهم في دعم جهود ترسيخ الأمن والاستقرار الإقليمي.
كما حظي الأمير خالد بن سلمان في وقت لاحق من يوم الأحد باستقبال من رئيس الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان.
ووفق وكالة الأنباء الإماراتية الرسمية، تطرق اللقاء إلى “العلاقات الأخوية بين البلدين الشقيقين وسبل تعزيز التعاون المشترك وتطويره بما يحقق مصالحهما المشتركة ويعود بالخير والنماء على شعبيهما الشقيقين”.
كما جرى “استعراض التطورات الإقليمية التي تشهدها المنطقة وتبادلا وجهات النظر بشأنها بما يسهم في ترسيخ الأمن والاستقرار وتحقيق السلام الدائم في المنطقة”.
تتابع الاتصالات يعزز الانطباع بوجود رغبة مشتركة لإعادة بناء الثقة وتنسيق المواقف في مرحلة تتزايد فيها المخاطر الأمنية على دول الخليج
ويشير هذا الحراك إلى أن التطورات الميدانية باتت تفرض على الرياض وأبوظبي البحث عن أرضية مشتركة، حتى مع إدارة الخلافات بشأن المجلس الانتقالي الجنوبي وشكل السلطة في المناطق الخاضعة للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، فضلا عن التباين في تقييم أداء الأطراف المنضوية تحت الحكومة الشرعية اليمنية. ولا يعني التقارب بالضرورة تجاوز تلك الخلافات، بقدر ما يعكس أولوية احتواء التقدم الحوثي ومنع تحوله إلى اختلال أوسع في ميزان القوى.
ووفق تقرير نشرته صحيفة «الغارديان» البريطانية في 17 أكتوبر، وافقت الإمارات على استئناف التمويل لبعض القوات الجنوبية المناهضة للحوثيين، وفي مقدمتها ألوية العمالقة، مقابل توفير السعودية غطاء جوياً لها. ولم يصدر تأكيد رسمي معلن بشأن تفاصيل هذا الترتيب، ما يجعل التعامل معه مرتبطاً بالمعلومات التي أوردتها الصحيفة، لا باعتباره اتفاقاً معلناً ومكتملاً.
ويأتي ذلك بعد لقاءات سعودية إماراتية متتالية، من بينها اجتماع في الرياض أواخر سبتمبر جمع الشيخ منصور بن زايد بولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، بحضور وزير الدفاعي السعودي، ثم لقاءات لاحقة تناولت العلاقات الثنائية والتطورات الإقليمية.
ويعزز تتابع الاتصالات الانطباع بوجود رغبة مشتركة لإعادة بناء الثقة وتنسيق المواقف في مرحلة تتزايد فيها المخاطر الأمنية على السعودية ومحيط البحر الأحمر.
وتتمثل أبرز دوافع هذا التقارب في التغيرات الميدانية التي شهدها اليمن، ولا سيما تقدم الحوثيين باتجاه الساحل الغربي ومحيط باب المندب، إلى جانب الضغوط العسكرية على تعز. وتمنح هذه المناطق المواجهة بعداً يتجاوز الصراع الداخلي، نظراً إلى أهمية المضيق للملاحة الدولية وتجارة الطاقة، فضلاً عن ارتباطه بأمن خطوط التصدير السعودية.
وفي هذا السياق، تواجه الرياض تحدياً يتمثل في منع الحوثيين من تعزيز مواقعهم قرب الممرات الاستراتيجية، بالتزامن مع استمرار الهجمات التي تستهدف أراضيها ومنشآتها. أما أبوظبي، فتملك خبرة سابقة في دعم وتدريب تشكيلات يمنية، من بينها ألوية العمالقة، التي تعد من القوى المنظمة داخل المعسكر المناهض للحوثيين.
ويتيح تقاسم الأدوار، وفق الترتيب الذي أوردته «الغارديان»، الاستفادة من قدرات الطرفين من دون أن يعني ذلك العودة الكاملة إلى نموذج التحالف العسكري الذي تشكل عام 2015. فاستئناف التمويل الإماراتي وتوفير الغطاء الجوي السعودي قد يشكلان صيغة عملية للتعاون، لكن نجاحها سيظل مرتبطاً بمدى التنسيق بين القوات على الأرض، ووضوح الأهداف العسكرية، والقدرة على تأمين الإمدادات والاحتفاظ بالمواقع.
وبذلك، تبدو تطورات اليمن عاملاً مساعدا لتسريع التنسيق السعودي الإماراتي. وإذا تأكد الترتيب الذي أوردته «الغارديان»، فسيكون مؤشراً إلى استعداد الطرفين لتقديم التعاون الأمني على خلافاتهما المرحلية، لكنه سيظل اختباراً لقدرة الرياض وأبوظبي على تحويل تقاطع المصالح العسكرية إلى تفاهم أوسع بشأن إدارة المناطق المحررة ومستقبل الجنوب. أما إذا بقي التنسيق محصوراً في التمويل والغطاء الجوي، فقد يخفف الضغط الميداني من دون أن يعالج الانقسامات التي أضعفت المعسكر المناهض للحوثيين.